Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الذاريات - الآية 23

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23) (الذاريات) mp3
أَكَّدَ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ الْبَعْث وَمَا خَلَقَ فِي السَّمَاء مِنْ الرِّزْق , وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَحَقّ ثُمَّ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ

وَخَصَّ النُّطْق مِنْ بَيْن سَائِر الْحَوَاسّ ; لِأَنَّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْحَوَاسّ يَدْخُلهُ التَّشْبِيه , كَاَلَّذِي يَرَى فِي الْمِرْآة , وَاسْتِحَالَة الذَّوْق عِنْد غَلَبَة الصَّفْرَاء وَنَحْوهَا , وَالدَّوِيّ وَالطَّنِين فِي الْأُذُن , وَالنُّطْق سَالِم مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يُعْتَرَض بِالصَّدَى لِأَنَّهُ لَا يَكُون إِلَّا بَعْد حُصُول الْكَلَام مِنْ النَّاطِق غَيْر مَشُوب بِمَا يُشْكِل بِهِ . وَقَالَ بَعْض الْحُكَمَاء : كَمَا أَنَّ كُلّ إِنْسَان يَنْطِق بِنَفْسِهِ وَلَا يُمْكِنهُ أَنْ يَنْطِق بِلِسَانِ غَيْره , فَكَذَلِكَ كُلّ إِنْسَان يَأْكُل رِزْقه وَلَا يُمْكِنهُ أَنْ يَأْكُل رِزْق غَيْره . وَقَالَ الْحَسَن : بَلَغَنِي أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( قَاتَلَ اللَّه أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبّهمْ بِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوهُ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّهُ لَحَقّ " . وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَقْبَلْت ذَات مَرَّة مِنْ مَسْجِد الْبَصْرَة إِذْ طَلَعَ أَعْرَابِيّ جِلْف جَافٍ عَلَى قَعُود لَهُ مُتَقَلِّدًا سَيْفه وَبِيَدِهِ قَوْسه , فَدَنَا وَسَلَّمَ وَقَالَ : مِمَّنْ الرَّجُل ؟ قُلْت مِنْ بَنِي أَصْمَع , قَالَ : أَنْتَ الْأَصْمَعِيّ ؟ قُلْت : نَعَمْ . قَالَ : وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت ؟ قُلْت : مِنْ مَوْضِع يُتْلَى فِيهِ كَلَام الرَّحْمَن ; قَالَ : وَلِلرَّحْمَنِ كَلَام يَتْلُوهُ الْآدَمِيُّونَ ؟ قُلْت : نَعَمْ ; قَالَ : فَاتْلُ عَلَيَّ مِنْهُ شَيْئًا ; فَقَرَأْت " وَالذَّارِيَات ذَرْوًا " إِلَى قَوْله : " وَفِي السَّمَاء رِزْقكُمْ " فَقَالَ : يَا أَصْمَعِيّ حَسْبك ! ! ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاقَته فَنَحَرَهَا وَقَطَعَهَا بِجِلْدِهَا , وَقَالَ : أَعِنِّي عَلَى تَوْزِيعهَا ; فَفَرَّقْنَاهَا عَلَى مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ , ثُمَّ عَمَدَ إِلَى سَيْفه وَقَوْسه فَكَسَرَهُمَا وَوَضَعَهُمَا تَحْت الرَّحْل وَوَلَّى نَحْو الْبَادِيَة وَهُوَ يَقُول : " وَفِي السَّمَاء رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " فَمَقَتّ نَفْسِي وَلُمْتهَا , ثُمَّ حَجَجْت مَعَ الرَّشِيد , فَبَيْنَمَا أَنَا أَطُوف إِذَا أَنَا بِصَوْتٍ رَقِيق , فَالْتَفَتّ فَإِذَا أَنَا بِالْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ نَاحِل مُصْفَرّ , فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَأَخَذَ بِيَدَيَّ وَقَالَ : اُتْلُ عَلَيَّ كَلَام الرَّحْمَن , وَأَجْلَسَنِي مِنْ وَرَاء الْمَقَام فَقَرَأْت " وَالذَّارِيَات " حَتَّى وَصَلْت إِلَى قَوْله تَعَالَى : " وَفِي السَّمَاء رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ : لَقَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا الرَّحْمَن حَقًّا , وَقَالَ : وَهَلْ غَيْر هَذَا ؟ قُلْت : نَعَمْ ; يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّهُ لَحَقّ مِثْل مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ " قَالَ فَصَاحَ الْأَعْرَابِيّ وَقَالَ : يَا سُبْحَان اللَّه ! مَنْ الَّذِي أَغْضَبَ الْجَلِيل حَتَّى حَلَفَ ! أَلَمْ يُصَدِّقُوهُ فِي قَوْله حَتَّى أَلْجَئُوهُ إِلَى الْيَمِين ؟ فَقَالَهَا ثَلَاثًا وَخَرَجَتْ بِهَا نَفْسه . وَقَالَ يَزِيد بْن مَرْثَد : إِنَّ رَجُلًا جَاعَ بِمَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْء فَقَالَ : اللَّهُمَّ رِزْقك الَّذِي وَعَدْتنِي فَأْتِنِي بِهِ ; فَشَبِعَ وَرُوِيَ مِنْ غَيْر طَعَام وَلَا شَرَاب . وَعَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ فَرَّ مِنْ رِزْقه لَتَبِعَهُ كَمَا يَتْبَعهُ الْمَوْت ) أَسْنَدَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ حَبَّة وَسَوَاء اِبْنَيْ خَالِد قَالَا : دَخَلْنَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُعَالِج شَيْئًا فَأَعَنَّاهُ عَلَيْهِ , فَقَالَ : ( لَا تَيْأَسَا مِنْ الرِّزْق مَا تَهَزَّزَتْ رُءُوسكُمَا فَإِنَّ الْإِنْسَان تَلِدهُ أُمّه أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْر ثُمَّ يَرْزُقهُ اللَّه ) . وَرُوِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْأَعْرَاب زَرَعُوا زَرْعًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَة فَحَزِنُوا لِأَجْلِهِ , فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ أَعْرَابِيَّة فَقَالَتْ : مَا لِي أَرَاكُمْ قَدْ نَكَسْتُمْ رُءُوسكُمْ , وَضَاقَتْ صُدُوركُمْ , هُوَ رَبّنَا وَالْعَالِم بِنَا , رِزْقنَا عَلَيْهِ يَأْتِينَا بِهِ حَيْثُ شَاءَ ! ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُول : لَوْ كَانَ فِي صَخْرَة فِي الْبَحْر رَاسِيَة صَمًّا مُلَمْلِمَة مَلْسَا نَوَاحِيهَا رِزْقٌ لِنَفْسٍ بَرَاهَا اللَّه لَانْفَلَقَتْ حَتَّى تُؤَدِّي إِلَيْهَا كُلَّ مَا فِيهَا أَوْ كَانَ بَيْن طِبَاق السَّبْع مَسْلَكهَا لَسَهَّلَ اللَّه فِي الْمَرْقَى مَرَاقِيهَا حَتَّى تَنَالَ الَّذِي فِي اللَّوْحِ خُطَّ لَهَا إِنْ لَمْ تَنَلْهُ وَإِلَّا سَوْفَ يَأْتِيهَا قُلْت : وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قِصَّة الْأَشْعَرِيِّينَ حِين أَرْسَلُوا رَسُولهمْ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَمِعَ قَوْله تَعَالَى : " وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْض إِلَّا عَلَى اللَّه رِزْقهَا " [ هُود : 6 ] فَرَجَعَ وَلَمْ يُكَلِّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : لَيْسَ الْأَشْعَرِيُّونَ بِأَهْوَنَ عَلَى اللَّه مِنْ الدَّوَابّ ; وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَة " هُود " . وَقَالَ لُقْمَان : " يَا بُنَيّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ فِي صَخْرَة " [ لُقْمَان : 16 ] الْآيَة . وَقَدْ مَضَى فِي " لُقْمَان " وَقَدْ اِسْتَوْفَيْنَا هَذَا الْبَاب فِي كِتَاب ( قَمْع الْحِرْص بِالزُّهْدِ وَالْقَنَاعَة ) وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَهَذَا هُوَ التَّوَكُّل الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَا يَشُوبهُ شَيْء , وَهُوَ فَرَاغ الْقَلْب مَعَ الرَّبّ ; رَزَقَنَا اللَّه إِيَّاهُ وَلَا أَحَالَنَا عَلَى أَحَد سِوَاهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمه . قَوْله تَعَالَى : " مِثْل مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ " قِرَاءَة الْعَامَّة " مِثْلَ " بِالنَّصْبِ أَيْ كَمِثْلِ " مَا أَنَّكُمْ " فَهُوَ مَنْصُوب عَلَى تَقْدِير حَذْف الْكَاف أَيْ كَمِثْلِ نُطْقكُمْ و " مَا " زَائِدَة ; قَالَهُ بَعْض الْكُوفِيِّينَ . وَقَالَ الزَّجَّاج وَالْفَرَّاء : يَجُوز أَنْ يَنْتَصِب عَلَى التَّوْكِيد ; أَيْ لَحَقّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقك ; فَكَأَنَّهُ نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف وَقَوْل سِيبَوَيْهِ : إِنَّهُ مَبْنِيّ بُنِيَ حِين أُضِيفَ إِلَى غَيْر مُتَمَكِّن و " مَا " زَائِدَة لِلتَّوْكِيدِ . الْمَازِنِيّ : " مِثْل " مَعَ " مَا " بِمَنْزِلَةِ شَيْء وَاحِد فَبُنِيَ عَلَى الْفَتْح لِذَلِكَ . وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم ; قَالَ : وَلِأَنَّ مِنْ الْعَرَب مَنْ يَجْعَل مِثْلًا مَنْصُوبًا أَبَدًا ; فَتَقُول : قَالَ لِي رَجُل مِثْلَك , وَمَرَرْت بِرَجُلٍ مِثْلَك بِنَصْبِ مِثْل عَلَى مَعْنَى كَمِثْلِ . وَقَرَأَ أَبُو بَكْر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَالْأَعْمَش " مِثْلُ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَة لَحَقّ ; لِأَنَّهُ نَكِرَة وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى مَعْرِفَة , إِذْ لَا يَخْتَصّ بِالْإِضَافَةِ لِكَثْرَةِ الْأَشْيَاء الَّتِي يَقَع بَعْدهَا التَّمَاثُل بَيْن الْمُتَمَاثِلَيْنِ . و " مِثْل " مُضَاف إِلَى " أَنَّكُمْ " و " مَا " زَائِدَة وَلَا تَكُون مَعَ مَا بَعْدهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَر إِذْ لَا فِعْل مَعَهُ تَكُون مَعَهُ مَصْدَرًا . وَيَجُوز أَنْ تَكُون بَدَلًا مِنْ " لَحَقّ " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح نظم الورقات في أصول الفقه

    في هذا الكتاب يتناول المؤلف جانبًا من علم أصول الفقه, من خلال كتاب نظم الورقات للعمريطي الذي نظمه في كتاب الورقات لإمام الحرمين, مبتدئًا بما جاء في المنظومة بالشرح والبيان لكلمة أصول الفقه وأقسام الكلام، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والنسخ، وما جاء في التعارض بين الأدلة والترجيح، والإجماع، والخبر، والقياس، والإفتاء والتقليد والاجتهاد, وغير ذلك مما تجده من جزئيات وتفصيلات وأسئلة من الطلبة يجيب عنها الشيخ ابن عثيمين بالتفصيل والإيضاح.

    الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع www.aljawzi.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/190915

    التحميل:

  • من بدائع القصص النبوي الصحيح

    من بدائع القصص النبوي الصحيح: فإن النفوس تحب القصص، وتتأثر بها؛ لذلك تجد في القرآن أنواعًا من القصص النافع، وهو من أحسن القصص. وكان من حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن اقتدى بكتاب ربه، فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه العِبَر، باللفظ الفصيح والبيـان العذب البليغ، ويمتاز بأنه واقعي وليس بخيالي. ولما كان بعض شبابنا قد مالوا إلى القصص الأجنبي الضار، إذ أكثره جنسي مائع أو بوليسي مجرم، يوقعهم في الفاحشة والانحراف كما يريده أعداء الإسلام؛ رأينا أن نقدم لهم نماذج من القصص الديني الصحيح؛ فان فيها تهذيب الأخلاق، وتقريب الشباب من الدين. وفي هذا الكتاب نموذج من بدائع القصص النبوي، وهي مختارة من الأحاديث الصحيحة، جعلها الكاتب على شكل حوار، ومشاهد، حتى كأنك ترى وقائع القصة أمامك، وجعل لكل قصة عبرة في آخرها للاستفادة منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1894

    التحميل:

  • تفسير سورة الناس

    تفسير سورة الناس: تفسير مختصر ماتع من اختصار الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب لسورة الناس من تفسير الإمام ابن القيم - رحمهما الله تعالى -، وليس هو بالطويل المُمل ولا بالقصير المُخِلّ.

    المدقق/المراجع: فهد بن عبد الرحمن الرومي

    الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت http://www.resalah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364169

    التحميل:

  • دور الشباب المسلم في الحياة

    في هذه الرسالة بيان دور الشباب المسلم في الحياة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209198

    التحميل:

  • نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع

    نقد القومية العربية : رسالة لطيفة للعلامة ابن باز - رحمه الله - بين فيها بطلان دعوة من يدعو إلى القومية العربية، وذلك من عدة وجوه.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/102357

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة