Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 97

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) (المائدة) mp3
جَعَلَ هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَقَدْ سُمِّيَتْ الْكَعْبَة كَعْبَة لِأَنَّهَا مُرَبَّعَة وَأَكْثَر بُيُوت الْعَرَب مُدَوَّرَة وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ كَعْبَة لِنُتُوئِهَا وَبُرُوزهَا , فَكُلّ نَاتِئ بَارِز كَعْب , مُسْتَدِيرًا كَانَ أَوْ غَيْر مُسْتَدِير , وَمِنْهُ كَعْب الْقَدَم وَكُعُوب الْقَنَاة , وَكَعَبَ ثَدْي الْمَرْأَة إِذَا ظَهَرَ فِي صَدْرهَا , وَالْبَيْت سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا ذَات سَقْف وَجِدَار , وَهِيَ حَقِيقَة الْبَيْتِيَّة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا سَاكِن , وَسَمَّاهُ سُبْحَانه حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ ; قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مَكَّة حَرَّمَهَا اللَّه وَلَمْ يُحَرِّمهَا النَّاس ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَكْثَر هَذَا مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ .



أَيْ صَلَاحًا وَمَعَاشًا , لِأَمْنِ النَّاس بِهَا ; وَعَلَى هَذَا يَكُون " قِيَامًا " بِمَعْنَى يَقُومُونَ بِهَا . وَقِيلَ : " قِيَامًا " أَيْ يَقُومُونَ بِشَرَائِعِهَا . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَعَاصِم " قِيَمًا " وَهُمَا مِنْ ذَوَات الْوَاو فَقُلِبَتْ الْوَاو يَاء لِكَسْرَةِ مَا قَبْلهَا , وَقَدْ قِيلَ : " قِوَام " . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي جَعْل اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْأَشْيَاء قِيَامًا لِلنَّاسِ , أَنَّ اللَّه سُبْحَانه خَلَقَ الْخَلْق عَلَى سَلِيقَة الْآدَمِيَّة مِنْ التَّحَاسُد وَالتَّنَافُس وَالتَّقَاطُع وَالتَّدَابُر , وَالسَّلْب وَالْغَارَة وَالْقَتْل وَالثَّأْر , فَلَمْ يَكُنْ بُدّ فِي الْحِكْمَة الْإِلَهِيَّة , وَالْمَشِيئَة الْأَوَّلِيَّة مِنْ كَافّ يَدُوم مَعَهُ الْحَال وَوَازِع يُحْمَد مَعَهُ الْمَآل . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة " [ الْبَقَرَة : 30 ] فَأَمَرَهُمْ اللَّه سُبْحَانه بِالْخِلَافَةِ , وَجَعَلَ أُمُورهمْ إِلَى وَاحِد يَزَعهُمْ عَنْ التَّنَازُع , وَيَحْمِلهُمْ عَلَى التَّآلُف مِنْ التَّقَاطُع , وَيَرُدّ الظَّالِم عَنْ الْمَظْلُوم , وَيُقَرِّر كُلّ يَد عَلَى مَا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ . رَوَى اِبْن الْقَاسِم قَالَ حَدَّثَنَا مَالِك أَنَّ عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَقُول : مَا يَزَع الْإِمَامُ أَكْثَرُ مِمَّا يَزَع الْقُرْآنُ ; ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر رَحِمَهُ اللَّه . وَجَوْر السُّلْطَان عَامًا وَاحِدًا أَقَلّ إِذَايَة مِنْ كَوْن النَّاس فَوْضَى لَحْظَة وَاحِدَة ; فَأَنْشَأَ اللَّه سُبْحَانه الْخَلِيفَة لِهَذِهِ الْفَائِدَة , لِتَجْرِيَ عَلَى رَأْيه الْأُمُور , وَيَكُفّ اللَّه بِهِ عَادِيَة الْجُمْهُور ; فَعَظَّمَ اللَّه سُبْحَانه فِي قُلُوبهمْ الْبَيْت الْحَرَام , وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسهمْ هَيْبَته , وَعَظَّمَ بَيْنهمْ حُرْمَته , فَكَانَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَعْصُومًا بِهِ , وَكَانَ مَنْ اُضْطُهِدَ مَحْمِيًّا بِالْكَوْنِ فِيهِ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّف النَّاس مِنْ حَوْلهمْ " [ الْعَنْكَبُوت : 67 ] . قَالَ الْعُلَمَاء : فَلَمَّا كَانَ مَوْضِعًا مَخْصُوصًا لَا يُدْرِكهُ كُلّ مَظْلُوم , وَلَا يَنَالهُ كُلّ خَائِف جَعَلَ اللَّه الشَّهْر الْحَرَام مَلْجَأ آخَر " الشَّهْر الْحَرَام " وَهُوَ اِسْم جِنْس , وَالْمُرَاد الْأَشْهُر الثَّلَاثَة بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْعَرَب , فَقَرَّرَ اللَّه فِي قُلُوبهمْ حُرْمَتهَا , فَكَانُوا لَا يُرَوِّعُونَ فِيهَا سِرْبًا - أَيْ نَفْسًا - وَلَا يَطْلُبُونَ فِيهَا دَمًا وَلَا يَتَوَقَّعُونَ فِيهَا ثَأْرًا , حَتَّى كَانَ الرَّجُل يَلْقَى قَاتِل أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ فَلَا يُؤْذِيه . وَاقْتَطَعُوا فِيهَا ثُلُث الزَّمَان , وَوَصَلُوا مِنْهَا ثَلَاثَة مُتَوَالِيَة , فُسْحَة وَرَاحَة وَمَجَالًا لِلسِّيَاحَةِ فِي الْأَمْن وَالِاسْتِرَاحَة , وَجَعَلُوا مِنْهَا وَاحِدًا مُنْفَرِدًا فِي نِصْف الْعَام دَرْكًا لِلِاحْتِرَامِ , وَهُوَ شَهْر رَجَب الْأَصَمّ وَيُسَمَّى مُضَر , وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ : رَجَب الْأَصَمّ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُسْمَع فِيهِ صَوْت الْحَدِيد , وَيُسَمَّى مُنْصِل الْأَسِنَّة ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْزِعُونَ فِيهِ الْأَسِنَّة مِنْ الرِّمَاح , وَهُوَ شَهْر قُرَيْش , وَلَهُ يَقُول عَوْف بْن الْأَحْوَص : وَشَهْر بَنِي أُمَيَّة وَالْهَدَايَا إِذَا سِيقَتْ مُضَرِّجهَا الدِّمَاءُ وَسَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْر اللَّه ; أَيْ شَهْر آل اللَّه , وَكَانَ يُقَال لِأَهْل الْحَرَم : آل اللَّه , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد شَهْر اللَّه ; لِأَنَّ اللَّه مَتَّنَهُ وَشَدَّدَهُ إِذْ كَانَ كَثِير مِنْ الْعَرَب لَا يَرَاهُ , وَسَيَأْتِي فِي " بَرَاءَة " أَسْمَاء الشُّهُور إِنْ شَاءَ اللَّه . ثُمَّ يَسَّرَ لَهُمْ الْإِلْهَام , وَشَرَعَ عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل الْكِرَام الْهَدْي وَالْقَلَائِد , فَكَانُوا إِذَا أَخَذُوا بَعِيرًا أَشْعَرُوهُ دَمًا , أَوْ عَلَّقُوا عَلَيْهِ نَعْلًا , أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الرَّجُل بِنَفْسِهِ مِنْ التَّقْلِيد عَلَى - مَا تَقَدَّمَ بَيَانه أَوَّل السُّورَة - لَمْ يُرَوِّعهُ أَحَد حَيْثُ لَقِيَهُ , وَكَانَ الْفَيْصَل بَيْنه وَبَيْن مَنْ طَلَبَهُ أَوْ ظَلَمَهُ حَتَّى جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ وَبَيَّنَ الْحَقّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَام , فَانْتَظَمَ الدِّين فِي سِلْكه , وَعَادَ الْحَقّ إِلَى نِصَابه , فَأُسْنِدَتْ الْإِمَامَة إِلَيْهِ , وَانْبَنَى وُجُوبهَا عَلَى الْخَلْق عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله سُبْحَانه : " وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض " [ النُّور : 55 ] الْآيَة , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " أَحْكَام الْإِمَامَة فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا .



" ذَلِكَ " إِشَارَة إِلَى جَعْل اللَّه هَذِهِ الْأُمُور قِيَامًا ; وَالْمَعْنَى فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَم تَفَاصِيل أُمُور السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَيَعْلَم مَصَالِحكُمْ أَيّهَا النَّاس قَبْل وَبَعْد , فَانْظُرُوا لُطْفه بِالْعِبَادِ عَلَى حَال كُفْرهمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من أحكام سورة المائدة

    من أحكام سورة المائدة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «تفسير خمس الآيات الأول من سورة المائدة» بيّنت فيها - بتوفيق الله تعالى - الأحكامَ التي اشتملت عليها هذه الآيات الكريمات».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272703

    التحميل:

  • التعريف بسور القرآن الكريم

    التعريف بسور القرآن الكريم : ملف chm يحتوي على بيان سبب تسمية كل سورة، والتعريف بها، ومحور مواضيعها، وسبب نزولها، وفضلها. وننبه على أن هناك بعض الأحاديث في الكتاب ضعيفة، لذا يمكن البحث في موقع الدرر السنية للتأكد من صحة الأحاديث.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141505

    التحميل:

  • كشاف تحليلي لشروح ثلاثة الأصول وأدلتها

    في هذا الملف كشاف تحليلي لشروح ثلاثة الأصول وأدلتها تم إعداده من تحليل عبارات المتن، وشرح سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ محمد العثيمين، وحاشية ابن قاسم، وشرح معالي الشيخ صالح آل الشيخ، وشرح الشيخ: عبد الله الفوزان. • والغرض منه أن يفيد منه المعلم ويستفيد منه الطالب الحاذق حتى يتقن دراسة هذه المتون القيمة دراسة المستبصر الذي يرجى نفعه للأمة بالدعوة إلى الله وبيان التوحيد والذب عن حماه وكشف شبهات أهل الشرك والبدع. • تم تقسيم الكشاف إلى دروس، كل درس يحتوي على عناصر وأسئلة. • أما عن ثلاثة الأصول وأدلتها فهي رسالة مختصرة ونفيسة صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، وتحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها ، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/285587

    التحميل:

  • إرشادات وفتاوى وفوائد ومسائل يحتاج إليها الصائم

    إرشادات وفتاوى وفوائد ومسائل يحتاج إليها الصائم : قال المؤلف - رحمه الله -: « فقد طلب مني من تعينت إجابته إعداد رسالة تتضمن أحكام صيام المجاهدين والمرابطين وغيرهم من المسلمين الصائمين فاستعنت بالله وأجبته إلى ذلك. وأعددت هذه الرسالة المتضمنة إرشادات للصائم في أحكام الصيام وصلاة التراويح. وما يخص العشر الأواخر من التهجد والاعتكاف وليلة القدر، وأحكام زكاة الفطر. كما تضمنت جملة فتاوى من فتاوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصوم. كما اشتملت هذه الرسالة على حكم صيام المجاهدين والمسافرين للجهاد وغيره ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/231260

    التحميل:

  • الجرح والتعديل

    الجرح والتعديل: أحد الكتب المهمة في علم الرجال.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/141371

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة