Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المجادلة - الآية 22

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) (المجادلة) mp3
أَيْ يُحِبُّونَ وَيُوَالُونَ

لَمَّا ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ الْوَاقِفِينَ عِنْد حُدُوده ذَكَرَ الْمُحَادِّينَ الْمُخَالِفِينَ لَهَا . وَالْمُحَادَّة الْمُعَادَاة وَالْمُخَالَفَة فِي الْحُدُود , وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى : " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّه وَرَسُوله " [ الْأَنْفَال : 13 ] . وَقِيلَ : " يُحَادُّونَ اللَّه " أَيْ أَوْلِيَاء اللَّه كَمَا فِي الْخَبَر : ( مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ) . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمُحَادَّة أَنْ تَكُون فِي حَدّ يُخَالِف حَدّ صَاحِبك . وَأَصْلهَا الْمُمَانَعَة , وَمِنْهُ الْحَدِيد , وَمِنْهُ الْحَدَّاد لِلْبَوَّابِ .

قَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , جَلَسَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاء , فَقَالَ لَهُ : بِاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّه مَا أَبْقَيْت مِنْ شَرَابك فَضْلَة أُسْقِيهَا أَبِي , لَعَلَّ اللَّه يُطَهِّر بِهَا قَلْبه ؟ فَأَفْضَلَ لَهُ فَأَتَاهُ بِهَا , فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : هِيَ فَضْلَة مِنْ شَرَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِئْتُك بِهَا تَشْرَبهَا لَعَلَّ اللَّه يُطَهِّر قَلْبك بِهَا . فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : فَهَلَّا جِئْتنِي بِبَوْلِ أُمّك فَإِنَّهُ أَطْهَر مِنْهَا . فَغَضِبَ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! أَمَا أَذِنْت لِي فِي قَتْل أَبِي ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَلْ تَرْفُق بِهِ وَتُحْسِن إِلَيْهِ ) . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : حُدِّثْت أَنَّ أَبَا قُحَافَة سَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَكَّهُ أَبُو بَكْر اِبْنه صَكَّة فَسَقَطَ مِنْهَا عَلَى وَجْهه , ثُمَّ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ : ( أَوَ فَعَلْته , لَا تَعُدْ إِلَيْهِ ) فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَوْ كَانَ السَّيْف مِنِّي قَرِيبًا لِقِتْلَتِهِ . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : نَزَلَتْ فِي أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح , قَتَلَ أَبَاهُ عَبْد اللَّه بْن الْجَرَّاح يَوْم أُحُد وَقِيلَ : يَوْم بَدْر . وَكَانَ الْجَرَّاح يَتَصَدَّى لِأَبِي عُبَيْدَة وَأَبُو عُبَيْدَة يَحِيد عَنْهُ , فَلَمَّا أَكْثَرَ قَصَدَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَة فَقَتَلَهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه حِين قَتَلَ أَبَاهُ : " لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " الْآيَة . قَالَ الْوَاقِدِيّ : كَذَلِكَ يَقُول أَهْل الشَّام . وَلَقَدْ سَأَلْت رِجَالًا مِنْ بَنِي الْحَارِث بْن فِهْر فَقَالُوا : تُوُفِّيَ أَبُوهُ مِنْ قَبْل الْإِسْلَام . " أَوْ أَبْنَاءَهُمْ " يَعْنِي أَبَا بَكْر دَعَا اِبْنه عَبْد اللَّه إِلَى الْبِرَاز يَوْم بَدْر , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَتِّعْنَا بِنَفْسِك يَا أَبَا بَكْر أَمَا تَعْلَم أَنَّك عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ السَّمْع وَالْبَصَر ) . " أَوْ إِخْوَانهمْ " يَعْنِي مُصْعَب بْن عُمَيْر قَتَلَ أَخَاهُ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَوْم بَدْر . " أَوْ عَشِيرَتهمْ " يَعْنِي عُمَر بْن الْخَطَّاب قَتَلَ خَاله الْعَاصِ بْن هِشَام بْن الْمُغِيرَة يَوْم بَدْر , وَعَلِيًّا وَحَمْزَة قَتَلَا عُتْبَة وَشَيْبَة وَالْوَلِيد يَوْم بَدْر . وَقِيلَ : إِنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي حَاطِب بْن أَبِي بَلْتَعَةَ , لَمَّا كَتَبَ إِلَى أَهْل مَكَّة بِمَسِيرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْفَتْح , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه أَوَّل سُورَة " الْمُمْتَحَنَة " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . بَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَان يَفْسُد بِمُوَالَاةِ الْكُفَّار وَإِنْ كَانُوا أَقَارِب .

اِسْتَدَلَّ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه مِنْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى مُعَادَاة الْقَدَرِيَّة وَتَرْك مُجَالَسَتهمْ . قَالَ أَشْهَب عَنْ مَالِك : لَا تُجَالِس الْقَدَرِيَّة وَعَادهمْ فِي اللَّه , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُوله " .

قُلْت : وَفِي مَعْنَى أَهْل الْقَدَر جَمِيع أَهْل الظُّلْم وَالْعُدْوَان . وَعَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَنْ كَانَ يَصْحَب السُّلْطَان . وَعَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي دَاوُد أَنَّهُ لَقِيَ الْمَنْصُور فِي الطَّوَاف فَلَمَّا عَرَفَهُ هَرَبَ مِنْهُ وَتَلَاهَا . وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ( اللَّهُمَّ لَا تَجْعَل لِفَاجِرٍ عِنْدِي نِعْمَة فَإِنِّي وَجَدْت فِيمَا أَوْحَيْت ) " لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر - إِلَى قَوْله - أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبهمْ الْإِيمَان " أَيْ خَلَقَ فِي قُلُوبهمْ التَّصْدِيق , يَعْنِي مَنْ لَمْ يُوَالِ مَنْ حَادَّ اللَّه . وَقِيلَ : كَتَبَ أَثْبَتَ , قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس . وَقِيلَ : جَعَلَ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " [ آل عِمْرَان : 53 ] أَيْ اِجْعَلْنَا . وَقَوْله : " فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " [ الْأَعْرَاف : 156 ] وَقِيلَ : " كَتَبَ " أَيْ جَمَعَ , وَمِنْهُ الْكَتِيبَة , أَيْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقُول نُؤْمِن بِبَعْضٍ وَنَكْفُر بِبَعْضٍ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِفَتْحِ الْكَاف مِنْ " كَتَبَ " وَنَصْب النُّون مِنْ " الْإِيمَان " بِمَعْنَى كَتَبَ اللَّه وَهُوَ الْأَجْوَد , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ " وَقَرَأَ أَبُو الْعَالِيَة وَزِرّ بْن حُبَيْش وَالْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم " كَتَبَ " عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله " الْإِيمَان " بِرَفْعِ النُّون . وَقَرَأَ زِرّ بْن حُبَيْش " وَعَشِيرَاتهمْ " بِأَلِفٍ وَكَسْر التَّاء عَلَى الْجَمْع , وَرَوَاهَا الْأَعْمَش عَنْ أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم . وَقِيلَ : " كَتَبَ فِي قُلُوبهمْ " أَيْ عَلَى قُلُوبهمْ , كَمَا فِي قَوْله " فِي جُذُوع النَّخْل " [ طَه : 71 ] وَخَصَّ الْقُلُوب بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مَوْضِع الْإِيمَان .

قَوَّاهُمْ وَنَصَرَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ , قَالَ الْحَسَن : وَبِنَصْرٍ مِنْهُ . وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : بِالْقُرْآنِ وَحُجَجه . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : بِنُورٍ وَإِيمَان وَبُرْهَان وَهُدًى . وَقِيلَ : بِرَحْمَةٍ مِنْ اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : أَيَّدَهُمْ بِجِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام .

أَيْ قَبِلَ أَعْمَالهمْ

فَرِحُوا بِمَا أَعْطَاهُمْ

قَالَ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْجُرْجَانِيّ عَنْ بَعْض مَشَايِخه , قَالَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام : إِلَهِي ! مَنْ حِزْبك وَحَوْل عَرْشك ؟ فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : " يَا دَاوُد الْغَاضَّة أَبْصَارهمْ , النَّقِيَّة قُلُوبهمْ , السَّلِيمَة أَكُفّهُمْ , أُولَئِكَ حِزْبِي وَحَوْل عَرْشِي " . خُتِمَتْ وَالْحَمْد لِلَّهِ سُورَة ( الْمُجَادَلَة )
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح لمعة الاعتقاد [ الفوزان ]

    هذا شرح متوسط على كتاب لمعة الاعتقاد لموفق الدين بن قدامة، تناول فيه جملة وافرة من مسائل الاعتقاد بإيجاز، فقام الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - بتبيين هذا الكتاب وشرحه لطلبته، زائداً مسائله إيضاحاً وبياناً ودلالة، ثم قام المعتني بتفريغ هذا الشرح من الأشرطة المسجل عليها؛ ليكون كتاباً يعم نفعه ويسهل، مع إلحاق ببعض الأسئلة العقديّة التي أجاب عنها الشيخ الفوزان مقرونة بأجوبتها بآخر الكتاب وفهارس علميّة متنوّعة، ومقدّمة فيها ترجمة موجزة لموفق الدين ابن قدامة - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205556

    التحميل:

  • التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد : كتاب يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهوكتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه مؤلفه - رحمه الله - التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع، وقد رتبه المصنف أحسن ترتيب، وختم كل باب من أبوابه بمسائل مفيدة هي ثمرة الكتاب، وهذه المسائل لم يتعرض أحد لها بالشرح والتوضيح إلا نادرا، ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد الدويش - رحمه الله - وفي هذه الصفحة نسخة من الكتاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205559

    التحميل:

  • التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية

    التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذا شرحٌ مختصرٌ للقصيدة السنيَّة والمنظومة البهيَّة المشهورة بـ (الحائية) لناظمها الإمام المُحقِّق والحافظ المُتقِن شيخ بغداد أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن الإمام المعروف - رحمهما الله -».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344673

    التحميل:

  • انتصار الحق

    انتصار الحق: رسالة صغيرة عبارة عن محاورة هادفة حصلت بين رجلين كانا متصاحبين رفيقين يدينان بدين الحق، ويشتغلان في طلب العلم فغاب أحدهما مدة طويلة، ثم التقيا فإذا الغائب قد تغيرت أحواله وتبدلت أخلاقه، فسأله صاحبه عن سبب ذلك فإذا هو قد تغلبت عليه دعاية الملحدين الذين يدعون لنبذ الدين ورفض ما جاء به المرسلون.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2161

    التحميل:

  • أخلاق العلماء

    العلماء هم قادة الأمة، وخلفاء الرسل، وورثة الأنبياء، أخذوا على أيدي الأمة من حضيض المستنقعات والرذائل إلى الالتزام بشرع الله والتحلي بالفضائل، لكن لابد للعالم الرباني من أخلاق يتحلى بها حتى يكون قدوة للأمة، وفي هذا الكتاب بين المصنف - رحمه الله - فضل العلم، وأوصاف العلماء الذين نفعهم الله بالعلم، وأخلاقه .... إلخ من المباحث التي تهم طالب العلم.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2453

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة