Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الواقعة - الآية 79

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) (الواقعة) mp3
اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى " لَا يَمَسّهُ " هَلْ هُوَ حَقِيقَة فِي الْمَسّ بِالْجَارِحَةِ أَوْ مَعْنًى ؟ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي " الْمُطَهَّرُونَ " مَنْ هُمْ ؟ فَقَالَ أَنَس وَسَعِيد وَابْن جُبَيْر : لَا يَمَسّ ذَلِكَ الْكِتَاب إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الذُّنُوب وَهُمْ الْمَلَائِكَة . وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَابْن زَيْد : إِنَّهُمْ الَّذِينَ طُهِّرُوا مِنْ الذُّنُوب كَالرُّسُلِ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالرُّسُل مِنْ بَنِي آدَم , فَجِبْرِيل النَّازِل بِهِ مُطَهَّر , وَالرُّسُل الَّذِينَ يَجِيئهُمْ بِذَلِكَ مُطَهَّرُونَ . الْكَلْبِيّ : هُمْ السَّفَرَة الْكِرَام الْبَرَرَة . وَهَذَا كُلّه قَوْل وَاحِد , وَهُوَ نَحْو مَا اِخْتَارَهُ مَالِك حَيْثُ قَالَ : أَحْسَن مَا سَمِعْت فِي قَوْله " لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَة الَّتِي فِي " عَبَسَ وَتَوَلَّى " [ عَبَسَ : 1 ] : " فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُف مُكَرَّمَة . مَرْفُوعَة مُطَهَّرَة . بِأَيْدِي سَفَرَة . كِرَام بَرَرَة " [ عَبَسَ : 12 - 16 ] يُرِيد أَنَّ الْمُطَهَّرِينَ هُمْ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ وُصِفُوا بِالطَّهَارَةِ فِي سُورَة " عَبَسَ " . وَقِيلَ : مَعْنَى " لَا يَمَسّهُ " لَا يَنْزِل بِهِ " إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " أَيْ الرُّسُل مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى الرُّسُل مِنْ الْأَنْبِيَاء . وَقِيلَ : لَا يَمَسّ اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي هُوَ الْكِتَاب الْمَكْنُون إِلَّا الْمَلَائِكَة الْمُطَهَّرُونَ . وَقِيلَ : إِنَّ إِسْرَافِيل هُوَ الْمُوَكَّل بِذَلِكَ , حَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا بَاطِل لِأَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَنَالهُ فِي وَقْت وَلَا تَصِل إِلَيْهِ بِحَالٍ , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد بِهِ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ مَجَال . وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِنَّهُ الَّذِي بِأَيْدِي الْمَلَائِكَة فِي الصُّحُف فَهُوَ قَوْل مُحْتَمَل , وَهُوَ اِخْتِيَار مَالِك . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْكِتَابِ الْمُصْحَف الَّذِي بِأَيْدِينَا , وَهُوَ الْأَظْهَر . وَقَدْ رَوَى مَالِك وَغَيْره أَنَّ فِي كِتَاب عَمْرو بْن حَزْم الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُسْخَته : ( مِنْ مُحَمَّد النَّبِيّ إِلَى شُرَحْبِيل بْن عَبْد كُلَال وَالْحَارِث بْن عَبْد كُلَال وَنُعَيْم بْن عَبْد كُلَال قِيلَ ذِي رُعَيْن وَمَعَافِر وَهَمْدَان أَمَّا بَعْد ) وَكَانَ فِي كِتَابه : أَلَّا يَمَسّ الْقُرْآن إِلَّا طَاهِر . وَقَالَ اِبْن عُمَر : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَمَسّ الْقُرْآن إِلَّا وَأَنْت طَاهِر ) . وَقَالَتْ أُخْت عُمَر لِعُمَر عِنْد إِسْلَامه وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهَا وَدَعَا بِالصَّحِيفَةِ : " لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " فَقَامَ وَاغْتَسَلَ وَأَسْلَمَ . وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل سُورَة " طَه " . وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَ قَتَادَة وَغَيْره : " لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " مِنْ الْأَحْدَاث وَالْأَنْجَاس . الْكَلْبِيّ : مِنْ الشِّرْك . الرَّبِيع بْن أَنَس : مِنْ الذُّنُوب وَالْخَطَايَا . وَقِيلَ : مَعْنَى " لَا يَمَسّهُ " لَا يَقْرَؤُهُ " إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " إِلَّا الْمُوَحِّدُونَ , قَالَهُ مُحَمَّد بْن فُضَيْل وَعَبْدَة . قَالَ عِكْرِمَة : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَنْهَى أَنْ يُمَكَّن أَحَد مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ قِرَاءَة الْقُرْآن وَقَالَ الْفَرَّاء : لَا يَجِد طَعْمه وَنَفْعه وَبَرَكَته إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ , أَيْ الْمُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَاقَ طَعْم الْإِيمَان مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا ) . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : لَا يُعْرَف تَفْسِيره وَتَأْوِيله إِلَّا مَنْ طَهَّرَهُ اللَّه مِنْ الشِّرْك وَالنِّفَاق . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : لَا يُوَفَّق لِلْعَمَلِ بِهِ إِلَّا السُّعَدَاء . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا يَمَسّ ثَوَابه إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ . وَرَوَاهُ مُعَاذ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ قِيلَ : ظَاهِر الْآيَة خَبَر عَنْ الشَّرْع , أَيْ لَا يَمَسّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ شَرْعًا , فَإِنْ وُجِدَ خِلَاف ذَلِكَ فَهُوَ غَيْر الشَّرْع , وَهَذَا اِخْتِيَار الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الْعَرَبِيّ . وَأُبْطِلَ أَنْ يَكُون لَفْظه لَفْظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الْأَمْر . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة " الْبَقَرَة " . الْمَهْدَوِيّ : يَجُوز أَنْ يَكُون أَمْرًا وَتَكُون ضَمَّة السِّين ضَمَّة إِعْرَاب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون نَهْيًا وَتَكُون ضَمَّة بِنَاء السِّين ضَمَّة بِنَاء وَالْفِعْل مَجْزُوم . السَّادِسَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَسّ الْمُصْحَف عَلَى غَيْر وُضُوء , فَالْجُمْهُور عَلَى الْمَنْع مِنْ مَسّه لِحَدِيثِ عَمْرو بْن حَزْم . وَهُوَ مَذْهَب عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَسَعِيد بْن زَيْد وَعَطَاء وَالزُّهْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحَكَم وَحَمَّاد , وَجَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء مِنْهُمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَبِي حَنِيفَة , فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَمَسّهُ الْمُحْدِث , وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف مِنْهُمْ اِبْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ وَغَيْرهمَا . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَمَسّ ظَاهِره وَحَوَاشِيه وَمَا لَا مَكْتُوب فِيهِ , وَأَمَّا الْكِتَاب فَلَا يَمَسّهُ إِلَّا طَاهِر . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا إِنْ سَلَّمَهُ مِمَّا يُقَوِّي الْحُجَّة عَلَيْهِ , لِأَنَّ حَرِيم الْمَمْنُوع مَمْنُوع . وَفِيمَا كَتَبَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْن حَزْم أَقْوَى دَلِيل عَلَيْهِ . وَقَالَ مَالِك : لَا يَحْمِلهُ غَيْر طَاهِر بِعَلَاقَةٍ وَلَا عَلَى وِسَادَة . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا بَأْس بِذَلِكَ . وَلَمْ يُمْنَع مِنْ حَمْله بِعَلَاقَةٍ أَوْ مَسّه بِحَائِلٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَكَم وَحَمَّاد وَدَاوُد بْن عَلِيّ أَنَّهُ لَا بَأْس بِحَمْلِهِ وَمَسّه لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِر طَاهِرًا أَوْ مُحْدِثًا , إِلَّا أَنَّ دَاوُد قَالَ : لَا يَجُوز لِلْمُشْرِكِ حَمْله . وَاحْتَجُّوا فِي إِبَاحَة ذَلِكَ بِكِتَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَيْصَر , وَهُوَ مَوْضِع ضَرُورَة فَلَا حُجَّة فِيهِ . وَفِي مَسّ الصِّبْيَان إِيَّاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا الْمَنْع اِعْتِبَارًا بِالْبَالِغِ . وَالثَّانِي الْجَوَاز , لِأَنَّهُ لَوْ مُنِعَ لَمْ يَحْفَظ الْقُرْآن , لِأَنَّ تَعَلُّمهُ حَال الصِّغَر , وَلِأَنَّ الصَّبِيّ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ طَهَارَة إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكَامِلَةٍ , لِأَنَّ النِّيَّة لَا تَصِحّ مِنْهُ , فَإِذَا جَازَ أَنْ يَحْمِلهُ عَلَى غَيْر طَهَارَة كَامِلَة جَازَ أَنْ يَحْمِلهُ مُحْدِثًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حقبة من التاريخ

    حقبة من التاريخ: هذا الكتاب يتناول فترة من أهم فترات تاريخنا الإسلامي الطويل وهي: ما بين وفاة النبي - صلى الله عليه و سلم - إلى سنة إحدى وستين من الهجرة النبوية المباركة (مقتل الحسين - رضي الله عنه -). وقد قسمه المؤلف إلى مقدمة وثلاثة أبواب: فأما المقدمة فذكر فيها ثلاث مقاصد مهم، وهي: كيفية قراءة التاريخ، ولمن نقرأ في التاريخ؟ وبعض وسائل الإخباريين في تشويه التاريخ. وأما الباب الأول: فسرد فيه الأحداث التاريخية من وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى سنة إحدي وستين من الهجرة النبوية. وأما الباب الثاني: فتكلم فيه عن عدالة الصحابة، مع ذكر أهم الشُّبَه التي أثيرت حولهم وبيان الحق فيها. وأما الباب الثالث: فتناول فيه قضية الخلافة، وناقش أدلة الشيعة على أولوية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -.

    الناشر: موقع المنهج http://www.almanhaj.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57876

    التحميل:

  • الفتنة .. معناها والحكمة منها في ضوء الكتاب والسنة

    الفتنة: كتابٌ ألَّفه الشيخ - حفظه الله - في وضع أسس وقواعد في كيفية التعامل مع الفتن، وقد اشتمل البحث على مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة: المقدمة فيها مبحثان: الأول: تفاؤل رغم قسوة المحن. الثاني: مدخل مهم في التعامل الأمثل مع الفتن والأزمات. وأما الفصول فهي: الأول: الفتن .. معناها - وأنواعها. الثاني: ذُكِر فيه طائفة من الأخبار الواردة فيما هو كائن من الفتن. الثالث: فوائد وحكم من وقوع الفتنة، وبعض النصوص الواردة فيها. وأما الخاتمة، فقد ذكر فيها التوصيات وأهم نتائج البحث.

    الناشر: موقع رابطة العالم الإسلامي http://www.themwl.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322892

    التحميل:

  • الأسهم المختلطة في ميزان الشريعة

    الأسهم المختلطة في ميزان الشريعة : أسهم الشركات التي أنشئت لغرض مباح وتتعامل بالمحرم أحياناً. - قدم له: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي - حفظه الله -. - قرأه: نخبة من أهل العلماء، منهم فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير - حفظه الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166814

    التحميل:

  • رسائل دعوية إلى العاملين في مجال الصحة والطب

    رسائل دعوية إلى العاملين في مجال الصحة والطب: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن من أعظم محاضن الدعوة اليوم: التعليم والتطبيب، وقد أجلب أصحاب الملل الباطلة في هذين المجالين بخيلهم ورجلهم، فانتشرت المدارس النصرانية وكثرت المراكز الطبية التي تقف من خلفها الكنائس والبعثات التنصيرية. وإسهامًا في الدعوة إلى الله- عز وجل- في هذا المجال الهام أدليت بدلوي رغبة في المشاركة ولو بالقليل».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229630

    التحميل:

  • فضائل الصحابة

    فضائل الصحابة: من العقائد المقررة ومن أصول الدين المتقررة في مذهب أهل السنة والجماعة: حب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -، والتدين لله - عز وجل - بالإقرار بفضلهم من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وهذا الكتاب لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل تناول فيه فضائل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعمالهم وأهميتهم وتأثيرهم في الإسلام فذكر فضائل أبي بكر وعلي وعمر وعثمان ... الخ - رضي الله عنهم أجمعين - وذكر فضائل العرب وفضائل أهل اليمن وفضائل عائشة أم المؤمنين .وفضائل غفار وأسلم وأقوام من الشام وغير ذلك الكثير. - هذا الكتاب نسخة مصورة من إصدار جامعة أم القرى بمكة المكرمة، حققه وخرج أحاديثه وصي الله بن محمد عباس - حفظه الله -.

    المدقق/المراجع: وصي الله بن محمد عباس

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2103

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة