Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الرحمن - الآية 31

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) (الرحمن) mp3
يُقَال : فَرَغْت مِنْ الشُّغْل أَفْرُغ فُرُوغًا وَفَرَاغًا وَتَفَرَّغْت لِكَذَا وَاسْتَفْرَغْت مَجْهُودِي فِي كَذَا أَيْ بَذَلْته . وَاَللَّه تَعَالَى لَيْسَ لَهُ شُغْل يَفْرُغ مِنْهُ , إِنَّمَا الْمَعْنَى سَنَقْصِدُ لِمُجَازَاتِكُمْ أَوْ مُحَاسَبَتكُمْ , وَهَذَا وَعِيد وَتَهْدِيد لَهُمْ كَمَا يَقُول الْقَائِل لِمَنْ يُرِيد تَهْدِيده : إِذًا أَتَفَرَّغ لَك أَيْ أَقْصِدك . وَفَرَغَ بِمَعْنَى قَصَدَ , وَأَنْشَدَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ فِي مِثْل هَذَا لِجَرِيرٍ : الْآنَ وَقَدْ فَرَغْت إِلَى نُمَيْر فَهَذَا حِينَ كُنْت لَهَا عَذَابَا يُرِيد وَقَدْ قَصَدْت . وَقَالَ أَيْضًا وَأَنْشَدَهُ النَّحَّاس : فَرَغْت إِلَى الْعَبْد الْمُقَيَّد فِي الْحِجْلِ وَفِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَايَعَ الْأَنْصَار لَيْلَة الْعَقَبَة , صَاحَ الشَّيْطَان : يَا أَهْل الْجُبَاجِب ! هَذَا مُذَمَّم يُبَايِع بَنِي قَيْلَة عَلَى حَرْبكُمْ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَة أَمَا وَاَللَّه يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَأَتَفَرَّغَنَّ لَك " أَيْ أَقْصِد إِلَى إِبْطَال أَمْرك . وَهَذَا اِخْتِيَار الْقُتَبِيّ وَالْكِسَائِيّ وَغَيْرهمَا . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى وَعَدَ عَلَى التَّقْوَى وَأَوْعَدَ عَلَى الْفُجُور , ثُمَّ قَالَ : " سَنَفْرُغُ لَكُمْ " مِمَّا وَعَدْنَاكُمْ وَنُوصِل كُلًّا إِلَى مَا وَعَدْنَاهُ , أَيْ أَقْسِم ذَلِكَ وَأَتَفَرَّغ مِنْهُ . قَالَهُ الْحَسَن وَمُقَاتِل وَابْن زَيْد . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه وَأُبَيّ " سَنَفْرُغُ إِلَيْكُمْ " وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم " سَيُفْرَغُ لَكُمْ " بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الرَّاء عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَقَرَأَ اِبْن شِهَاب وَالْأَعْرَج " سَنَفْرَغُ لَكُمْ " بِفَتْحِ النُّون وَالرَّاء , قَالَ الْكِسَائِيّ : هِيَ لُغَة تَمِيم يَقُولُونَ فَرَغَ يَفْرَغ , وَحَكَى أَيْضًا فَرَغَ يَفْرَغ وَرَوَاهُمَا هُبَيْرَة عَنْ حَفْص عَنْ عَاصِم . وَرَوَى الْجُعْفِيّ عَنْ أَبِي عَمْرو " سَيَفْرَغُ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالرَّاء , وَرُوِيَتْ عَنْ اِبْن هُرْمُز . وَرُوِيَ عَنْ عِيسَى الثَّقَفِيّ " سَنِفْرَغُ لَكُمْ " بِكَسْرِ النُّون وَفَتْح الرَّاء , وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " سَيَفْرُغُ لَكُمْ " بِالْيَاءِ . الْبَاقُونَ بِالنُّونِ وَهِيَ لُغَة تِهَامَة . وَالثَّقَلَانِ الْجِنّ وَالْإِنْس , سُمِّيَا بِذَلِكَ لِعِظَمِ شَأْنهمَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا فِي الْأَرْض مِنْ غَيْرهمَا بِسَبَبِ التَّكْلِيف - وَقِيلَ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ثِقْل عَلَى الْأَرْض أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأَخْرَجَتْ الْأَرْض أَثْقَالهَا " [ الزَّلْزَلَة : 2 ] وَمِنْهُ قَوْلهمْ : أَعْطِهِ ثِقْله أَيْ وَزْنه . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْمَعَانِي : كُلّ شَيْء لَهُ قَدْر وَوَزْن يُنَافَس فِيهِ فَهُوَ ثِقْل . وَمِنْهُ قِيلَ لِبَيْضِ النَّعَام ثِقْل , لِأَنَّ وَاجِده وَصَائِده يَفْرَح بِهِ إِذَا ظَفِرَ بِهِ . وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق : سُمِّيَا ثَقَلَيْنِ , لِأَنَّهُمَا مُثْقَلَانِ بِالذُّنُوبِ . وَقَالَ : " سَنَفْرُغُ لَكُمْ " فَجَمَعَ , ثُمَّ قَالَ : " أَيُّهَ الثَّقَلَانِ " لِأَنَّهُمَا فَرِيقَانِ وَكُلّ فَرِيق جَمْع , وَكَذَا قَوْله تَعَالَى : " يَا مَعْشَر الْجِنّ وَالْإِنْس إِنْ اِسْتَطَعْتُمْ " وَلَمْ يَقُلْ إِنْ اِسْتَطَعْتُمَا , لِأَنَّهُمَا فَرِيقَانِ فِي حَال الْجَمْع , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ " [ النَّمْل : 45 ] و " هَذَانِ خَصْمَانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبّهمْ " [ الْحَجّ : 19 ] وَلَوْ قَالَ : سَنَفْرُغُ لَكُمَا , وَقَالَ : إِنْ اِسْتَطَعْتُمَا لَجَازَ . وَقَرَأَ أَهْل الشَّام " أَيُّهُ الثَّقَلَان " بِضَمِّ الْهَاء . الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ .

مَسْأَلَة : هَذِهِ السُّورَة و " الْأَحْقَاف " و " قُلْ أُوحِيَ " دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِنّ مُخَاطَبُونَ مُكَلَّفُونَ مَأْمُورُونَ مَنْهِيُّونَ مُثَابُونَ مُعَاقَبُونَ كَالْإِنْسِ سَوَاء , مُؤْمِنهمْ كَمُؤْمِنِهِمْ , وَكَافِرهمْ كَكَافِرِهِمْ , لَا فَرْق بَيْننَا وَبَيْنهمْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كيف نقرأ تاريخ الآل والأصحاب

    كيف نقرأ تاريخ الآل والأصحاب: بحث وضح معالم مهمّة للتعامل السليم مع كتب التاريخ، خاصة فيما يتعلّق بتاريخ الخلفاء الراشدين وما يتعلق بسير وتراجم الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - وفضائل آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. - قدَّم لهذا الكتاب: الشيخ عائض القرني، والشيخ حاتم بن عارف العوني - حفظهما الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/74655

    التحميل:

  • من السيرة النبوية

    من السيرة النبوية : اشتملت هذه الرسالة على ذكر نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أعلى الأنساب وأشرفها، وعلى ذكر أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - وفسر هذا الخلق العظيم بالتخلق بأخلاق القرآن والتأدب بآدابه والعمل به في جميع المجالات كما تضمنت لمحات من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209206

    التحميل:

  • وفروا اللحى وأحفوا الشوارب

    وفروا اللحى وأحفوا الشوارب: رسالة في بيان حكم إعفاء اللحية، وتعريف الشارب وصفة الأخذ منه، وتعريف اللحية وما يكره فيها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1937

    التحميل:

  • افتراءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح عليه السلام

    افتراءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح عليه السلام [ دراسة نقدية ] : في هذا الكتاب يرد الكاتب على المنصرين من جهتين: إسلامية (من خلال القرآن وما يرتبط بذلك )، ونصرانية ( من خلال التوراة والأناجيل ) لرد دعوى النصارى على القرآن وفق منهج يبين كذبهم على كتاب الله ويلزمهم في الوقت نفسه من خلال مسلماتهم بما يدل عليه القرآن المهيمن على ما قبله من الكتاب.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90689

    التحميل:

  • المواعظ

    هذا الكتاب يحتوي على بعض المواعظ للحافظ ابن الجوزي - رحمه الله -.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141400

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة