Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحديد - الآية 20

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) (الحديد) mp3
وَجْه الِاتِّصَال أَنَّ الْإِنْسَان قَدْ يَتْرُك الْجِهَاد خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْ الْقَتْل , وَخَوْفًا مِنْ لُزُوم الْمَوْت , فَبَيَّنَ أَنَّ الْحَيَاة الدُّنْيَا مُنْقَضِيَة فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَك أَمْر اللَّه مُحَافَظَة عَلَى مَا لَا يَبْقَى . و " مَا " صِلَة تَقْدِيره : اِعْلَمُوا أَنَّ الْحَيَاة الدُّنْيَا لَعِب بَاطِل وَلَهْو فَرَح ثُمَّ يَنْقَضِي . وَقَالَ قَتَادَة : لَعِب وَلَهْو : أَكْل وَشُرْب . وَقِيلَ : إِنَّهُ عَلَى الْمَعْهُود مِنْ اِسْمه , قَالَ مُجَاهِد : كُلّ لَعِب لَهْو . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْأَنْعَام " وَقِيلَ : اللَّعِب مَا رَغِبَ فِي الدُّنْيَا , وَاللَّهْو مَا أَلْهَى عَنْ الْآخِرَة , أَيْ شُغِلَ عَنْهَا . وَقِيلَ : اللَّعِب الِاقْتِنَاء , وَاللَّهْو النِّسَاء .

الزِّينَة مَا يُتَزَيَّن بِهِ , فَالْكَافِر يَتَزَيَّن بِالدُّنْيَا وَلَا يَعْمَل لِلْآخِرَةِ , وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَيَّنَ فِي غَيْر طَاعَة اللَّه .

أَيْ يَفْخَر بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض بِهَا . وَقِيلَ : بِالْخِلْقَةِ وَالْقُوَّة . وَقِيلَ : بِالْأَنْسَابِ عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي الْمُفَاخَرَة بِالْآبَاءِ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِي أَحَد عَلَى أَحَد وَلَا يَفْخَر أَحَد عَلَى أَحَد ) وَصَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( أَرْبَع فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة الْفَخْر فِي الْأَحْسَاب ) الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيع هَذَا .

لِأَنَّ عَادَة الْجَاهِلِيَّة أَنْ تَتَكَاثَر بِالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَال , وَتَكَاثُر الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَة . قَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ : " لَعِب " كَلَعِبِ الصِّبْيَان " وَلَهْو " كَلَهْوِ الْفِتْيَان " وَزِينَة " كَزِينَةِ النِّسْوَانِ " وَتَفَاخُر " كَتَفَاخُرِ الْأَقْرَان " وَتَكَاثُر " كَتَكَاثُرِ الدِّهْقَان . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ الدُّنْيَا كَهَذِهِ الْأَشْيَاء فِي الزَّوَال وَالْفَنَاء . وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ لِعَمَّارٍ : لَا تَحْزَن عَلَى الدُّنْيَا فَإِنَّ الدُّنْيَا سِتَّة أَشْيَاء : مَأْكُول وَمَشْرُوب وَمَلْبُوس وَمَشْمُوم وَمَرْكُوب وَمَنْكُوح , فَأَحْسَن طَعَامهَا الْعَسَل وَهُوَ بَزْقَة ذُبَابَة , وَأَكْثَر شَرَابهَا الْمَاء يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيع الْحَيَوَان , وَأَفْضَل مَلْبُوسهَا الدِّيبَاج وَهُوَ نَسْج دُودَة , وَأَفْضَل الْمَشْمُوم الْمِسْك وَهُوَ دَم فَأْرَة , وَأَفْضَل الْمَرْكُوب الْفَرَس وَعَلَيْهَا يُقْتَل الرِّجَال , وَأَمَّا الْمَنْكُوح فَالنِّسَاء وَهُوَ مَبَال فِي مَبَال , وَاَللَّه إِنَّ الْمَرْأَة لَتُزَيِّن أَحْسَنهَا يُرَاد بِهِ أَقْبَحهَا . ثُمَّ ضَرَبَ اللَّه تَعَالَى لَهَا مَثَلًا بِالزَّرْعِ فِي غَيْث فَقَالَ :

أَيْ مَطَر

الْكُفَّار هُنَا : الزُّرَّاع لِأَنَّهُمْ يَغُطُّونَ الْبَذْر . وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَيَاة الدُّنْيَا كَالزَّرْعِ يُعْجِب النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ لِخُضْرَتِهِ بِكَثْرَةِ الْأَمْطَار , ثُمَّ لَا يَلْبَث أَنْ يَصِير هَشِيمًا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ , وَإِذَا أَعْجَبَ الزُّرَّاع فَهُوَ غَايَة مَا يُسْتَحْسَن . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى هَذَا الْمَثَل فِي " يُونُس " و " الْكَهْف " . وَقِيلَ : الْكُفَّار هُنَا الْكَافِرُونَ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , لِأَنَّهُمْ أَشَدّ إِعْجَابًا بِزِينَةِ الدُّنْيَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَهَذَا قَوْل حَسَن , فَإِنَّ أَصْل الْإِعْجَاب لَهُمْ وَفِيهِمْ , وَمِنْهُمْ يَظْهَر ذَلِكَ , وَهُوَ التَّعْظِيم لِلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . وَفِي الْمُوَحِّدِينَ مِنْ ذَلِكَ فُرُوع تَحْدُث مِنْ شَهَوَاتهمْ , وَتَتَقَلَّل عِنْدهمْ وَتَدُقّ إِذَا ذَكَرُوا الْآخِرَة . وَمَوْضِع الْكَاف رَفْع عَلَى الصِّفَة .

أَيْ يَجِفّ بَعْد خُضْرَته

أَيْ مُتَغَيِّرًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ النُّضْرَة .

أَيْ فُتَاتًا وَتِبْنًا فَيَذْهَب بَعْد حُسْنه , كَذَلِكَ دُنْيَا الْكَافِر .

أَيْ لِلْكَافِرِينَ . وَالْوَقْف عَلَيْهِ حَسَن , وَيَبْتَدِئ . وَقَالَ الْفَرَّاء : " وَفِي الْآخِرَة عَذَاب شَدِيد وَمَغْفِرَة " تَقْدِيره إِمَّا عَذَاب شَدِيد وَإِمَّا مَغْفِرَة , فَلَا يُوقَف عَلَى " شَدِيد " .

أَيْ لِلْمُؤْمِنِينَ .

هَذَا تَأْكِيد مَا سَبَقَ , أَيْ تَغُرّ الْكُفَّار , فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَالدُّنْيَا لَهُ مَتَاع بَلَاغ إِلَى الْجَنَّة . وَقِيلَ : الْعَمَل لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَتَاع الْغُرُور تَزْهِيدًا فِي الْعَمَل لِلدُّنْيَا , وَتَرْغِيبًا فِي الْعَمَل لِلْآخِرَةِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أعياد الكفار وموقف المسلم منها

    طالب الإسلام أتباعه بالتميز عن غيرهم في العقائد والشعائر، في الشعور والإنتماء، في الأخلاق والمعاملات، في الملبس والمأكل والمشرب، ونحو ذلك من أعمال الظاهر والباطن؛ وهذا التميز يبني الشخصية الإسلامية المتزنة، المعتزة بدينها، الفخورة بانتمائها. ولهذا ترى المسلم الصادق شامخاً بدينه، سامقاً بعقيدته، لا يلتفت إلى الأمم الكافرة مهما بلغ سلطانها، ولا تشده الأهواء بزخارفها، ولاتلهيه الدنيا بمظاهرها. وحين نتأمل في واقع المسلمين اليوم، لا نجد ضعفاً في التميز فحسب، بل نجد كثيراً من المسلمين تأثر بغير المسلمين على اختلاف بينهم في التأثر: كثرة وقلة. والأعياد من جملة الشعائر الدينية، ولكل أصحاب ملة ودين أعياد يفرحون فيها ويمرحون، ويظهرون فيها شعائرهم، ويتميزون بها عن غيرهم، وفي هذا الكتاب بيان أعياد الكفار: تأريخها، أنواعها، بعض الطقوس والشعائر التي تقام فيها، والموقف الواجب على المسلم اتخاذه حيالها، كما بين بعض الأعياد المبتدعة لدى المسلمين، والسمات التي تميز العيد الإسلامي عن غيره.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/75917

    التحميل:

  • وثلث لطعامك

    وثلث لطعامك: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله خلقنا لأمر عظيم, وسخر لنا ما في السموات والأرض جميعًا منه, وسهل أمر العبادة, وأغدق علينا من بركات الأرض؛ لتكون عونًا على طاعته. ولتوسع الناس في أمر المأكل والمشرب حتى جاوزوا في ذلك ما جرت به العادة, أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء بأهمية هذه النعمة ووجوب شكرها وعدم كفرها. وهذا هو الجزء «الثامن عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «وثلثٌ لطعامك»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229618

    التحميل:

  • مشروع مقترح

    مشروع مقترح: قال الشيخ - حفظه الله - في المقدمة: «لوحظ في الآونة الأخـيرة وجود صحوة مباركة في جميع أنحاء المملكة، ضمن الصّحوة العامة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. نالت هذه الصحوة الاهتمام من قِبَل الدعاة وطلاب العلم في المدن الكبيرة، ولوحظ - أيضًا - ضعف الصحوة والاهتمام بها في بعض القرى والهجر، فقد غفل عنها الدعاة زمنًا طويلاً. هذا المشروع إذن هو: نقل الدعوة إلى هذه القرى والهجر والاهتمام بها».

    الناشر: موقع المسلم http://www.almoslim.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/337584

    التحميل:

  • عدالة أهل البيت والصحابة بين الآيات القرآنية والتراكيب النباتية .. معجزة علمية

    عدالة أهل البيت والصحابة بين الآيات القرآنية والتراكيب النباتية: رسالة تتناول بالشرح والتفسير آخرَ آية من سورة الفتح: {.. كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجِبُ الزُّرَّاع ليغيظَ بهمُ الكُفَّار ..}؛ حيث استنبطَ المؤلف أن آل البيت والصحابة كالفروع والأغصان، ثم ذكر حالهم في محبتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمهم له.

    الناشر: جمعية الآل والأصحاب http://www.aal-alashab.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335470

    التحميل:

  • الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم

    الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم: كتب الشيخ - حفظه الله - هذه الرسالة ردَّاً على من أجاز الغناء وأباحه، وقد بيّن فيها بالأدلّة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وأعلام التابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم من أهل العلم المحققين تحريم الأغاني والمعازف، كما بيّن ما يجوز من الغناء المباح، وقد قسم هذه الرسالة إلى المباحث الآتية: المبحث الأول: مفهوم الغناء والمعازف. المبحث الثاني: تحريم القول على اللَّه بغير علم. المبحث الثالث: تحريم الغناء بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة. المبحث الرابع: الوعيد الشديد لأهل الغناء والمعازف. المبحث الخامس: أسماء الغناء والمعازف وآلات اللهو. المبحث السادس: مسائل مهمة في الغناء والمعازف والمزامير. المبحث السابع: أضرار الغناء ومفاسده. المبحث الثامن: ما يباح من الغناء. المبحث التاسع: الردُّ على من ضعّف أحاديث الغناء. المبحث العاشر: الفتاوى المحققة في الأغاني والمعازف، وآلات اللهو.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/320108

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة