Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الذاريات - الآية 17

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) (الذاريات) mp3
مَعْنَى " يَهْجَعُونَ " يَنَامُونَ ; وَالْهُجُوع النَّوْم لَيْلًا , وَالتَّهْجَاع النَّوْمَة الْخَفِيفَة ; قَالَ أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت : قَدْ حَصَّتْ الْبَيْضَة رَأْسِي فَمَا أَطْعَم نَوْمًا غَيْر تَهْجَاعِ وَقَالَ عَمْرو بْن مَعْدِي كَرِبَ يَتَشَوَّق أُخْته وَكَانَ أَسَرَهَا الصِّمَّة أَبُو دُرَيْد بْن الصِّمَّة : أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيع يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ يُقَال : هَجَعَ يَهْجَع هُجُوعًا , وَهَبَغَ يَهْبَغ هُبُوغًا بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة إِذَا نَامَ ; قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَاخْتُلِفَ فِي " مَا " فَقِيلَ : صِلَة زَائِدَة - قَالَهُ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ - وَالتَّقْدِير كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْل يَهْجَعُونَ ; أَيْ يَنَامُونَ قَلِيلًا مِنْ اللَّيْل وَيُصَلُّونَ أَكْثَرَهُ . قَالَ عَطَاء : وَهَذَا لَمَّا أُمِرُوا بِقِيَامِ اللَّيْل . وَكَانَ أَبُو ذَرّ يَحْتَجِز وَيَأْخُذ الْعَصَا فَيَعْتَمِد عَلَيْهَا حَتَّى نَزَلَتْ الرُّخْصَة " قُمْ اللَّيْل إِلَّا قَلِيلًا " [ الْمُزَّمِّل : 2 ] الْآيَة . وَقِيلَ : لَيْسَ " مَا " صِلَة بَلْ الْوَقْف عِنْد قَوْله : " قَلِيلًا " ثُمَّ يَبْتَدِئ " مِنْ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ " ف " مَا " لِلنَّفْيِ وَهُوَ نَفْي النَّوْم عَنْهُمْ الْبَتَّة . قَالَ الْحَسَن : كَانُوا لَا يَنَامُونَ مِنْ اللَّيْل إِلَّا أَقَلَّهُ وَرُبَّمَا نَشِطُوا فَجَدُّوا إِلَى السَّحَر . رُوِيَ عَنْ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ أَنَّهُ قَالَ : اِخْتَلَفُوا فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ بَعْضهمْ : " كَانُوا قَلِيلًا " مَعْنَاهُ كَانَ عَدَدهمْ يَسِيرًا ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ : " مِنْ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ " عَلَى مَعْنَى مِنْ اللَّيْل يَهْجَعُونَ ; قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَهَذَا فَاسِد ; لِأَنَّ الْآيَة إِنَّمَا تَدُلّ عَلَى قِلَّة نَوْمهمْ لَا عَلَى قِلَّة عَدَدهمْ , وَبَعْد فَلَوْ اِبْتَدَأْنَا " مِنْ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ " عَلَى مَعْنَى مِنْ اللَّيْل يَهْجَعُونَ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مَدْح لَهُمْ ; لِأَنَّ النَّاس كُلّهمْ يَهْجَعُونَ مِنْ اللَّيْل إِلَّا أَنْ تَكُون " مَا " جَحْدًا . قُلْت : وَعَلَى مَا تَأَوَّلَهُ بَعْض النَّاس - وَهُوَ قَوْل الضَّحَّاك - مِنْ أَنَّ عَدَدهمْ كَانَ يَسِيرًا يَكُون الْكَلَام مُتَّصِلًا بِمَا قَبْل مِنْ قَوْله : " إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ مُحْسِنِينَ " أَيْ كَانَ الْمُحْسِنُونَ قَلِيلًا , ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : " مِنْ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ " وَعَلَى التَّأْوِيل الْأَوَّل وَالثَّانِي يَكُون " كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْل " خِطَابًا مُسْتَأْنَفًا بَعْد تَمَام مَا تَقَدَّمَهُ وَيَكُون الْوَقْف عَلَى " مَا يَهْجَعُونَ " , وَكَذَلِكَ إِنْ جَعَلْت " قَلِيلًا " خَبَر كَانَ وَتَرْفَع " مَا " بِقَلِيلٍ ; كَأَنَّهُ قَالَ : كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْل هُجُوعهمْ . ف " مَا " يَجُوز أَنْ تَكُون نَافِيَة , وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَعَ الْفِعْل مَصْدَرًا , وَيَجُوز أَنْ تَكُون رَفْعًا عَلَى الْبَدَل مِنْ اِسْم كَانَ , التَّقْدِير كَانَ هُجُوعهمْ قَلِيلًا مِنْ اللَّيْل , وَانْتِصَاب قَوْله : " قَلِيلًا " إِنْ قَدَّرْت " مَا " زَائِدَة مُؤَكَّدَة بـ " يَهْجَعُونَ " عَلَى تَقْدِير كَانُوا وَقْتًا قَلِيلًا أَوْ هُجُوعًا قَلِيلًا يَهْجَعُونَ , وَإِنْ لَمْ تُقَدِّر " مَا " زَائِدَة كَانَ قَوْله : " قَلِيلًا " خَبَر كَانَ وَلَمْ يَجُزْ نَصْبه ب " يَهْجَعُونَ " ; لِأَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ نَصْبه بـ " يَهْجَعُونَ " مَعَ تَقْدِير " مَا " مَصْدَرًا قُدِّمَتْ الصِّلَة عَلَى الْمَوْصُول . وَقَالَ أَنَس وَقَتَادَة فِي تَأْوِيل الْآيَة : أَيْ كَانُوا يُصَلُّونَ بَيْن الْعِشَاءَيْنِ : الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . أَبُو الْعَالِيَة : كَانُوا لَا يَنَامُونَ بَيْن الْعِشَاءَيْنِ . وَقَالَهُ اِبْن وَهْب . وَقَالَ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَار كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِشَاءَيْنِ فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَمْضُونَ إِلَى قُبَاء . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن : كَانُوا لَا يَنَامُونَ حَتَّى يُصَلُّوا الْعَتَمَة . قَالَ الْحَسَن : كَأَنَّهُ عَدَّ هُجُوعهمْ قَلِيلًا فِي جَنْب يَقَظَتهمْ لِلصَّلَاةِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُطَرِّف : قَلَّ لَيْلَة لَا تَأْتِي عَلَيْهِمْ إِلَّا يُصَلُّونَ لِلَّهِ فِيهَا إِمَّا مِنْ أَوَّلهَا وَإِمَّا مِنْ وَسَطهَا .

رُوِيَ عَنْ بَعْض الْمُتَهَجِّدِينَ أَنَّهُ أَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامه فَأَنْشَدَهُ : وَكَيْفَ تَنَامُ اللَّيْلَ عَيْنٌ قَرِيرَةٌ وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيِّ الْمَجَالِسِ تَنْزِلُ وَرُوِيَ عَنْ رَجُل مِنْ الْأَزْد أَنَّهُ قَالَ : كُنْت لَا أَنَام اللَّيْل فَنِمْت فِي آخِر اللَّيْل , فَإِذَا أَنَا بِشَابَّيْنِ أَحْسَن مَا رَأَيْت وَمَعَهُمَا حُلَل , فَوَقَفَا عَلَى كُلّ مُصَلٍّ وَكَسَوَاهُ حُلَّة , ثُمَّ اِنْتَهَيَا إِلَى النِّيَام فَلَمْ يَكْسُوَاهُمْ , فَقُلْت لَهُمَا : اُكْسُوَانِي مِنْ حُلَلكُمَا هَذِهِ ; فَقَالَا لِي : إِنَّهَا لَيْسَتْ حُلَّة لِبَاس إِنَّمَا هِيَ رِضْوَان اللَّه يَحُلّ عَلَى كُلّ مُصَلٍّ . وَيُرْوَى عَنْ أَبِي خَلَّاد أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي صَاحِب لِي قَالَ : فَبَيْنَا أَنَا نَائِم ذَات لَيْلَة إِذْ مُثِّلَتْ لِي الْقِيَامَة , فَنَظَرْت إِلَى أَقْوَام مِنْ إِخْوَانِي قَدْ أَضَاءَتْ وُجُوههمْ , وَأَشْرَقَتْ أَلْوَانهمْ , وَعَلَيْهِمْ الْحُلَل مِنْ دُون الْخَلَائِق , فَقُلْت : مَا بَال هَؤُلَاءِ مُكْتَسُونَ وَالنَّاس عُرَاة , وَوُجُوههمْ مُشْرِقَة وَوُجُوه النَّاس مُغْبَرَّة ! فَقَالَ لِي قَائِل : الَّذِينَ رَأَيْتهمْ مُكْتَسُونَ فَهُمْ الْمُصَلُّونَ بَيْن الْأَذَان وَالْإِقَامَة , وَاَلَّذِينَ وُجُوههمْ مُشْرِقَة فَأَصْحَاب السَّهَر وَالتَّهَجُّد , قَالَ : وَرَأَيْت أَقْوَامًا عَلَى نَجَائِب , فَقُلْت : مَا بَال هَؤُلَاءِ رُكْبَانًا وَالنَّاس مُشَاة حُفَاة ؟ فَقَالَ لِي : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَامُوا عَلَى أَقْدَامهمْ تَقَرُّبًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فَأَعْطَاهُمْ اللَّه بِذَلِكَ خَيْر الثَّوَاب ; قَالَ : فَصِحْت فِي مَنَامِي : وَاهًا لِلْعَابِدِينَ , مَا أَشْرَفَ مَقَامهمْ ! ثُمَّ اِسْتَيْقَظْت مِنْ مَنَامِي وَأَنَا خَائِف .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • إيمان المشركين وتصديقهم بالله في ضوء قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}

    إيمان المشركين وتصديقهم بالله: قال المؤلف: «فهذا بحثٌ مختصرٌ في دراسة معنى قول الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] أحببتُ المشاركة في جمع ما ذكره أهل العلم حول هذه الآية لمسيس الحاجة إلى بيان ما فيها من تقرير التوحيد وأنواعه، والرد على المشركين، والرد على من يجعل الغاية في التوحيد هو الإقرار بالربوبية».

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/331932

    التحميل:

  • أركان الإيمان

    أركان الإيمان: هذا الكتاب يتحدث عن أركان الإيمان الستة، وهي: (الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) بالتوضيح والبيان المعززين بالكتاب والسنة، والمعقول، وبَيَّن أن الإيمان: هو قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ثم تطرق الكتاب إلى تحقيق الإيمان، كما تناول أشهر المسائل المتعلقة بكل ركن من أركان الإيمان. وهذه الدراسة عن أركان الإيمان هي أحد برامج العمادة العلمية، حيث وجّهت بعض أعضاء هيئة التدريس بالجامعة للكتابة في الموضوع ثمّ كلّفت اللجنة العلمية بالعمادة بدراسة ما كتبوه واستكمال النقص وإخراجه بالصورة المناسبة، مع الحرص على ربط القضايا العلمية بأدلّتها من الكتاب والسنّة. وتحرص العمادة - من خلال هذه الدراسة - إلى تمكين أبناء العالم الإسلامي من الحصول على العلوم الدينية النافعة؛ لذلك قامت بترجمتها إلى اللغات العالمية ونشرها وتضمينها شبكة المعلومات الدولية - الإنترنت -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/63371

    التحميل:

  • معجم المناهي اللفظية

    معجم المناهي اللفظية : فهذا بابٌ من التأليف جامع لجملة كبيرة من الألفاظ، والمقولات، والدائرة على الألسن قديماً، وحديثاً، المنهي عن التلفظ بها؛ لذاتها، أو لمتعلقاتها، أو لمعنى من ورائها، كالتقيد بزمان، أو مكان، وما جرى مجرى ذلك من مدلولاتها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/169026

    التحميل:

  • الإمتحان الأكبر ونتيجته

    الإمتحان الأكبر ونتيجته : هذه الرسالة تذكر بالحساب في الدار الآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209118

    التحميل:

  • حاشية الرحبية في الفرائض

    متن الرحبية : متن منظوم في علم الفرائض - المواريث - عدد أبياته (175) بيتاً من بحر الرجز وزنه « مستفعلن » ست مرات، وهي من أنفع ما صنف في هذا العلم للمبتدئ، وقد صنفها العلامة أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الحسن الرحبي الشافعي المعروف بابن المتقنة، المتوفي سنة (557هـ) - رحمه الله تعالى -، وقد شرحها فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/72984

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة