Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الرحمن - الآية 29

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) (الرحمن) mp3
قِيلَ : الْمَعْنَى يَسْأَلهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات الرَّحْمَة , وَمَنْ فِي الْأَرْض الرِّزْق . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو صَالِح : أَهْل السَّمَاوَات يَسْأَلُونَهُ الْمَغْفِرَة وَلَا يَسْأَلُونَهُ الرِّزْق , وَأَهْل الْأَرْض يَسْأَلُونَهُمَا جَمِيعًا . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : وَتَسْأَل الْمَلَائِكَة الرِّزْق لِأَهْلِ الْأَرْض , فَكَانَتْ الْمَسْأَلَتَانِ جَمِيعًا مِنْ أَهْل السَّمَاء وَأَهْل الْأَرْض لِأَهْلِ الْأَرْض . وَفِي الْحَدِيث : " إِنَّ مِنْ الْمَلَائِكَة مَلَكًا لَهُ أَرْبَعَة أَوْجُه وَجْه كَوَجْهِ الْإِنْسَان وَهُوَ يَسْأَل اللَّه الرِّزْق لِبَنِي آدَم وَوَجْه كَوَجْهِ الْأَسَد وَهُوَ يَسْأَل اللَّه الرِّزْق لِلسِّبَاعِ وَوَجْه كَوَجْهِ الثَّوْر وَهُوَ يَسْأَل اللَّه الرِّزْق لِلْبَهَائِمِ وَوَجْه كَوَجْهِ النَّسْر وَهُوَ يَسْأَل اللَّه الرِّزْق لِلطَّيْرِ " . وَقَالَ اِبْن عَطَاء : إِنَّهُمْ سَأَلُوهُ الْقُوَّة عَلَى الْعِبَادَة . " كُلّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن " هَذَا كَلَام مُبْتَدَأ . وَانْتَصَبَ " كُلَّ يَوْم " ظَرْفًا , لِقَوْلِهِ : " فِي شَأْن " أَوْ ظَرْفًا لِلسُّؤَالِ , ثُمَّ يَبْتَدِئ " هُوَ فِي شَأْن " . وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

قَالَ : ( مِنْ شَأْنه أَنْ يَغْفِر ذَنْبًا وَيُفَرِّج كَرْبًا وَيَرْفَع قَوْمًا وَيَضَع آخَرِينَ ) . وَعَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " كُلّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن " قَالَ : " يَغْفِر ذَنْبًا وَيَكْشِف كَرْبًا وَيُجِيب دَاعِيًا " . وَقِيلَ : مِنْ شَأْنه أَنْ يُحْيِي وَيُمِيت , وَيُعِزّ وَيُذِلّ , وَيَرْزُق وَيَمْنَع . وَقِيلَ : أَرَادَ شَأْنه فِي يَوْمَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . قَالَ اِبْن بَحْر : الدَّهْر كُلّه يَوْمَانِ , أَحَدهمَا مُدَّة أَيَّام الدُّنْيَا , وَالْآخَر يَوْم الْقِيَامَة , فَشَأْنه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي أَيَّام الدُّنْيَا الِابْتِلَاء وَالِاخْتِبَار بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي وَالْإِحْيَاء وَالْإِمَاتَة وَالْإِعْطَاء وَالْمَنْع , وَشَأْنه يَوْم الْقِيَامَة الْجَزَاء وَالْحِسَاب , وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِذَلِكَ الْإِخْبَار عَنْ شَأْنه فِي كُلّ يَوْم مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا وَهُوَ الظَّاهِر . وَالشَّأْن فِي اللُّغَة الْخَطْب الْعَظِيم وَالْجَمْع الشُّؤُون وَالْمُرَاد بِالشَّأْنِ هَاهُنَا الْجَمْع كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " ثُمَّ يُخْرِجك طِفْلًا " [ غَافِر 67 ] . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : شَأْنه سَوْق الْمَقَادِير إِلَى الْمَوَاقِيت . وَقَالَ عَمْرو بْن مَيْمُون فِي قَوْله تَعَالَى : " كُلّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن " مِنْ شَأْنه أَنْ يُمِيت حَيًّا , وَيُقِرّ فِي الْأَرْحَام مَا شَاءَ , وَيُعِزّ ذَلِيلًا , وَيُذِلّ عَزِيزًا . وَسَأَلَ بَعْض الْأُمَرَاء وَزِيره عَنْ قَوْله تَعَالَى : " كُلّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن " فَلَمْ يَعْرِف مَعْنَاهَا , وَاسْتَمْهَلَهُ إِلَى الْغَد فَانْصَرَفَ كَئِيبًا إِلَى مَنْزِله فَقَالَ لَهُ غُلَام لَهُ أَسْوَد : مَا شَأْنك ؟ فَأَخْبَرَهُ . فَقَالَ لَهُ : عُدْ إِلَى الْأَمِير فَإِنِّي أُفَسِّرهَا لَهُ , فَدَعَاهُ فَقَالَ : أَيّهَا الْأَمِير ! شَأْنه أَنْ يُولِج اللَّيْل فِي النَّهَار , وَيُولِج النَّهَار فِي اللَّيْل , وَيُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت , وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ , وَيَشْفِي سَقِيمًا , وَيُسْقِم سَلِيمًا , وَيَبْتَلِي مُعَافًى , وَيُعَافِي مُبْتَلًى , وَيُعِزّ ذَلِيلًا وَيُذِلّ عَزِيزًا , وَيُفْقِر غَنِيًّا وَيُغْنِي فَقِيرًا , فَقَالَ لَهُ : فَرَّجْت - عَنِّي فَرَّجَ اللَّه عَنْك , ثُمَّ أَمَرَ بِخَلْعِ ثِيَاب الْوَزِير وَكَسَاهَا الْغُلَام , فَقَالَ : يَا مَوْلَايَ ! هَذَا مِنْ شَأْن اللَّه تَعَالَى . وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن طَاهِر : أَنَّهُ دَعَا الْحُسَيْن بْن الْفَضْل وَقُلْ لَهُ : أَشْكَلَتْ عَلَيَّ ثَلَاث آيَات دَعَوْتُك لِتَكْشِفهَا لِي : قَوْله تَعَالَى : " فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ " [ الْمَائِدَة : 31 ] وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّدَم تَوْبَة . وَقَوْله : " كُلّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن " وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْقَلَم جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَوْله : " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى " [ النَّجْم : 39 ] . فَمَا بَال الْأَضْعَاف ؟ فَقَالَ الْحُسَيْن : يَجُوز أَلَّا يَكُون النَّدَم تَوْبَة فِي تِلْكَ الْأُمَّة , وَيَكُون تَوْبَة فِي هَذِهِ الْأُمَّة , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأُمَّة بِخَصَائِص لَمْ تُشَارِكهُمْ فِيهَا الْأُمَم . وَقِيلَ : إِنَّ نَدَم قَابِيل لَمْ يَكُنْ عَلَى قَتْل هَابِيل وَلَكِنْ عَلَى حَمْله . وَأَمَّا قَوْله : " كُلّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن " فَإِنَّهَا شُؤُون يُبْدِيهَا لَا شُؤُون يَبْتَدِيهَا . وَأَمَّا قَوْله : " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى " [ النَّجْم : 39 ] فَمَعْنَاهُ : لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا سَعَى عَدْلًا وَلِي أَنْ أَجْزِيَهُ بِوَاحِدَةٍ أَلْفًا فَضْلًا . فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ . وَقَبَّلَ رَأْسه وَسَوَّغَ خَرَاجه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وسائل الثبات على دين الله

    وسائل الثبات على دين الله: فإن الثبات على دين الله مطلب أساسي لكل مسلم صادق يريد سلوك الصراط المستقيم بعزيمة ورشد. ولا شك عند كل ذي لُبٍّ أن حاجة المسلم اليوم لوسائل الثبات أعظم من حاجة أخيه أيام السلف، والجهد المطلوب لتحقيقه أكبر؛ لفساد الزمان، ونُدرة الأخوان، وضعف المُعين، وقلَّة الناصر. ومن رحمة الله - عز وجل - بنا أن بيَّن لنا في كتابه وعلى لسان نبيِّه وفي سيرته - عليه الصلاة والسلام - وسائل كثيرة للثبات. وفي هذه الرسالة بعضٌ من هذه الوسائل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344364

    التحميل:

  • منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية

    منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية : هذا الكتاب من أعظم كتب الإمام المجاهد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه الله -، قد رد فيه على شبه الرافضة، وبين فيه بطلان مذهبهم، وشباب الاسلام اليوم بأمس الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب، ومعرفة محتواه؛ حيث أطل الرفض على كل بلد من بلاد الإسلام، وغيرها بوجهه الكريه، وكشر عن أنيابه الكالحة، وألقى حبائله أمام من لا يعرف حقيقته، مظهرا غير مبطن ديدن كل منافق مفسد ختال؛ فاغتر به من يجهل حقيقته، ممن لم يقرأ مثل هذا الكتاب.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272828

    التحميل:

  • الإيمان باليوم الآخر

    الإيمان باليوم الآخر : يتناول هذا الكتاب الحديث عن الحياة البرزخية والروح، ثم أشراط الساعة، ثم أحوال اليوم الآخر مما سيكون من قيام الساعة ومابعد ذلك.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172703

    التحميل:

  • من مخالفات الحج والعمرة والزيارة

    كتيب يحتوي على بعض المخالفات التي يقع فيها بعض الحجاج والمعتمرين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307784

    التحميل:

  • أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

    بحث فقهي طبي رصين أجاب فيه المؤلف ـ حفظه الله ـ على كثير مما يتعرض له الأطباء وتلزم معرفته لكثير من مرضى المسلمين، وهي رسالة علمية قدمت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لنيل الدرجة العالية العالمية - الدكتوراه - ونالت مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/13296

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة