Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الواقعة - الآية 82

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) (الواقعة) mp3
قَالَ اِبْن عَبَّاس : تَجْعَلُونَ شُكْركُمْ التَّكْذِيب . وَذَكَرَ الْهَيْثَم بْن عَدِيّ : أَنَّ مِنْ لُغَة أَزْد شَنُوءَة مَا رِزْق فُلَان ؟ أَيْ مَا شُكْره . وَإِنَّمَا صَلَحَ أَنْ يُوضَع اِسْم الرِّزْق مَكَان شُكْره , لِأَنَّ شُكْر الرِّزْق يَقْتَضِي الزِّيَادَة فِيهِ فَيَكُون الشُّكْر رِزْقًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . فَقِيلَ : " وَتَجْعَلُونَ رِزْقكُمْ " أَيْ شُكْر رِزْقكُمْ الَّذِي لَوْ وُجِدَ مِنْكُمْ لَعَادَ رِزْقًا لَكُمْ " أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ " بِالرِّزْقِ أَيْ تَضَعُوا الرِّزْق مَكَان الشُّكْر , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا كَانَ صَلَاتهمْ عِنْد الْبَيْت إِلَّا مُكَاء وَتَصْدِيَة " أَيْ [ الْأَنْفَال : 35 ] أَيْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُصَفِّرُونَ وَيُصَفِّقُونَ مَكَان الصَّلَاة . فَفِيهِ بَيَان أَنَّ مَا أَصَابَ الْعِبَاد مِنْ خَيْر فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرَوْهُ مِنْ قِبَل الْوَسَائِط الَّتِي جَرَتْ الْعَادَة بِأَنْ تَكُنْ أَسْبَابًا , بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَرَوْهُ مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى , ثُمَّ يُقَابِلُونَهُ بِشُكْرٍ إِنْ كَانَ نِعْمَة , أَوْ صَبْر إِنْ كَانَ مَكْرُوهًا تَعَبُّدًا لَهُ وَتَذَلُّلًا . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ " وَتَجْعَلُونَ شُكْركُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ " حَقِيقَة . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الِاسْتِسْقَاء بِالْأَنْوَاءِ , وَهُوَ قَوْل الْعَرَب : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا , رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مُطِرَ النَّاس عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصْبَحَ مِنْ النَّاس شَاكِر وَمِنْهُمْ كَافِر قَالُوا هَذِهِ رَحْمَة اللَّه وَقَالَ بَعْضهمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْء كَذَا وَكَذَا , قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " فَلَا أُقْسِم بِمَوَاقِع النُّجُوم حَتَّى بَلَغَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ " . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي سَفَر فَعَطِشُوا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرَأَيْتُمْ إِنْ دَعَوْت اللَّه لَكُمْ فَسُقِيتُمْ لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ هَذَا الْمَطَر بِنَوْءِ كَذَا ) فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه مَا هَذَا بِحِينِ الْأَنْوَاء . فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا رَبّه فَهَاجَتْ رِيح ثُمَّ هَاجَتْ سَحَابَة فَمُطِرُوا , فَمَرَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ عِصَابَة مِنْ أَصْحَابه بِرَجُلٍ يَغْتَرِف بِقَدَحٍ لَهُ وَهُوَ يَقُول سُقِينَا بِنَوْءِ كَذَا , وَلَمْ يَقُلْ هَذَا مِنْ رِزْق اللَّه فَنَزَلَتْ : " وَتَجْعَلُونَ رِزْقكُمْ أَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ " أَيْ شُكْركُمْ لِلَّهِ عَلَى رِزْقه إِيَّاكُمْ " أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ " بِالنِّعْمَةِ وَتَقُولُونَ سُقِينَا بِنَوْءِ كَذَا , كَقَوْلِك : جَعَلْت إِحْسَانِي إِلَيْك إِسَاءَة مِنْك إِلَيَّ , وَجَعَلْت إِنْعَامِي لَدَيْك أَنْ اِتَّخَذْتنِي عَدُوًّا . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الصُّبْح بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْر سَمَاء كَانَتْ مِنْ اللَّيْل , فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاس وَقَالَ : ( أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ ) قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , قَالَ : ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِر بِالْكَوْكَبِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته فَذَلِكَ مُؤْمِن بِي كَافِر بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ مُؤْمِن بِالْكَوْكَبِ كَافِر بِي ) . قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه : لَا أُحِبّ أَحَدًا أَنْ يَقُول مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا , وَإِنْ كَانَ النَّوْء عِنْدنَا الْوَقْت الْمَخْلُوق لَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَع , وَلَا يُمْطِر وَلَا يَحْبِس شَيْئًا مِنْ الْمَطَر , وَاَلَّذِي أُحِبّ أَنْ يَقُول : مُطِرْنَا وَقْت كَذَا كَمَا تَقُول مُطِرْنَا شَهْر كَذَا , وَمَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا , وَهُوَ يُرِيد أَنَّ النَّوْء أَنْزَلَ الْمَاء , كَمَا عَنَى بَعْض أَهْل الشِّرْك مِنْ الْجَاهِلِيَّة بِقَوْلِهِ فَهُوَ كَافِر , حَلَال دَمه إِنْ لَمْ يَتُبْ . وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : وَأَمَّا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حَاكِيًا عَنْ اللَّه سُبْحَانه : ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِر ) فَمَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى وَجْهَيْنِ : أَمَّا أَحَدهمَا فَإِنَّ الْمُعْتَقِد بِأَنَّ النَّوْء هُوَ الْمُوجِب لِنُزُولِ الْمَاء , وَهُوَ الْمُنْشِئ لِلسَّحَابِ دُون اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَذَلِكَ كَافِر كُفْرًا صَرِيحًا يَجِب اِسْتِتَابَته عَلَيْهِ وَقَتْله إِنْ أَبَى لِنَبْذِهِ الْإِسْلَام وَرَدّه الْقُرْآن . وَالْوَجْه الْآخَر أَنْ يَعْتَقِد أَنَّ النَّوْء يُنْزِل اللَّه بِهِ الْمَاء , وَأَنَّهُ سَبَب الْمَاء عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللَّه وَسَبَقَ فِي عِلْمه , وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مُبَاحًا , فَإِنَّ فِيهِ أَيْضًا كُفْرًا بِنِعْمَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَته فِي أَنَّهُ يُنْزِل الْمَاء مَتَى شَاءَ , مَرَّة بِنَوْءِ كَذَا , وَمَرَّة بِنَوْءِ كَذَا , وَكَثِيرًا مَا يَنُوء النَّوْء فَلَا يَنْزِل مَعَهُ شَيْء مِنْ الْمَاء , وَذَلِكَ مِنْ اللَّه تَعَالَى لَا مِنْ النَّوْء . وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول إِذَا أَصْبَحَ وَقَدْ مُطِرَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْح , ثُمَّ يَتْلُو : " مَا يَفْتَح اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة فَلَا مُمْسِك لَهَا " [ فَاطِر : 2 ] قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا عِنْدِي نَحْو قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته ) . وَمِنْ هَذَا الْبَاب قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب لِلْعَبَّاسِ بْن عَبْد الْمُطَّلِب حِين اِسْتَسْقَى بِهِ : يَا عَمّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْء الثُّرَيَّا ؟ فَقَالَ الْعَبَّاس : الْعُلَمَاء يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِض فِي الْأُفُق سَبْعًا بَعْد سُقُوطهَا . فَمَا مَضَتْ سَابِعَة حَتَّى مُطِرُوا , فَقَالَ عُمَر : الْحَمْد لِلَّهِ هَذَا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته . وَكَانَ عُمَر رَحِمَهُ اللَّه قَدْ عَلِمَ أَنَّ نَوْء الثُّرَيَّا وَقْت يُرْجَى فِيهِ الْمَطَر وَيُؤَمَّل فَسَأَلَهُ عَنْهُ أَخَرَجَ أَمْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّة ؟ . وَرَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا فِي بَعْض أَسْفَاره يَقُول : مُطِرْنَا بِبَعْضِ عَثَانِين الْأَسَد , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَذَبْت بَلْ هُوَ سُقْيَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ) قَالَ سُفْيَان : عَثَانِين الْأَسَد الذِّرَاع وَالْجَبْهَة . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " تُكَذِّبُونَ " مِنْ التَّكْذِيب . وَقَرَأَ الْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم وَيَحْيَى بْن وَثَّاب " تَكْذِبُونَ " بِفَتْحِ التَّاء مُخَفَّفًا . وَمَعْنَاهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا . وَثَبَتَ مِنْ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاث لَنْ يَزِلْنَ فِي أُمَّتِي التَّفَاخُر فِي الْأَحْسَاب وَالنِّيَاحَة وَالْأَنْوَاء ) وَلَفْظ مُسْلِم فِي هَذَا ( أَرْبَع فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة لَا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْر فِي الْأَحْسَاب وَالطَّعْن فِي الْأَنْسَاب وَالِاسْتِسْقَاء بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَة ) .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مفاتيح الخير

    مفاتيح الخير: إن من أنفع أبواب العلم وأكثرها خيرًا على المسلم معرفةُ مفاتيح الخير من مفاتيح الشر; ومعرفة ما يحصل به النفع مما يحصل به الضر; فإن الله - سبحانه وتعالى - جعل لكل خيرٍ مفتاحًا وبابًا يُدخل منه إليه; وجعل لكل شرٍّ مفتاحًا وبابًا يُدخَل منه إليه; وفي هذه الرسالة بيان هذه المفاتيح للخير.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316782

    التحميل:

  • يوم مع حبيبك صلى الله عليه وسلم

    يوم مع حبيبك صلى الله عليه وسلم: بيان صفة خَلْقه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهديه في الاستيقاظ والوضوء والقيام، والصلاة، وأذكار الصباح والمساء، والطعام والشراب، واللباس والمشي والركوب، والتعامل مع الناس، وبيته ونومه. راجع الكتاب فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير - حفظه الله تعالى -.

    المدقق/المراجع: زلفي عسكر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2160

    التحميل:

  • العلم فضله وآدابه ووسائله

    العلم فضله وآدابه ووسائله: رسالة في بيان المراد بالعلم وذكر حكمه وأهمية العلم الذي يحتاج إلى تعلمه وكيفية التعلم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1955

    التحميل:

  • إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد : كتاب يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهوكتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه مؤلفه - رحمه الله - التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع، وفي هذه الصفحة شرح مختصر لهذا المتن النفيس للعلامة صالح الفوزان - حفظه الله -.

    الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت http://www.resalah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205555

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ التقوى ]

    التقوى هي ميزان التفاضل بين الناس; فالفضل والكرم إنما هو بتقوى الله لا بغيره; وهي منبع الفضائل قاطبة; فالرحمة والوفاء والصدق والعدل والورع والبذل والعطاء كلها من ثمرات التقوى; وهي الأنيس في الوحشة والمنجية من النقمة والموصلة للجنة.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340024

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة