Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الذاريات - الآية 56

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) (الذاريات) mp3
قِيلَ : إِنَّ هَذَا خَاصّ فِيمَنْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَعْبُدهُ , فَجَاءَ بِلَفْظِ الْعُمُوم وَمَعْنَاهُ الْخُصُوص . وَالْمَعْنَى : وَمَا خَلَقْت أَهْل السَّعَادَة مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَالْآيَة دَخَلَهَا التَّخْصِيص عَلَى الْقَطْع ; لِأَنَّ الْمَجَانِين وَالصِّبْيَان مَا أُمِرُوا بِالْعِبَادَةِ حَتَّى يُقَال أَرَادَ مِنْهُمْ الْعِبَادَة , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم كَثِيرًا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس " [ الْأَعْرَاف : 179 ] وَمَنْ خُلِقَ لِجَهَنَّم لَا يَكُون مِمَّنْ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ , فَالْآيَة مَحْمُولَة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " قَالَتْ الْأَعْرَاب آمَنَّا " [ الْحُجُرَات : 14 ] وَإِنَّمَا قَالَ فَرِيق مِنْهُمْ . ذَكَرَهُ الضَّحَّاك وَالْكَلْبِيّ وَالْفَرَّاء وَالْقُتَبِيّ . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " وَمَا خَلَقْت الْجِنّ وَالْإِنْس مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَيْ وَمَا خَلَقْت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا لِآمُرهُمْ بِالْعِبَادَةِ . وَاعْتَمَدَ الزَّجَّاج عَلَى هَذَا الْقَوْل , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا " [ التَّوْبَة : 31 ] . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف كَفَرُوا وَقَدْ خَلَقَهُمْ لِلْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَالتَّذَلُّل لِأَمْرِهِ وَمَشِيئَته ؟ قِيلَ قَدْ تَذَلَّلُوا لِقَضَائِهِ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ قَضَاءَهُ جَارٍ عَلَيْهِمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِامْتِنَاع مِنْهُ , وَإِنَّمَا خَالَفَهُمْ مَنْ كَفَرَ فِي الْعَمَل بِمَا أَمَرَهُ بِهِ , فَأَمَّا التَّذَلُّل لِقَضَائِهِ فَإِنَّهُ غَيْر مُمْتَنِع مِنْهُ . وَقِيلَ : " إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " أَيْ إِلَّا لِيُقِرُّوا لِي بِالْعِبَادَةِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ; رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس . فَالْكَرْه مَا يُرَى فِيهِمْ مِنْ أَثَر الصَّنْعَة . مُجَاهِد : إِلَّا لِيَعْرِفُونِي . الثَّعْلَبِيّ : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْلُقهُمْ لَمَا عُرِفَ وُجُوده وَتَوْحِيده . وَدَلِيل هَذَا التَّأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه " [ الزُّخْرُف : 87 ] " وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيز الْعَلِيم " [ الزُّخْرُف : 9 ] وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْآيَات . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا : إِلَّا لِآمُرهُمْ وَأَنْهَاهُمْ . زَيْد بْن أَسْلَمَ : هُوَ مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ الشِّقْوَة وَالسَّعَادَة ; فَخَلَقَ السُّعَدَاء مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس لِلْعِبَادَةِ , وَخَلَقَ الْأَشْقِيَاء مِنْهُمْ لِلْمَعْصِيَةِ . وَعَنْ الْكَلْبِيّ أَيْضًا : إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ , فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيُوَحِّدهُ فِي الشِّدَّة وَالرَّخَاء , وَأَمَّا الْكَافِر فَيُوَحِّدهُ فِي الشِّدَّة وَالْبَلَاء دُون النِّعْمَة وَالرَّخَاء ; يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : " وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْج كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " [ لُقْمَان : 32 ] الْآيَة . وَقَالَ عِكْرِمَة : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وَيُطِيعُونِ فَأُثِيب الْعَابِد وَأُعَاقِب الْجَاحِد . وَقِيلَ : الْمَعْنَى إِلَّا لِأَسْتَعْبِدهُمْ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; تَقُول : عَبْد بَيِّن الْعُبُودَة وَالْعُبُودِيَّة , وَأَصْل الْعُبُودِيَّة الْخُضُوع وَالذُّلّ . وَالتَّعْبِيد التَّذْلِيل ; يُقَال : طَرِيق مُعَبَّد . قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ : وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْق مَوْر مُعَبَّدِ وَالتَّعْبِيد الِاسْتِعْبَاد وَهُوَ أَنْ يَتَّخِذهُ عَبْدًا . وَكَذَلِكَ الِاعْتِبَاد . وَالْعِبَادَة الطَّاعَة , وَالتَّعَبُّد التَّنَسُّك . فَمَعْنَى " لِيَعْبُدُونِ " لِيَذِلُّوا وَيَخْضَعُوا وَيَعْبُدُوا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • الافتقار إلى الله لب العبودية

    بيان بعض علامات الافتقار إلى الله.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205809

    التحميل:

  • مجموع فيه: من آثار سماحة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل في الذكريات والتاريخ والتراجم

    قال الجامع للرسالة: «فهذا مجموعٌ لطيفٌ من فوائد سماحة شيخنا ووالدنا النبيل، العالم العلامة الجليل، عبد الله بن عبد العزيز العقيل، أمدَّ الله في عمره على الخير والعافية والطاعة والإفادة. ويحتوي المجموع على: 1- رسالة بعنوان: «قصتي في طلب العلم» .. 2- رسالة بعنوان: «سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كما عرفتُه» .. 3- مقالة بعنوان: «ترجمة الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -» .. 4- مجموعة من المقابلات واللقاءات التي أُجرِيت مع شيخنا، لما فيها من معلومات قيمة ..».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371021

    التحميل:

  • تعليم تدبر القرآن الكريم أساليب علمية ومراحل منهجية

    يناقش هذا البحث موضوع تدبر القرآن الكريم من منظور التربية وعلم النفس، ويبين القواعد الأساسية لتعليمه، ويقترح مراحل منهجية تتناسب مع مراحل نضج المتعلمين، كما يقترح عددًا من الوسائل والإجراءات التربوية لكل مرحلة منها. ويضع البحث عدداً من الخطوات العملية التي يقوم بها الفرد بنفسه لتحقيق التدبر.

    الناشر: معهد الإمام الشاطبي http://www.shatiby.edu.sa

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385702

    التحميل:

  • هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يامحب

    هذا الحبيب يامحب: يتناول الكتاب سيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، مع بعض الأخلاق والآداب المحمدية، متبعاً كل مبحث بالنتائج والعبر التي يمكن أن تستقى منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141342

    التحميل:

  • تعرف على الإسلام

    تعرف على الإسلام : هذا الكتاب دعوة للتأمل في تعاليم الإسلام، مع كشف حقيقة ما يردده البعض عن اتهام الإسلام بالإرهاب والحض على الكراهية، وبأنه ظلم المرأة وعطل طاقتها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172991

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة