Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة النجم - الآية 32

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32) (النجم) mp3
فِيهِ مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش " هَذَا نَعْت لِلْمُحْسِنِينَ ; أَيْ هُمْ لَا يَرْتَكِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَهُوَ الشِّرْك ; لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْآثَام . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَحْيَى بْن وَثَّاب وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " كَبِير " عَلَى التَّوْحِيد وَفَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس بِالشِّرْكِ . " وَالْفَوَاحِش " الزِّنَى : وَقَالَ مُقَاتِل : " كَبَائِر الْإِثْم " كُلّ ذَنْب خُتِمَ بِالنَّارِ . " وَالْفَوَاحِش " كُلّ ذَنْب فِيهِ الْحَدّ . وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء " الْقَوْل فِي هَذَا . ثُمَّ اِسْتَثْنَى اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا وَهِيَ :

الثَّانِيَة : فَقَالَ : " إِلَّا اللَّمَم " وَهِيَ الصَّغَائِر الَّتِي لَا يَسْلَم مِنْ الْوُقُوع فِيهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّه وَحَفِظَهُ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا ; فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ : " اللَّمَم " كُلّ مَا دُون الزِّنَى . وَذَكَرَ مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان : أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي رَجُل كَانَ يُسَمَّى نَبْهَان التَّمَّار ; كَانَ لَهُ حَانُوت يَبِيع فِيهِ تَمْرًا , فَجَاءَتْهُ اِمْرَأَة تَشْتَرِي مِنْهُ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا : إِنَّ دَاخِل الدُّكَّان مَا هُوَ خَيْر مِنْ هَذَا , فَلَمَّا دَخَلَتْ رَاوَدَهَا فَأَبَتْ وَانْصَرَفَتْ فَنَدِمَ نَبْهَان ; فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! مَا مِنْ شَيْء يَصْنَعهُ الرَّجُل إِلَّا وَقَدْ فَعَلْته إِلَّا الْجِمَاع ; فَقَالَ : ( لَعَلَّ زَوْجَهَا غَازٍ ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَقَدْ مَضَى فِي آخِر " هُود " وَكَذَا قَالَ اِبْن مَسْعُود وَأَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ وَحُذَيْفَة وَمَسْرُوق : إِنَّ اللَّمَم مَا دُون الْوَطْء مِنْ الْقُبْلَة وَالْغَمْزَة وَالنَّظْرَة وَالْمُضَاجَعَة . وَرَوَى مَسْرُوق عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : زِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَر , وَزِنَى الْيَدَيْنِ الْبَطْش , وَزِنَى الرِّجْلَيْنِ الْمَشْي , وَإِنَّمَا يُصَدِّق ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبهُ الْفَرْج ; فَإِنْ تَقَدَّمَ كَانَ زِنًى وَإِنْ تَأَخَّرَ كَانَ لَمَمًا . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَا رَأَيْت شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَى اِبْن آدَم حَظّه مِنْ الزِّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَة فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَر وَزِنَى اللِّسَان النُّطْق وَالنَّفْس تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبهُ ) . وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْفَاحِشَة الْعَظِيمَة وَالزِّنَى التَّامّ الْمُوجِب لِلْحَدِّ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقُوبَة فِي الْآخِرَة هُوَ فِي الْفَرْج وَغَيْره لَهُ حَظّ مِنْ الْإِثْم . وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( كُتِبَ عَلَى اِبْن آدَم نَصِيبه مِنْ الزِّنَى مُدْرِكٌ لَا مَحَالَة فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَر وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاع وَاللِّسَان زِنَاهُ الْكَلَام وَالْيَد زِنَاهَا الْبَطْش وَالرِّجْل زِنَاهَا الْخُطَى وَالْقَلْب يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّق ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبهُ ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَقَدْ ذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ حَدِيث طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس فَذَكَرَ فِيهِ الْأُذُن وَالْيَد وَالرِّجْل , وَزَادَ فِيهِ بَعْد الْعَيْنَيْنِ وَاللِّسَان : ( وَزِنَى الشَّفَتَيْنِ الْقُبْلَة ) . فَهَذَا قَوْل . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : هُوَ الرَّجُل يُلِمّ بِذَنْبٍ ثُمَّ يَتُوب . قَالَ : أَلَمْ تَسْمَع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : إِنْ يَغْفِرِ اللَّهُ يَغْفِرْ جَمًّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا رَوَاهُ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس . قَالَ النَّحَّاس : هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِيهِ وَأَجَلّهَا إِسْنَادًا . وَرَوَى شُعْبَة عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " إِلَّا اللَّمَم " قَالَ : هُوَ أَنْ يُلِمّ الْعَبْد بِالذَّنْبِ ثُمَّ لَا يُعَاوِدهُ ; قَالَ الشَّاعِر : إِنْ تَغْفِر اللَّهُمَّ تَغْفِر جَمًّا وَأَيّ عَبْد لَك لَا أَلَمَّا وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن : هُوَ الَّذِي يَأْتِي الذَّنْب ثُمَّ لَا يُعَاوِدهُ , وَنَحْوه عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : اللَّمَم أَنْ يَزْنِي ثُمَّ يَتُوب فَلَا يَعُود , وَأَنْ يَسْرِق أَوْ يَشْرَب الْخَمْر ثُمَّ يَتُوب فَلَا يَعُود . وَدَلِيل هَذَا التَّأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ذَكَرُوا اللَّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ " [ آل عِمْرَان : 135 ] الْآيَة . ثُمَّ قَالَ : " أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ " [ آل عِمْرَان : 136 ] فَضَمِنَ لَهُمْ الْمَغْفِرَة ; كَمَا قَالَ عَقِيب اللَّمَم : " إِنَّ رَبّك وَاسِع الْمَغْفِرَة " فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل يَكُون " إِلَّا اللَّمَم " اِسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا . قَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص : اللَّمَم مَا دُون الشِّرْك . وَقِيلَ : اللَّمَم الذَّنْب بَيْن الْحَدَّيْنِ وَهُوَ مَا لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ حَدّ فِي الدُّنْيَا , وَلَا تُوُعِّدَ عَلَيْهِ بِعَذَابٍ فِي الْآخِرَة تُكَفِّرهُ الصَّلَوَات الْخَمْس . قَالَهُ اِبْن زَيْد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة . وَرَوَاهُ الْعَوْفِيّ وَالْحَكَم بْن عُتَيْبَة عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : اللَّمَم عَلَى وَجْهَيْنِ : كُلّ ذَنْب لَمْ يَذْكُر اللَّه عَلَيْهِ حَدًّا فِي الدُّنْيَا وَلَا عَذَابًا فِي الْآخِرَة ; فَذَلِكَ الَّذِي تُكَفِّرهُ الصَّلَوَات الْخَمْس مَا لَمْ يَبْلُغ الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش . وَالْوَجْه الْآخَر هُوَ الذَّنْب الْعَظِيم يُلِمّ بِهِ الْإِنْسَان الْمَرَّة بَعْد الْمَرَّة فَيَتُوب مِنْهُ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَأَبِي هُرَيْرَة وَزَيْد بْن ثَابِت : هُوَ مَا سَلَفَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَا يُؤَاخِذهُمْ بِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ : إِنَّمَا كُنْتُمْ بِالْأَمْسِ تَعْمَلُونَ مَعَنَا فَنَزَلَتْ وَقَالَهُ زَيْد بْن أَسْلَمَ وَابْنه ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْن الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " [ النِّسَاء : 23 ] . وَقِيلَ : اللَّمَم هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِذَنْبٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِعَادَةٍ ; قَالَ نَفْطَوَيْهِ . قَالَ : وَالْعَرَب تَقُول مَا يَأْتِينَا إِلَّا لِمَامًا ; أَيْ فِي الْحِين بَعْد الْحِين . قَالَ : وَلَا يَكُون أَنْ يُلِمّ وَلَا يَفْعَل , لِأَنَّ الْعَرَب لَا تَقُول أَلَمَّ بِنَا إِلَّا إِذَا فَعَلَ الْإِنْسَان لَا إِذَا هَمَّ وَلَمْ يَفْعَلهُ . وَفِي الصِّحَاح : وَأَلَمَّ الرَّجُل مِنْ اللَّمَم وَهُوَ صَغَائِر الذُّنُوب , وَيُقَال : هُوَ مُقَارَبَة الْمَعْصِيَة مِنْ غَيْر مُوَاقَعَة . وَأَنْشَدَ غَيْر الْجَوْهَرِيّ : بِزَيْنَب أَلْمِمْ قَبْل أَنْ يَرْحَلَ الرَّكْبُ وَقُلْ إِنْ تَمَلِّينَا فَمَا مَلَّكِ الْقَلْبُ أَيْ اقْرَبْ . وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : اللَّمَم عَادَة النَّفْس الْحِين بَعْد الْحِين . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : هُوَ مَا أَلَمَّ عَلَى الْقَلْب ; أَيْ خَطَرَ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة : كُلّ مَا هَمَمْت بِهِ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ فَهُوَ لَمَم . وَدَلِيل هَذَا التَّأْوِيل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّة وَلِلْمَلَكِ لَمَّة ) الْحَدِيث . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر " . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : أَصْل اللَّمَم وَالْإِلْمَام مَا يَعْمَلهُ الْإِنْسَان الْمَرَّة بَعْد الْمَرَّة وَلَا يَتَعَمَّق فِيهِ وَلَا يُقِيم عَلَيْهِ ; يُقَال : أَلْمَمْت بِهِ إِذَا زُرْته وَانْصَرَفْت عَنْهُ , وَيُقَال : مَا فَعَلْته إِلَّا لَمَمًا وَإِلْمَامًا ; أَيْ الْحِين بَعْد الْحِين . وَإِنَّمَا زِيَارَتك إِلْمَام , وَمِنْهُ إِلْمَام الْخَيَال ; قَالَ الْأَعْشَى : أَلَمَّ خَيَال مِنْ قُتَيْلَة بَعْدَمَا وَهَى حَبْلُهَا مِنْ حَبْلنَا فَتَصَرَّمَا وَقِيلَ : إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاو . وَأَنْكَرَ هَذَا الْفَرَّاء وَقَالَ : الْمَعْنَى إِلَّا الْمُتَقَارِب مِنْ صِغَار الذُّنُوب . وَقِيلَ : اللَّمَم النَّظْرَة الَّتِي تَكُون فَجْأَة .

قُلْت : هَذَا فِيهِ بُعْد إِذْ هُوَ مَعْفُوّ عَنْهُ اِبْتِدَاء غَيْر مُؤَاخَذ بِهِ ; لِأَنَّهُ يَقَع مِنْ غَيْر قَصْد وَاخْتِيَار , وَقَدْ مَضَى فِي " النُّور " بَيَانه . وَاللَّمَم أَيْضًا طَرَف مِنْ الْجُنُون , وَرَجُل مَلْمُوم أَيْ بِهِ لَمَم . وَيُقَال أَيْضًا : أَصَابَتْ فُلَانًا لَمَّة مِنْ الْجِنّ وَهِيَ الْمَسّ وَالشَّيْء الْقَلِيل ; قَالَ الشَّاعِر : فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَة لَمْ يَكُنْ إِلَّا كَلَمَّةِ حَالِم بِخَيَالِ

لِمَنْ تَابَ مِنْ ذَنْبه وَاسْتَغْفَرَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَة عَمْرو بْن شُرَحْبِيل وَكَانَ مِنْ أَفَاضِل أَصْحَاب اِبْن مَسْعُود : رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي دَخَلْت الْجَنَّة فَإِذَا قِبَاب مَضْرُوبَة , فَقُلْت : لِمَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالُوا : لِذِي الْكَلَاع وَحَوْشَب , وَكَانَا مِمَّنْ قَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا , فَقُلْت : وَكَيْف ذَلِكَ ؟ فَقَالُوا : إِنَّهُمَا لَقِيَا اللَّه فَوَجَدَاهُ وَاسِع الْمَغْفِرَة . فَقَالَ أَبُو خَالِد : بَلَغَنِي أَنَّ ذَا الْكَلَاع أَعْتَقَ اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْف بِنْت .

مِنْ أَنْفُسكُمْ

يَعْنِي أَبَاكُمْ آدَم مِنْ الطِّين وَخَرَجَ اللَّفْظ عَلَى الْجَمْع . قَالَ التِّرْمِذِيّ أَبُو عَبْد اللَّه : وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ عِنْدنَا , بَلْ وَقَعَ الْإِنْشَاء عَلَى التُّرْبَة الَّتِي رُفِعَتْ مِنْ الْأَرْض , وَكُنَّا جَمِيعًا فِي تِلْكَ التُّرْبَة وَفِي تِلْكَ الطِّينَة , ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْ الطِّينَة الْمِيَاه إِلَى الْأَصْلَاب مَعَ ذَرْو النُّفُوس عَلَى اِخْتِلَاف هَيْئَتهَا , ثُمَّ اِسْتَخْرَجَهَا مِنْ صُلْبهَا عَلَى اِخْتِلَاف الْهَيْئَات ; مِنْهُمْ كَالدُّرِّ يَتَلَأْلَأ , وَبَعْضهمْ أَنْوَر مِنْ بَعْض , وَبَعْضهمْ أَسْوَد كَالْحُمَمَةِ , وَبَعْضهمْ أَشَدّ سَوَادًا مِنْ بَعْض ; فَكَانَ الْإِنْشَاء وَاقِعًا عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ . حَدَّثَنَا عِيسَى بْن حَمَّاد الْعَسْقَلَانِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن بَكْر , قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عُرِضَ عَلَيَّ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ بَيْن يَدَيْ حُجْرَتِي هَذِهِ اللَّيْلَة ) فَقَالَ قَائِل : يَا رَسُول اللَّه ! وَمَنْ مَضَى مِنْ الْخَلْق ؟ قَالَ : ( نَعَمْ عُرِضَ عَلَيَّ آدَم فَمَنْ دُونه فَهَلْ كَانَ خُلِقَ أَحَد ) قَالُوا : وَمَنْ فِي أَصْلَاب الرِّجَال وَبُطُون الْأُمَّهَات ؟ قَالَ : ( نَعَمْ مُثِّلُوا فِي الطِّين فَعَرَفْتهمْ كَمَا عُلِّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا ) .

قُلْت : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل " الْأَنْعَام " أَنَّ كُلّ إِنْسَان يُخْلَق مِنْ طِين الْبُقْعَة الَّتِي يُدْفَن فِيهَا .

جَمْع جَنِين وَهُوَ الْوَلَد مَا دَامَ فِي الْبَطْن , سُمِّيَ جَنِينًا لِاجْتِنَابِهِ وَاسْتِتَاره . قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا وَقَالَ مَكْحُول : كُنَّا أَجِنَّة فِي بُطُون أُمَّهَاتنَا فَسَقَطَ مِنَّا مَنْ سَقَطَ وَكُنَّا فِيمَنْ بَقِيَ , ثُمَّ صِرْنَا رُضَّعًا فَهَلَكَ مِنَّا مَنْ هَلَكَ وَكُنَّا فِيمَنْ بَقِيَ , ثُمَّ صِرْنَا يَفَعَة فَهَلَكَ مِنَّا مَنْ هَلَكَ , وَكُنَّا فِيمَنْ بَقِيَ ثُمَّ صِرْنَا شَبَابًا فَهَلَكَ مِنَّا مَنْ هَلَكَ وَكُنَّا فِيمَنْ بَقِيَ , ثُمَّ صِرْنَا شُيُوخًا - لَا أَبَا لَك ! - فَمَا بَعْد هَذَا نَنْتَظِر ؟ ! . وَرَوَى اِبْن لَهِيعَة عَنْ الْحَارِث بْن يَزِيد عَنْ ثَابِت بْن الْحَارِث الْأَنْصَارِيّ قَالَ : كَانَتْ الْيَهُود تَقُول إِذَا هَلَكَ لَهُمْ صَبِيّ صَغِير : هُوَ صِدِّيق ; فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( كَذَبَتْ يَهُود مَا مِنْ نَسَمَة يَخْلُقهَا اللَّه فِي بَطْن أُمّه إِلَّا أَنَّهُ شَقِيّ أَوْ سَعِيد ) فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عِنْد ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة : " هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْض " إِلَى آخِرهَا . وَنَحْوه عَنْ عَائِشَة : ( كَانَ الْيَهُود ) . بِمِثْلِهِ .

أَيْ لَا تَمْدَحُوهَا وَلَا تُثْنُوا عَلَيْهَا , فَإِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاء وَأَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوع .

أَيْ أَخْلَصَ الْعَمَل وَاتَّقَى عُقُوبَة اللَّه ; عَنْ الْحَسَن وَغَيْره . قَالَ الْحَسَن : قَدْ عَلَّمَ اللَّه سُبْحَانه كُلّ نَفْس مَا هِيَ عَامِلَة , وَمَا هِيَ صَانِعَة , وَإِلَى مَا هِيَ صَائِرَة . وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء " الْكَلَام فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة عِنْد قَوْله تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسهمْ " [ النِّسَاء : 49 ] فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا مِنْ أَحَد مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة أُزَكِّيه غَيْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الجامع الفريد للأسئلة والأجوبة على كتاب التوحيد

    كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد : كتاب نفيس صنفه الإمام المجدد - محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهوكتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه مؤلفه - رحمه الله - التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع؛ وفي هذه الصفحة شرح لهذا الكتاب في صورة سؤال وجواب، وقد سماه المؤلف - رحمه الله - بالجامع الفريد للأسئلة والأجوبة على كتاب التوحيد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260326

    التحميل:

  • العشيقة

    العشيقة: رسالةٌ تتحدَّث عن الجنة ونعيمها بأسلوبٍ مُشوِّقٍ جذَّاب، يأخذ بالألباب؛ حيث شبَّهها المؤلف - حفظه الله - بالعشيقة التي يسعى إليها الساعون، ويتنافَس في تحصيلها المُتنافِسون، وهكذا الجنة؛ تريد من يُشمِّر لها عن ساعد الجد، ويهجر الكسل والنوم؛ فإنها سلعة الله الغالية.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333919

    التحميل:

  • فيض القدير شرح الجامع الصغير

    فيض القدير شرح الجامع الصغير: الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير للحافظ السيوطي، اقتصر فيه المصنف على الأحاديث الوجيزة القصيرة ورتبه على حسب حروف المعجم ترتيبا ألفبائياً وفيض القدير شرح مطول على الجامع الصغير حيث شرحه شرحا وافيا متعرضا للألفاظ ووجوه الإعراب، وضبط الكلمات ومفسرا للأحاديث بالاستناد إلى أحاديث أخرى وآيات كريمة، ومستخرجا الأحكام المتضمنة لها والمسائل الواردة فيها موردا أقوال العلماء في ذلك.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141435

    التحميل:

  • لبيك اللهم لبيك

    لبيك اللهم لبيك: كتابٌ يُبيِّن أحكام الحج والعمرة بطريقة مُيسَّرة; بالاعتماد على الكتاب والسنة وأرجح أقوال العلماء والبعد عن الخلاف; لما يُناسب هذا الكتاب لجميع طبقات الناس; ومختلَف فهومهم.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323064

    التحميل:

  • الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب [ حقائق وشبهات ]

    الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب [ حقائق وشبهات ]: في هذه الرسالة أورد المؤلِّف ما نصَّ عليه المُؤرِّخون وأصحاب السير على مشاركة الآل مع الصحابة في الفتوحات والمعارك؛ مما يدل على العلاقة الطيبة بين الآل والأصحاب - رضي الله عنهم -.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/380430

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة