Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المجادلة - الآية 12

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) (المجادلة) mp3
فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُول " " نَاجَيْتُمْ " سَارَرْتُمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُكْثِرُونَ الْمَسَائِل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى شَقُّوا عَلَيْهِ , فَأَرَادَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُخَفِّف عَنْ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ كَفَّ كَثِير مِنْ النَّاس . ثُمَّ وَسَّعَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِالْآيَةِ الَّتِي بَعْدهَا . وَقَالَ الْحَسَن : نَزَلَتْ بِسَبَب أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَسْتَخْلُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُنَاجُونَهُ , فَظَنَّ بِهِمْ قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَنْتَقِصُونَهُمْ فِي النَّجْوَى , فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ عِنْد النَّجْوَى لِيَقْطَعهُمْ عَنْ اِسْتِخْلَائِهِ . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم : نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُود كَانُوا يُنَاجُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ إِذَنْ يَسْمَع كُلّ مَا قِيلَ لَهُ , وَكَانَ لَا يَمْنَع أَحَدًا مُنَاجَاته . فَكَانَ ذَلِكَ يَشُقّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , لِأَنَّ الشَّيْطَان كَانَ يُلْقِي فِي أَنْفُسهمْ أَنَّهُمْ نَاجُوهُ بِأَنَّ جُمُوعًا اِجْتَمَعَتْ لِقِتَالِهِ . قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَان وَمَعْصِيَة الرَّسُول " [ الْمُجَادَلَة : 9 ] الْآيَة , فَلَمْ يَنْتَهُوا فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , فَانْتَهَى أَهْل الْبَاطِل عَنْ النَّجْوَى , لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ نَجْوَاهُمْ صَدَقَة , وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْل الْإِيمَان وَامْتَنَعُوا مِنْ النَّجْوَى , لِضَعْفِ مَقْدِرَة كَثِير مِنْهُمْ عَنْ الصَّدَقَة فَخَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ بِمَا بَعْد الْآيَة .

الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَفِي هَذَا الْخَبَر عَنْ زَيْد مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَام لَا تَتَرَتَّب بِحَسَبِ الْمَصَالِح , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " ذَلِكَ خَيْر لَكُمْ وَأَطْهَر " ثُمَّ نَسَخَهُ مَعَ كَوْنه خَيْرًا وَأَطْهَر . وَهَذَا رَدّ عَلَى الْمُعْتَزِلَة عَظِيم فِي اِلْتِزَام الْمَصَالِح , لَكِنَّ رَاوِي الْحَدِيث عَنْ زَيْد اِبْنه عَبْد الرَّحْمَن وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْعُلَمَاء . وَالْأَمْر فِي قَوْله تَعَالَى : " ذَلِكَ خَيْر لَكُمْ وَأَطْهَر " نَصّ مُتَوَاتِر فِي الرَّدّ عَلَى الْمُعْتَزِلَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

الثَّالِثَة : رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ بْن عَلْقَمَة الْأَنْمَارِيّ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُول فَقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة " سَأَلْته قَالَ لِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تَرَى دِينَارًا ) قُلْت لَا يُطِيقُونَهُ . قَالَ : ( فَنِصْف دِينَار ) قُلْت : لَا يُطِيقُونَهُ . قَالَ : ( فَكَمْ ) قُلْت : شَعِيرَة . قَالَ : ( إِنَّك لَزَهِيد ) قَالَ فَنَزَلَتْ : " أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات " [ الْمُجَادَلَة : 13 ] الْآيَة . قَالَ : فَبِي خَفَّفَ اللَّه عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب إِنَّمَا نَعْرِفهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَمَعْنَى قَوْله : شَعِيرَة يَعْنِي وَزْن شَعِيرَة مِنْ ذَهَب . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ أُصُولِيَّتَيْنِ : الْأُولَى : نَسْخ الْعِبَادَة قَبْل فِعْلهَا . وَالثَّانِيَة : النَّظَر فِي الْمُقَدَّرَات بِالْقِيَاسِ , خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة .

قُلْت : الظَّاهِر أَنَّ النَّسْخ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْد فِعْل الصَّدَقَة . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد : أَنَّ أَوَّل مَنْ تَصَدَّقَ فِي ذَلِكَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَنَاجَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رُوِيَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِخَاتَمٍ . وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْره عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّهُ قَالَ : فِي كِتَاب اللَّه آيَة مَا عَمِلَ بِهَا أَحَد قَبْلِي وَلَا يَعْمَل بِهَا أَحَد بَعْدِي , وَهِيَ : " يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُول فَقَدِّمُوا بْن يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة " كَانَ لِي دِينَار فَبِعْته , فَكُنْت إِذَا نَاجَيْت الرَّسُول تَصَدَّقْت بِدِرْهَمٍ حَتَّى نَفِدَ , فَنُسِخَتْ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى " أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات " [ الْمُجَادَلَة : 13 ] . وَكَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَسَخَهَا اللَّه بِالْآيَةِ الَّتِي بَعْدهَا . وَقَالَ اِبْن عُمَر : لَقَدْ كَانَتْ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ثَلَاثَة لَوْ كَانَتْ لِي وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَتْ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ حُمُر النِّعَم : تَزْوِيجه فَاطِمَة , وَإِعْطَاؤُهُ الرَّايَة يَوْم خَيْبَر , وَآيَة النَّجْوَى .

أَيْ مِنْ إِمْسَاكهَا

لِقُلُوبِكُمْ مِنْ الْمَعَاصِي

" فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا " يَعْنِي الْفُقَرَاء " فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    هذا تعليق مختصر كتبه فضيلة الشيخ محمد بن صـالح العثيمين - رحمه الله - على كتاب لمعة الاعتقاد الذي ألفه أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله -. وقد جمع فيه مؤلفه زبدة العقيدة، ونظراً لأهمية الكتاب من جهة، وعدم وجود شرح له من جهة أخرى فقد قام الشيخ - رحمه الله - بكشف غوامضه، وتبيين موارده، وإبراز فوائده. وقد تعرض المعلق لجوانب كثيرة من جوانب العقيدة ومنها: مسألة الأسماء والصفات، ومذهب السلف فيها، والقرآن الكريم وأوصافه، والقدر، والإيمان، وكذلك السمعيات وذكر منها الإسراء والمعراج، ومجئ ملك الموت إلى موسى - عليهما السلام -، وأشراط الساعة، والحوض، والصراط، والجنة والنار. كما تعرض لخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفضائل أصحابه - رضي الله عنهم - والشهادة بالجنة والنار، وحقوق الصحابة وحقوق زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسألة الخلافة، وأحكام البدعة وأهلها، والإجماع والتقليد بإسلوب سهل وعرض ممتع، معتمداً في ذلك على إيراد الأدلة النقلية من القرآن والسنة والتي لم يخلها من تعليق أو شرح أو بيان، وهذه التعليقات تتضمن فوائد علمية متنوعة لطلاب العلم والدارسين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313419

    التحميل:

  • صلاة المريض في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة المريض في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة المريض بيّنت فيها: مفهوم المرض، ووجوب الصبر، وفضله، والآداب التي ينبغي للمريض أن يلتزمها، وأوضحت يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، وكيفية طهارة المريض بالتفصيل، وكيفية صلاته بإيجاز وتفصيل، وحكم الصلاة: في السفينة، والباخرة، والقطار، والطائرة، والسيارة، بإيجاز وبيان مفصَّل، كما أوضحت حكم صلاة النافلة في السفر على جميع وسائل النقل، وقرنت كل مسألة بدليلها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/58444

    التحميل:

  • رسالة في أصول الفقه للعكبري

    رسالة مختصرة في أصول الفقه للعلامة أبي علي الحسن بن شهاب العكبري الحنبلي، المتوفى سنة أربعمائة وثمانية وعشرين.

    الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت http://islam.gov.kw/cms

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/353702

    التحميل:

  • معلم التجويد

    معلم التجويد : كتيب ميسر مرتب على ثمانية أبواب: الأول: في تعريف القرآن، وبيان بعض فضله، وشرف أهله. الثاني: في بيان الترتيل. الثالث: في بيان طريق ميسر لختم القرآن. الرابع: في فضائل بعض الآيات والسور. الخامس: في بيان سجدات القرآن. السادس: في نبذة يسيرة من علم القراءات. السابع: في فرائد من فوائد لها صلة بالقرآن. الثامن: في أحكام متعلقة بإكرام المصحف. - قدم لهذه الرسالة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والمقرئ الشيخ أحمد بن خليل بن شاهين، والشيخ عبد الله بن علي بصفر - حفظهم الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166515

    التحميل:

  • خصائص القرآن الكريم

    خصائص القرآن الكريم: قال المصنف - حفظه الله -: «وقد ذاكرتُ يومًا خصائص القرآن الكريم فتاقت نفسي إلى كتاب يدرسها، أو مقال يجمعها، فما وجدتُ على كثرة المؤلفات في علوم القرآن شيئًا من ذلك، كنتُ أحسبُ أن المؤلفات فيه كثيرة والدراسات المُستفيضة، فأعدتُ النظر وقلَّبتُ الفكر بين مخطوط ومطبوع، فما وجدتُ إلا مُختصِرًا مُقتصِرًا، أو مُخرِّفًا مُشعوِذًا. فحاولتُ أن أجمع هنا - ما استطعتُ - من خصائص القرآن مُعرًِّا بإيجازٍ لكل واحدةٍ منها، مُبتعِدًا عن خرافات المُخرِّفين وبدع المُبتدعِين، مُستنِدًا إلى الكتاب والسنة، وما أقرَّ به أرباب اللغة وفصحاؤها مُذعنين، وأرباب العلوم والمعارف مُعترفين».

    الناشر: مكتبة العبيكان للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364120

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة