Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحديد - الآية 10

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) (الحديد) mp3
أَيْ أَيّ شَيْء يَمْنَعكُمْ مِنْ الْإِنْفَاق فِي سَبِيل اللَّه , وَفِيمَا يُقَرِّبكُمْ مِنْ رَبّكُمْ وَأَنْتُمْ تَمُوتُونَ وَتَخْلُفُونَ أَمْوَالكُمْ وَهِيَ صَائِرَة إِلَى اللَّه تَعَالَى : فَمَعْنَى الْكَلَام التَّوْبِيخ عَلَى عَدَم الْإِنْفَاق .

أَيْ إِنَّهُمَا رَاجِعَتَانِ إِلَيْهِ بِانْقِرَاضِ مَنْ فِيهِمَا كَرُجُوعِ الْمِيرَاث إِلَى الْمُسْتَحَقّ لَهُ .

أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْفَتْحِ فَتْح مَكَّة . وَقَالَ الشَّعْبِيّ وَالزُّهْرِيّ : فَتْح الْحُدَيْبِيَة . قَالَ قَتَادَة : كَانَ قِتَالَانِ أَحَدهمَا أَفْضَل مِنْ الْآخَر , وَنَفَقَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَفْضَل مِنْ الْأُخْرَى , كَانَ الْقِتَال وَالنَّفَقَة قَبْل فَتْح مَكَّة أَفْضَل مِنْ الْقِتَال وَالنَّفَقَة بَعْد ذَلِكَ . وَفِي الْكَلَام حَذْف , أَيْ " لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْح وَقَاتَلَ " وَمَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْد الْفَتْح وَقَاتَلَ , فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَإِنَّمَا كَانَتْ النَّفَقَة قَبْل الْفَتْح أَعْظَم , لِأَنَّ حَاجَة النَّاس كَانَتْ أَكْثَر لِضَعْفِ الْإِسْلَام , وَفِعْل ذَلِكَ كَانَ عَلَى الْمُنْفِقِينَ حِينَئِذٍ أَشَقّ وَالْأَجْر عَلَى قَدْر النَّصَب . وَاَللَّه أَعْلَم .

رَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّم أَهْل الْفَضْل وَالْعَزْم , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْح وَقَاتَلَ " وَقَالَ الْكَلْبِيّ : نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَفِيهَا دَلِيل وَاضِح عَلَى تَفْضِيل أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَتَقْدِيمه , لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود : أَوَّل مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام بِسَيْفِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر , وَلِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ أَنْفَقَ عَلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْده أَبُو بَكْر وَعَلَيْهِ عَبَاءَة قَدْ خَلَّلَهَا فِي صَدْره بِخِلَالٍ فَنَزَلَ جِبْرِيل فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه ! مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْر عَلَيْهِ عَبَاءَة قَدْ خَلَّلَهَا فِي صَدْره بِخِلَالٍ ؟ فَقَالَ : ( قَدْ أَنْفَقَ عَلَيَّ مَاله قَبْل الْفَتْح " قَالَ : فَإِنَّ اللَّه يَقُول لَك اِقْرَأْ عَلَى أَبِي بَكْر السَّلَام وَقُلْ لَهُ أَرَاضٍ أَنْتَ فِي فَقْرك هَذَا أَمْ سَاخِط ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَبَا بَكْر إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول أَرَاضٍ أَنْتَ فِي فَقْرك هَذَا أَمْ سَاخِط ) ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْر : أَأَسْخَطُ ( عَلَى رَبِّي ؟ إِنِّي عَنْ رَبِّي لَرَاضٍ ! إِنِّي عَنْ رَبِّي لَرَاضٍ ! إِنِّي عَنْ رَبِّي لَرَاضٍ ! قَالَ : ( فَإِنَّ اللَّه يَقُول لَك قَدْ رَضِيت عَنْك كَمَا أَنْتَ عَنِّي رَاضٍ ) فَبَكَى أَبُو بَكْر فَقَالَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام : وَاَلَّذِي بَعَثَك يَا مُحَمَّد بِالْحَقِّ , لَقَدْ تَخَلَّلَتْ حَمَلَة الْعَرْش بِالْعُبِيّ مُنْذُ تَخَلَّلَ صَاحِبك هَذَا بِالْعَبَاءَةِ , وَلِهَذَا قَدَّمَتْهُ الصَّحَابَة عَلَى أَنْفُسهمْ , وَأَقَرُّوا لَهُ بِالتَّقَدُّمِ وَالسَّبْق . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : سَبَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى أَبُو بَكْر وَثَلَّثَ عُمَر , فَلَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَضَلَّنِي عَلَى أَبِي بَكْر إِلَّا جَلَدْته حَدّ الْمُفْتَرِي ثَمَانِينَ جَلْدَة وَطُرِحَ الشَّهَادَة . فَنَالَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ الْمَشَقَّة أَكْثَر مِمَّا نَالَ مِنْ بَعْدهمْ , وَكَانَتْ بَصَائِرهمْ أَيْضًا أَنْفَذ .

التَّقَدُّم وَالتَّأَخُّر قَدْ يَكُون فِي أَحْكَام الدُّنْيَا , فَأَمَّا فِي أَحْكَام الدِّين فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنْزِل النَّاس مَنَازِلهمْ . وَأَعْظَم الْمَنَازِل مَرْتَبَة الصَّلَاة . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضه : ( مُرُوا أَبَا بَكْر فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ) الْحَدِيث . وَقَالَ : ( يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه ) وَقَالَ : ( وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَركُمَا ) مِنْ حَدِيث مَالِك بْن الْحُوَيْرِث وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَفَهِمَ مِنْهُ الْبُخَارِيّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ أَرَادَ كِبَر الْمَنْزِلَة , كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْوَلَاء لِلْكِبَر ) وَلَمْ يَعْنِ كِبَر السِّنّ . وَقَدْ قَالَ مَالِك وَغَيْره : إِنَّ لِلسِّنِّ حَقًّا . وَرَاعَاهُ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَهُوَ أَحَقّ بِالْمُرَاعَاةِ , لِأَنَّهُ إِذَا اِجْتَمَعَ الْعُلَمَاء وَالسِّنّ فِي خَيْرَيْنِ قَدَّمَ الْعِلْم , وَأَمَّا أَحْكَام الدُّنْيَا فَهِيَ مُرَتَّبَة عَلَى أَحْكَام الدِّين , فَمَنْ قَدَّمَ فِي الدِّين قَدَّمَ فِي الدُّنْيَا . وَفِي الْآثَار : ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّر كَبِيرنَا وَيَرْحَم صَغِيرنَا وَيَعْرِف لِعَالِمِنَا حَقّه ) . وَمِنْ الْحَدِيث الثَّابِت فِي الْأَفْرَاد : ( مَا أَكْرَمَ شَابّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّه لَهُ عِنْد سِنّه مَنْ يُكْرِمهُ ) . وَأَنْشَدُوا : يَا عَائِبًا لِلشُّيُوخِ مِنْ أَشَرِ دَاخَلَهُ فِي الصِّبَا وَمِنْ بَذَخ اُذْكُرْ إِذَا شِئْت أَنْ تُعَيِّرهُمْ جَدّك وَاذْكُرْ أَبَاك يَا بْن أَخِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الشَّبَاب مُنْسَلِخ عَنْك وَمَا وِزْره بِمُنْسَلِخِ مَنْ لَا يَعِزّ الشُّيُوخ لَا بَلَغَتْ يَوْمًا بِهِ سِنّه إِلَى الشَّيْخ

أَيْ الْمُتَقَدِّمُونَ الْمُتَنَاهُونَ السَّابِقُونَ , وَالْمُتَأَخِّرُونَ اللَّاحِقُونَ , وَعَدَهُمْ اللَّه جَمِيعًا الْجَنَّة مَعَ تَفَاوُت الدَّرَجَات . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر " وَكُلّ " بِالرَّفْعِ , وَكَذَلِكَ هُوَ بِالرَّفْعِ فِي مَصَاحِف أَهْل الشَّام . الْبَاقُونَ " وَكُلًّا " بِالنَّصْبِ عَلَى مَا فِي مَصَاحِفهمْ , فَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى إِيقَاع الْفِعْل عَلَيْهِ أَيْ وَعَدَ اللَّه كُلًّا الْحُسْنَى . وَمَنْ رَفَعَ فَلِأَنَّ الْمَفْعُول إِذَا تَقَدَّمَ ضَعَّفَ عَمَل الْفِعْل , وَالْهَاء مَحْذُوفَة مِنْ وَعَدَهُ .

فِيهِ مَعْنَى التَّحْذِير وَالْوَعِيد
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ثلاثة الأصول وأدلتها ويليها القواعد الأربع

    ثلاثة الأصول وأدلتها: رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2388

    التحميل:

  • محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه

    محبة النبي وتعظيمه : تأتي هذه الرسالة مشتملة على مبحثين لطيفين، لإرشاد المحب الصادق لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى حقيقة المحبة ومعناها الكبير، ولبيان ما يجلبها، ويصححها، وينقيها، وينميها، ويثبتها، بالإضافة إلى إشارات مما يشوش على تلك المحبة، ويخدشها ويضعفها، وربما يسقطها ويجعلها دعاوى عارية من الدليل، خالية من البرهان.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/168873

    التحميل:

  • أغراض السور في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

    أغراض السور في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور : فإن كتاب الله - عز وجل - أولى ماصرفت الهمم للعناية به تلاوة، وحفظاً، وتدبراً، وعملاً. وإن أعظم مايعين على ذلك فهم مقاصد السور، والوقوف على أغراضها، وماتحتوي عليه من موضوعات. وفي هذا الكتاب جمع لأغراض السور من كتاب التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور - رحمه الله -.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172560

    التحميل:

  • مرشد المعتمر والحاج والزائر في ضوء الكتاب والسنة

    مرشد المعتمر والحاج والزائر في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في فضائل, وآداب، وأحكام العمرة والحج وزيارة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اختصرتها من كتابي «العمرة والحج والزيارة» في ضوء الكتاب والسنة؛ ليسهل الانتفاع بها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268368

    التحميل:

  • من مشكلات الشباب

    من مشكلات الشباب: رسالة حرَّرها فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -، وقد عالجَ فيها بعضًا من مشاكل الشباب، وخصائص الشباب المستقيم وضده المنحرف أو المتردد الحائر، وأسباب الانحراف، والإشكالات التي قد ترِد على الأذهان والإجابات بشأنها.

    الناشر: موقع الشيخ محمد بن صالح العثيمين http://www.ibnothaimeen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/349281

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة