Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الرحمن - الآية 71

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) (الرحمن) mp3
خِطَاب لِلْإِنْسِ وَالْجِنّ , لِأَنَّ الْأَنَام وَاقِع عَلَيْهِمَا . وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور , يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث جَابِر الْمَذْكُور أَوَّل السُّورَة , وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَفِيهِ " لَلْجِنّ أَحْسَن مِنْكُمْ رَدًّا " . وَقِيلَ : لَمَّا قَالَ : " خَلَقَ الْإِنْسَان " [ الرَّحْمَن : 3 ] " وَخَلَقَ الْجَانّ " [ الرَّحْمَن : 15 ] دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ لَهُمَا . وَأَيْضًا قَالَ : " سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيّهَا الثَّقَلَانِ " [ الرَّحْمَن : 31 ] وَهُوَ خِطَاب لِلْإِنْسِ وَالْجِنّ وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ السُّورَة : " يَا مَعْشَر الْجِنّ وَالْإِنْس " [ الرَّحْمَن : 33 ] . وَقَالَ الْجُرْجَانِيّ : خَاطَبَ الْجِنّ مَعَ الْإِنْس وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّم لِلْجِنِّ ذِكْر , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ " [ ص : 32 ] . وَقَدْ سَبَقَ ذِكْر الْجِنّ فِيمَا سَبَقَ نُزُوله مِنْ الْقُرْآن , وَالْقُرْآن كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَة , فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ كَالْإِنْسِ خُوطِبَ الْجِنْسَانِ بِهَذِهِ الْآيَات . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلْإِنْسِ عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي الْخِطَاب لِلْوَاحِدِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَة , حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَوْل فِي " أَلْقِيَا فِي جَهَنَّم " [ ق : 24 ] . وَكَذَلِكَ قَوْله [ امْرُؤ الْقَيْس ] : قِفَا نَبْكِ [ مِنْ ذِكْرَى حَبِيب وَمَنْزِل بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْن الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ ] خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي [ عَلَى أُمّ جُنْدُب نُقَضّ لُبَانَات الْفُؤَادِ الْمُعَذَّبِ ] فَأَمَّا مَا بَعْد " خَلَقَ الْإِنْسَان " و " خَلَقَ الْجَانّ " [ الرَّحْمَن : 15 ] فَإِنَّهُ خِطَاب لِلْإِنْسِ وَالْجِنّ , وَالصَّحِيح قَوْل الْجُمْهُور لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَالْأَرْض وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ " وَالْآلَاء النِّعَم , وَهُوَ قَوْل جَمِيع الْمُفَسِّرِينَ , وَاحِدهَا إِلًى وَأَلًى مِثْل مِعًى وَعَصًا , وَإِلْي وَأَلْي أَرْبَع لُغَات حَكَاهَا النَّحَّاس قَالَ : وَفِي وَاحِد " آنَاء اللَّيْل " ثَلَاث تَسْقُط مِنْهَا الْمَفْتُوحَة الْأَلِف الْمُسَكَّنَة اللَّام , وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَعْرَاف " و " النَّجْم " . وَقَالَ اِبْن زَيْد : إِنَّهَا الْقُدْرَة , وَتَقْدِير الْكَلَام فَبِأَيِّ قُدْرَة رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ , وَقَالَهُ الْكَلْبِيّ وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيّ مُحَمَّد بْن عَلِيّ , وَقَالَ : هَذِهِ السُّورَة مِنْ بَيْن السُّوَر عَلَم الْقُرْآن , وَالْعَلَم إِمَام الْجُنْد وَالْجُنْد تَتْبَعهُ , وَإِنَّمَا صَارَتْ عَلَمًا لِأَنَّهَا سُورَة صِفَة الْمُلْك وَالْقُدْرَة , فَقَالَ : " الرَّحْمَن . عَلَّمَ الْقُرْآن " فَافْتَتَحَ السُّورَة بِاسْمِ الرَّحْمَن مِنْ بَيْن الْأَسْمَاء لِيَعْلَم الْعِبَاد أَنَّ جَمِيع مَا يَصِفهُ بَعْد هَذَا مِنْ أَفْعَاله وَمِنْ مُلْكه وَقُدْرَته خَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ الرَّحْمَة الْعُظْمَى مِنْ رَحْمَانِيَّته فَقَالَ : " الرَّحْمَن . عَلَّمَ الْقُرْآن " ثُمَّ ذَكَرَ الْإِنْسَان فَقَالَ : " خَلَقَ الْإِنْسَان " ثُمَّ ذَكَرَ مَا صَنَعَ بِهِ وَمَا مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ , ثُمَّ ذَكَرَ حُسْبَان الشَّمْس وَالْقَمَر وَسُجُود الْأَشْيَاء مِمَّا نَجَمَ وَشَجَرَ , وَذَكَرَ رَفْع السَّمَاء وَوَضْع الْمِيزَان وَهُوَ الْعَدْل , وَوَضْعَ الْأَرْض لِلْأَنَامِ , فَخَاطَبَ هَذَيْنِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس حِين رَأَوْا مَا خَرَجَ مِنْ الْقُدْرَة وَالْمُلْك بِرَحْمَانِيَّتِهِ الَّتِي رَحِمَهُمْ بِهَا مِنْ غَيْر مَنْفَعَة وَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِكَ , فَأَشْرَكُوا بِهِ الْأَوْثَان وَكُلّ مَعْبُود اِتَّخَذُوهُ مِنْ دُونه , وَجَحَدُوا الرَّحْمَة الَّتِي خَرَجَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاء بِهَا إِلَيْهِمْ , فَقَالَ سَائِلًا لَهُمْ : " فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ " أَيْ بِأَيِّ قُدْرَة رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ , فَإِنَّمَا كَانَ تَكْذِيبهمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لَهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ مُلْكه وَقُدْرَته شَرِيكًا يَمْلِك مَعَهُ وَيُقَدِّر مَعَهُ , فَذَلِكَ تَكْذِيبهمْ . ثُمَّ ذَكَرَ خَلْق الْإِنْسَان مِنْ صَلْصَال , وَذَكَرَ خَلْق الْجَانّ مِنْ مَارِج مِنْ نَار , ثُمَّ سَأَلَهُمْ فَقَالَ : " فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ " أَيْ بِأَيِّ قُدْرَة رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ , فَإِنَّ لَهُ فِي كُلّ خَلْق بَعْد خَلْق قُدْرَة بَعْد قُدْرَة , فَالتَّكْرِير فِي هَذِهِ الْآيَات لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَة فِي التَّقْرِير , وَاِتِّخَاذ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِمَا وَقَفَهُمْ عَلَى خَلْقٍ خَلْقٍ . وَقَالَ الْقُتَبِيّ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى عَدَّدَ فِي هَذِهِ السُّورَة نَعْمَاءَهُ , وَذَكَّرَ خَلْقه آلَاءَهُ , ثُمَّ أَتْبَعَ كُلّ خَلَّة وَصَفَهَا وَنِعْمَة وَضَعَهَا بِهَذِهِ وَجَعَلَهَا فَاصِلَة بَيْن كُلّ نِعْمَتَيْنِ لِيُنَبِّههُمْ عَلَى النِّعَم وَيُقَرِّرهُمْ بِهَا , كَمَا تَقُول لِمَنْ تَتَابَعَ فِيهِ إِحْسَانك وَهُوَ يَكْفُرهُ وَيُنْكِرهُ : أَلَمْ تَكُنْ فَقِيرًا فَأَغْنَيْتُك أَفَتُنْكِر هَذَا ؟ ! أَلَمْ تَكُنْ خَامِلًا فَعَزَزْتُك أَفَتُنْكِر هَذَا ؟ ! أَلَمْ تَكُنْ صَرُورَة فَحَجَجْت بِك أَفَتُنْكِر هَذَا ! ؟ أَلَمْ تَكُنْ رَاجِلًا فَحَمَلْتُك أَفَتُنْكِر هَذَا ؟ ! وَالتَّكْرِير حَسَن فِي مِثْل هَذَا . قَالَ : كَمْ نِعْمَة كَانَتْ لَكُمْ كَمْ كَمْ وَكَمْ وَقَالَ آخَر : لَا تَقْتُلِي مُسْلِمًا إِنْ كُنْت مُسْلِمَة إِيَّاكِ مِنْ دَمه إِيَّاكِ إِيَّاكِ وَقَالَ آخَر : لَا تَقْطَعَنَّ الصَّدِيق مَا طَرَفَتْ عَيْنَاك مِنْ قَوْل كَاشِح أَشِر وَلَا تَمَلَّنَّ مِنْ زِيَارَته زُرْهُ وَزُرْهُ وَزُرْ وَزُرْ وَزُرِ وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : التَّكْرِير طَرْدًا لِلْغَفْلَةِ , وَتَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نشأة الذرية معجزة علمية

    نشأة الذرية معجزة علمية.

    الناشر: الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://www.eajaz.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193677

    التحميل:

  • سيرة الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله

    سيرة الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة في «سيرة الابن: الشاب، البار، الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني - رحمه الله تعالى -»، بيّنت فيها سيرته الجميلة على النحو الآتي: أولاً: مولده - رحمه الله تعالى -. ثانيًا: نشأته - رحمه الله تعالى -. ثالثًا: حفظه للقرآن الكريم. رابعًا: دراسته النظامية. خامسًا: شيوخه - رحمه الله -. سادسًا: زملاؤه في كلية الشريعة. سابعًا: طلبه للعلم خارج المدارس النظامية. ثامنًا: مؤلفاته. تاسعًا: تعليقاته المفيدة على بعض كتبه. عاشرًا: تلاميذه في حلقات القرآن الكريم. الحادي عشر: الحكم التي كتبها - رحمه الله -: الشعر، والنثر. الثاني عشر: أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر. الثالث عشر: أخلاقه العظيمة - رحمه الله تعالى -. الرابع عشر: وفاته مع شقيقه عبد الرحيم - رحمهما الله تعالى -. الخامس عشر: سيرة مختصرة لشقيقه الابن: البار، الصغير، الصالح عبد الرحيم - رحمه الله تعالى -. السادس عشر: ما قاله عنه العلماء وطلاب العلم والأساتذة. السابع عشر: ما قاله عنه معلموه. الثامن عشر: ما قاله عنه زملاؤه. التاسع عشر: الفوائد التي اقتطفها من أساتذة كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، خلال ثلاثة أشهر فقط من 13/ 6/ 1422 إلى 16/ 9/ 1422 هـ».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/270595

    التحميل:

  • بشارات العهد الجديد بمحمد صلى الله عليه وسلم

    ذكر المؤلف في كتابه البشارة بمحمد صلى لله عليه وسلم في كتب الإنجيل، وهذه البشارات أثبت فيها المهتدون اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في التوراة والإنجيل، وذكر كذلك كيف استبدلت هذه الأسماء وغيرت الأوصاف في الطبعات الحديثة، كفراً وحسداً وحقداً.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260397

    التحميل:

  • المواهب الربانية من الآيات القرأنية

    المواهب الربانية من الآيات القرأنية: جمع فيها الشيخ - رحمه الله - من الفوائد ما لايوجد في غيرها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205545

    التحميل:

  • اعترافات عاشق

    اعترافات عاشق: قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذه جلسة مع العاشقين والعاشقات .. من الشباب والفتيات .. لا لأزجرهم وأخوفهم .. وإنما لأعِدهم وأبشِّرهم .. حديثٌ إلى أولئك الشباب .. الذين أشغلوا نهارهم بملاحقة الفتيات .. في الأسواق وعند أبواب المدارس والكليات .. وأشغلوا ليلهم بالمحادثات الهاتفية .. والأسرار العاطفية .. وحديث إلى أولئك الفتيات.. اللاتي فتنت عيونهن بالنظرات.. وغرّتهن الهمسات.. فامتلأت حقائبهن بالرسائل الرقيقة.. وصور العشيق والعشيقة.. فلماذا أتحدث مع هؤلاء؟!».

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333816

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة