Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 95

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95) (المائدة) mp3
هَذَا خِطَاب عَامّ لِكُلِّ مُسْلِم ذَكَر وَأُنْثَى , وَهَذَا النَّهْي هُوَ الِابْتِلَاء الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّه بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْد " الْآيَة , وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا الْيَسَر وَاسْمه عَمْرو بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ كَانَ مُحْرِمًا عَام الْحُدَيْبِيَة بِعُمْرَةٍ فَقَتَلَ حِمَار وَحْش فَنَزَلَتْ فِيهِ " لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم " .


الْقَتْل هُوَ كُلّ فِعْل يُفِيت الرُّوح , وَهُوَ أَنْوَاع : مِنْهَا النَّحْر وَالذَّبْح وَالْخَنْق وَالرَّضْخ وَشِبْهه ; فَحَرَّمَ اللَّه تَعَالَى عَلَى الْمُحْرِم فِي الصَّيْد كُلّ فِعْل يَكُون مُفِيتًا لِلرُّوحِ . الثَّالِثَة مَنْ قَتَلَ صَيْدًا أَوْ ذَبَحَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ جَزَاء وَاحِد لِقَتْلِهِ دُون أَكْله ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : عَلَيْهِ جَزَاء مَا أَكَلَ ; يَعْنِي قِيمَته , وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا : لَا شَيْء عَلَيْهِ سِوَى الِاسْتِغْفَار ; لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ الْمَيْتَة كَمَا لَوْ تَنَاوَلَ مَيْتَة أُخْرَى ; وَلِهَذَا لَوْ أَكَلَهَا مُحْرِم آخَر لَا يَلْزَمهُ إِلَّا الِاسْتِغْفَار , وَحُجَّة أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ تَنَاوَلَ مَحْظُور إِحْرَامه ; لِأَنَّ قَتْله كَانَ مِنْ مَحْظُورَات الْإِحْرَام , وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الْقَتْل هُوَ التَّنَاوُل , فَإِذَا كَانَ مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَقْصُود - مَحْظُور إِحْرَامه - مُوجِبًا عَلَيْهِ الْجَزَاء فَمَا هُوَ الْمَقْصُود كَانَ أَوْلَى . لَا يَجُوز عِنْدنَا ذَبْح الْمُحْرِم لِلصَّيْدِ , لِنَهْيِ اللَّه سُبْحَانه الْمُحْرِم عَنْ قَتْله ; وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : ذَبْح الْمُحْرِم لِلصَّيْدِ ذَكَاة ; وَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ ذَبْح صَدَرَ مِنْ أَهْله وَهُوَ الْمُسْلِم , مُضَاف إِلَى مَحَلّه وَهُوَ الْأَنْعَام ; فَأَفَادَ مَقْصُوده مِنْ حِلّ الْأَكْل ; أَصْله ذَبْح الْحَلَال . قُلْنَا : قَوْلكُمْ ذَبْح صَدَرَ مِنْ أَهْله فَالْمُحْرِم لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَبْحِ الصَّيْد ; إِذْ الْأَهْلِيَّة لَا تُسْتَفَاد عَقْلًا , وَإِنَّمَا يُفِيدهَا الشَّرْع ; وَذَلِكَ بِإِذْنِهِ فِي الذَّبْح , أَوْ بِنَفْيِهَا وَذَلِكَ بِنَهْيِهِ عَنْ الذَّبْح , وَالْمُحْرِم مَنْهِيّ عَنْ ذَبْح الصَّيْد ; لِقَوْلِهِ : " لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد " فَقَدْ اِنْتَفَتْ الْأَهْلِيَّة بِالنَّهْيِ , وَقَوْلكُمْ أَفَادَ مَقْصُوده فَقَدْ اِتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِم إِذَا ذَبَحَ الصَّيْد لَا يَحِلّ لَهُ أَكْله , وَإِنَّمَا يَأْكُل مِنْهُ غَيْره عِنْدكُمْ ; فَإِذَا كَانَ الذَّبْح لَا يُفِيد الْحِلّ لِلذَّابِحِ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَلَّا يُفِيدهُ لِغَيْرِهِ , لِأَنَّ الْفَرْع تَبَع لِلْأَصْلِ فِي أَحْكَامه ; فَلَا يَصِحّ أَنْ يَثْبُت لَهُ مَا لَا يَثْبُت لِأَصْلِهِ . " الصَّيْد " مَصْدَر عُومِلَ مُعَامَلَة الْأَسْمَاء , فَأُوقِعَ عَلَى الْحَيَوَان الْمَصِيد ; وَلَفْظ الصَّيْد هُنَا عَامّ فِي كُلّ صَيْد بَرِّيّ وَبَحْرِيّ حَتَّى جَاءَ قَوْله تَعَالَى : " وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْد الْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا " [ الْمَائِدَة : 96 ] فَأَبَاحَ صَيْد الْبَحْر إِبَاحَة مُطْلَقَة ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي الْآيَة بَعْد هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي خُرُوج السِّبَاع مِنْ صَيْد الْبَرّ وَتَخْصِيصهَا مِنْهُ ; فَقَالَ مَالِك : كُلّ شَيْء لَا يَعْدُو مِنْ السِّبَاع مِثْل الْهِرّ وَالثَّعْلَب وَالضَّبْع وَمَا أَشْبَهَهَا فَلَا يَقْتُلهُ الْمُحْرِم , وَإِنْ قَتَلَهُ فَدَاهُ . قَالَ : وَصِغَار الذِّئَاب لَا أَرَى أَنْ يَقْتُلهَا الْمُحْرِم , فَإِنْ قَتَلَهَا فَدَاهَا ; وَهِيَ مِثْل فِرَاخ الْغِرْبَان , وَلَا بَأْس بِقَتْلِ كُلّ مَا عَدَا عَلَى النَّاس فِي الْأَغْلَب ; مِثْل الْأَسَد وَالذِّئْب وَالنَّمِر وَالْفَهْد ; وَكَذَلِكَ لَا بَأْس عَلَيْهِ بِقَتْلِ الْحَيَّات وَالْعَقَارِب وَالْفَأْرَة وَالْغُرَاب وَالْحِدَأَة . قَالَ إِسْمَاعِيل : إِنَّمَا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( خَمْس فَوَاسِق يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم ) الْحَدِيث ; فَسَمَّاهُنَّ فُسَّاقًا ; وَوَصَفَهُنَّ بِأَفْعَالِهِنَّ ; لِأَنَّ الْفَاسِق فَاعِل لِلْفِسْقِ , وَالصِّغَار لَا فِعْل لَهُنَّ , وَوَصَفَ الْكَلْب بِالْعَقُورِ وَأَوْلَاده لَا تَعْقِر ; فَلَا تَدْخُل فِي هَذَا النَّعْت . قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل : الْكَلْب الْعَقُور مِمَّا يَعْظُم ضَرَره عَلَى النَّاس . قَالَ : وَمِنْ ذَلِكَ الْحَيَّة وَالْعَقْرَب ; لِأَنَّهُ يُخَاف مِنْهُمَا , وَكَذَلِكَ الْحِدَأَة وَالْغُرَاب ; لِأَنَّهُمَا يَخْطَفَانِ اللَّحْم مِنْ أَيْدِي النَّاس . قَالَ اِبْن بُكَيْر : إِنَّمَا أُذِنَ فِي قَتْل الْعَقْرَب لِأَنَّهَا ذَات حُمَة ; وَفِي الْفَأْرَة لِقَرْضِهَا السِّقَاء وَالْحِذَاء اللَّذَيْنِ بِهِمَا قِوَام الْمُسَافِر , وَفِي الْغُرَاب لِوُقُوعِهِ عَلَى الظَّهْر وَنَقْبه عَنْ لُحُومهَا ; وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : لَا يُقْتَل الْغُرَاب وَلَا الْحِدَأَة إِلَّا أَنْ يَضُرَّا . قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل : وَاخْتُلِفَ فِي الزُّنْبُور ; فَشَبَّهَهُ بَعْضهمْ بِالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَب , قَالَ : وَلَوْلَا أَنَّ الزُّنْبُور لَا يَبْتَدِئ لَكَانَ أَغْلَظ عَلَى النَّاس مِنْ الْحَيَّة وَالْعَقْرَب , وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي طَبْعه مِنْ الْعَدَاء مَا فِي الْحَيَّة وَالْعَقْرَب , وَإِنَّمَا يَحْمَى الزُّنْبُور إِذَا أُوذِيَ . قَالَ : فَإِذَا عَرَضَ الزُّنْبُور لِأَحَدٍ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسه لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْء فِي قَتْله ; وَثَبَتَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِبَاحَة قَتْل الزُّنْبُور , وَقَالَ مَالِك : يُطْعِم قَاتِله شَيْئًا ; وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك فِيمَنْ قَتَلَ الْبُرْغُوث وَالذُّبَاب وَالنَّمْل وَنَحْوه , وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي : لَا شَيْء عَلَى قَاتِل هَذِهِ كُلّهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَقْتُل الْمُحْرِم مِنْ السِّبَاع إِلَّا الْكَلْب الْعَقُور وَالذِّئْب خَاصَّة , سَوَاء اِبْتَدَآهُ 230 أَوْ اِبْتَدَأَهُمَا ; وَإِنْ قَتَلَ غَيْره مِنْ السِّبَاع فَدَاهُ . قَالَ : فَإِنْ اِبْتَدَأَهُ غَيْرهمَا مِنْ السِّبَاع فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ; قَالَ : وَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي قَتْل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَالْغُرَاب وَالْحِدَأَة , هَذِهِ جُمْلَة قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه إِلَّا زُفَر ; وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَالْحَسَن ; وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ دَوَابّ بِأَعْيَانِهَا وَأَرْخَصَ لِلْمُحْرِمِ فِي قَتْلهَا مِنْ أَجْل ضَرَرهَا ; فَلَا وَجْه أَنْ يُزَاد عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْء فَيَدْخُل فِي مَعْنَاهَا . قُلْت : الْعَجَب مِنْ أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه يَحْمِل التُّرَاب عَلَى الْبُرّ بِعِلَّةِ الْكَيْل , وَلَا يَحْمِل السِّبَاع الْعَادِيَة عَلَى الْكَلْب بِعِلَّةِ الْفِسْق وَالْعَقْر , كَمَا فَعَلَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ رَحِمَهُمَا اللَّه ! وَقَالَ زُفَر بْن الْهُذَيْل : لَا يُقْتَل إِلَّا الذِّئْب وَحْده , وَمَنْ قَتَلَ غَيْره وَهُوَ مُحْرِم فَعَلَيْهِ الْفِدْيَة , سَوَاء اِبْتَدَأَهُ أَوْ لَمْ يَبْتَدِئهُ ; لِأَنَّهُ عَجْمَاء فَكَانَ فِعْله هَدَرًا ; وَهَذَا رَدّ لِلْحَدِيثِ وَمُخَالَفَة لَهُ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : كُلّ مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه فَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلهُ ; وَصِغَار ذَلِكَ وَكِبَاره سَوَاء , إِلَّا السِّمْع وَهُوَ الْمُتَوَلِّد بَيْن الذِّئْب وَالضَّبْع , قَالَ : وَلَيْسَ فِي الرَّخَمَة وَالْخَنَافِس وَالْقِرْدَانِ وَالْحَلَم وَمَا لَا يُؤْكَل لَحْمه شَيْء ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الصَّيْد , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ صَيْد الْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا " [ الْمَائِدَة : 96 ] فَدَلَّ أَنَّ الصَّيْد الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ قَبْل الْإِحْرَام حَلَالًا ; حَكَى عَنْهُ هَذِهِ الْجُمْلَة الْمُزَنِيّ وَالرَّبِيع ; فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ تُفْدَى الْقَمْلَة وَهِيَ تُؤْذِي وَلَا تُؤْكَل ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ تُفْدَى إِلَّا عَلَى مَا يُفْدَى بِهِ الشَّعْر وَالظُّفْر وَلُبْس مَا لَيْسَ لَهُ لُبْسه ; لِأَنَّ فِي طَرْح الْقَمْلَة إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ نَفْسه إِذَا كَانَتْ فِي رَأْسه وَلِحْيَته , فَكَأَنَّهُ أَمَاطَ بَعْض شَعْره ; فَأَمَّا إِذَا ظَهَرَتْ فَقُتِلَتْ فَإِنَّهَا لَا تُؤْذِي , وَقَوْل أَبِي ثَوْر فِي هَذَا الْبَاب كَقَوْلِ الشَّافِعِيّ ; قَالَهُ أَبُو عُمَر .

رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( خَمْس مِنْ الدَّوَابّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِم فِي قَتْلهنَّ جُنَاح : الْغُرَاب وَالْحِدَأَة وَالْعَقْرَب وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور ) . اللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَفِي كِتَاب مُسْلِم عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( خَمْس فَوَاسِق يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم الْحَيَّة وَالْغُرَاب الْأَبْقَع وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور وَالْحُدَيَّا ) , وَبِهِ قَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم قَالُوا : لَا يُقْتَل مِنْ الْغِرْبَان إِلَّا الْأَبْقَع خَاصَّة ; لِأَنَّهُ تَقْيِيد مُطْلَق . وَفِي كِتَاب أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيَرْمِي الْغُرَاب وَلَا يَقْتُلهُ ) , وَبِهِ قَالَ مُجَاهِد , وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى الْقَوْل بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَعِنْد أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ : وَالسَّبُع الْعَادِي ; وَهَذَا تَنْبِيه عَلَى الْعِلَّة .



عَامّ فِي النَّوْعَيْنِ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء , الْأَحْرَار وَالْعَبِيد ; يُقَال : رَجُل حَرَام وَامْرَأَة حَرَام , وَجَمْع ذَلِكَ حُرُم ; كَقَوْلِهِمْ : قَذَال وَقُذُل . وَأَحْرَمَ الرَّجُل دَخَلَ فِي الْحَرَم ; كَمَا يُقَال : أَسْهَلَ دَخَلَ فِي السَّهْل , وَهَذَا اللَّفْظ يَتَنَاوَل الزَّمَان وَالْمَكَان وَحَالَة الْإِحْرَام بِالِاشْتِرَاكِ لَا بِالْعُمُومِ . يُقَال : رَجُل حَرَام إِذَا دَخَلَ فِي الْأَشْهُر الْحُرُم أَوْ فِي الْحَرَم , أَوْ تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ ; إِلَّا أَنَّ تَحْرِيم الزَّمَان خَرَجَ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ أَنْ يَكُون مُعْتَبَرًا , وَبَقِيَ تَحْرِيم الْمَكَان وَحَالَة الْإِحْرَام عَلَى أَصْل التَّكْلِيف ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . حَرَم الْمَكَان حَرَمَانِ , حَرَم الْمَدِينَة وَحَرَم مَكَّة وَزَادَ الشَّافِعِيّ الطَّائِف , فَلَا يَجُوز عِنْده قَطْع شَجَره , وَلَا صَيْد صَيْده , وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا جَزَاء عَلَيْهِ فَأَمَّا حَرَم الْمَدِينَة فَلَا يَجُوز فِيهِ الِاصْطِيَاد لِأَحَدٍ وَلَا قَطْع الشَّجَر كَحَرَمِ مَكَّة , فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَلَا جَزَاء عَلَيْهِ عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا , وَقَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب : عَلَيْهِ الْجَزَاء , وَقَالَ سَعْد : جَزَاؤُهُ أَخْذ سَلَبه , وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : صَيْد الْمَدِينَة غَيْر مُحَرَّم , وَكَذَلِكَ قَطْع شَجَرهَا , وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْض مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبه بِحَدِيثِ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَصِيد فِي حُدُود الْمَدِينَة أَوْ يَقْطَع شَجَرهَا فَخُذُوا سَلَبه ) , وَأَخَذَ سَعْد سَلَب مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ اِتَّفَقَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذ سَلَب مَنْ صَادَ فِي الْمَدِينَة , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخ , وَاحْتَجَّ لَهُمْ الطَّحَاوِيّ أَيْضًا بِحَدِيثِ أَنَس - مَا فَعَلَ النُّغَيْر ; فَلَمْ يُنْكِر صَيْده وَإِمْسَاكه - وَهَذَا كُلّه لَا حُجَّة فِيهِ . أَمَّا الْحَدِيث الْأَوَّل فَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ , وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِي نَسْخ أَخْذ السَّلَب مَا يُسْقِط مَا صَحَّ مِنْ تَحْرِيم الْمَدِينَة , فَكَمْ مِنْ مُحْرِم لَيْسَ عَلَيْهِ عُقُوبَة فِي الدُّنْيَا , وَأَمَّا الْحَدِيث الثَّانِي فَيَجُوز أَنْ يَكُون صَيْد فِي غَيْر الْحَرَم , وَكَذَلِكَ حَدِيث عَائِشَة ; أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْش فَإِذَا خَرَجَ لَعِبَ وَاشْتَدَّ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ , فَإِذَا أَحَسَّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَضَ , فَلَمْ يَتَرَمْرَم كَرَاهِيَة أَنْ يُؤْذِيَهُ , وَدَلِيلنَا عَلَيْهِمْ مَا رَوَاهُ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : لَوْ رَأَيْت الظِّبَاء تَرْتَع بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتهَا , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَيْن لَابَتَيْهَا حَرَام ) فَقَوْل أَبِي هُرَيْرَة مَا ذَعَرْتهَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَرْوِيع الصَّيْد فِي حَرَم الْمَدِينَة , كَمَا لَا يَجُوز تَرْوِيعه فِي حَرَم مَكَّة , وَكَذَلِكَ نَزْع زَيْد بْن ثَابِت النُّهَس - وَهُوَ طَائِر - مِنْ يَد شُرَحْبِيل بْن سَعْد كَانَ صَادَهُ بِالْمَدِينَةِ ; دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّحَابَة فَهِمُوا مُرَاد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْرِيم صَيْد الْمَدِينَة , فَلَمْ يُجِيزُوا فِيهَا الِاصْطِيَاد وَلَا تَمَلُّك مَا يُصْطَاد . وَمُتَعَلَّق اِبْن أَبِي ذِئْب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيح : ( اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة وَإِنِّي أُحَرِّم الْمَدِينَة مِثْل مَا حَرَّمَ بِهِ مَكَّة وَمِثْله مَعَهُ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَد شَجَرهَا وَلَا يُنَفَّر صَيْدهَا ) وَلِأَنَّهُ حَرَّمَ مَنْع الِاصْطِيَاد فِيهِ فَتَعَلَّقَ الْجَزَاء بِهِ كَحَرَمِ مَكَّة . قَالَ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب : وَهَذَا قَوْل أَقْيَس عِنْدِي عَلَى أُصُولنَا , لَا سِيَّمَا أَنَّ الْمَدِينَة عِنْد أَصْحَابنَا أَفْضَل مِنْ مَكَّة , وَأَنَّ الصَّلَاة فِيهَا أَفْضَل مِنْ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام , وَمِنْ حُجَّة مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَلَّا يُحْكَم عَلَيْهِ بِجَزَاءٍ وَلَا أَخْذ سَلَب - فِي الْمَشْهُور مِنْ قَوْل الشَّافِعِيّ - عُمُوم قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيح : ( الْمَدِينَة حَرَم مَا بَيْن عَيْر إِلَى ثَوْر فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَل اللَّه مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ) فَأَرْسَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَعِيد الشَّدِيد وَلَمْ يَذْكُر كَفَّارَة . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ سَعْد فَذَلِكَ مَذْهَب لَهُ مَخْصُوص بِهِ ; لِمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ رَكِبَ إِلَى قَصْره بِالْعَقِيقِ , فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَع شَجَرًا - أَوْ يَخْبِطهُ - فَسَلَبَهُ , فَلَمَّا رَجَعَ سَعْد جَاءَهُ أَهْل الْعَبْد فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدّ عَلَى غُلَامهمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامهمْ ; فَقَالَ : مَعَاذ اللَّه أَنْ أَرُدّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَبَى أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ ; فَقَوْله : ( نَفَّلَنِيهِ ) ظَاهِره الْخُصُوص , وَاللَّه أَعْلَمُ .



ذَكَرَ اللَّه سُبْحَانه الْمُتَعَمِّد وَلَمْ يَذْكُر الْمُخْطِئ وَالنَّاسِي ; وَالْمُتَعَمِّد هُنَا هُوَ الْقَاصِد لِلشَّيْءِ مَعَ الْعِلْم بِالْإِحْرَامِ , وَالْمُخْطِئ هُوَ الَّذِي يَقْصِد شَيْئًا فَيُصِيب صَيْدًا , وَالنَّاسِي هُوَ الَّذِي يَتَعَمَّد الصَّيْد وَلَا يَذْكُر إِحْرَامه , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ عَلَى خَمْسَة أَقْوَال : الْأَوَّل : مَا أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : إِنَّمَا التَّكْفِير فِي الْعَمْد , وَإِنَّمَا غَلَّظُوا فِي الْخَطَأ لِئَلَّا يَعُودُوا . الثَّانِي : أَنَّ قَوْله : " مُتَعَمِّدًا " خَرَجَ عَلَى الْغَالِب , فَأُلْحِقَ بِهِ النَّادِر كَأُصُولِ الشَّرِيعَة . الثَّالِث : أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَى الْمُخْطِئ وَالنَّاسِي ; وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَبِهِ قَالَ طَاوُس وَأَبُو ثَوْر , وَهُوَ قَوْل دَاوُد , وَتَعَلَّقَ أَحْمَد بِأَنْ قَالَ : لَمَّا خَصَّ اللَّه سُبْحَانه الْمُتَعَمِّد بِالذِّكْرِ , دَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْره بِخِلَافِهِ , وَزَادَ بِأَنْ قَالَ : الْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فَمَنْ اِدَّعَى شَغْلهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيل . الرَّابِع : أَنَّهُ يُحْكَم عَلَيْهِ فِي الْعَمْد وَالْخَطَأ وَالنِّسْيَان ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَطَاوُس وَالْحَسَن وَإِبْرَاهِيم وَالزُّهْرِيّ , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ . قَالَ الزُّهْرِيّ : وَجَبَ الْجَزَاء فِي الْعَمْد بِالْقُرْآنِ , وَفِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان بِالسُّنَّةِ ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ كَانَ يُرِيد بِالسُّنَّةِ الْآثَار الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعُمَر فَنِعِمَّا هِيَ , وَمَا أَحْسَنهَا أُسْوَة . الْخَامِس : أَنْ يَقْتُلهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ - وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد - لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْد ذَلِكَ : " وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " . قَالَ : وَلَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَة لِأَوَّلِ مَرَّة , قَالَ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ; قَالَ مُجَاهِد : فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَقَدْ حَلَّ وَلَا حَجّ لَهُ لِارْتِكَابِهِ مَحْظُور إِحْرَامه , فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاة , أَوْ أَحْدَثَ فِيهَا ; قَالَ : وَمَنْ أَخْطَأَ فَذَلِكَ الَّذِي يُجْزِئهُ , وَدَلِيلنَا عَلَى مُجَاهِد أَنَّ اللَّه سُبْحَانه أَوْجَبَ الْجَزَاء وَلَمْ يَذْكُر الْفَسَاد , وَلَا فَرْق بَيْن أَنْ يَكُون ذَاكِرًا لِلْإِحْرَامِ أَوْ نَاسِيًا لَهُ , وَلَا يَصِحّ اِعْتِبَار الْحَجّ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ ; وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حُكْم عَلَيْهِ فِي قَتْله مُتَعَمِّدًا , وَيَسْتَغْفِر اللَّه , وَحَجّه تَامّ ; وَبِهِ قَالَ اِبْن زَيْد , وَدَلِيلنَا عَلَى دَاوُد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الضَّبْع فَقَالَ : ( هِيَ صَيْد ) وَجَعَلَ فِيهَا إِذَا أَصَابَهَا الْمُحْرِم كَبْشًا , وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا خَطَأ . وَقَالَ اِبْن بُكَيْر مِنْ عُلَمَائِنَا : قَوْله سُبْحَانه : " مُتَعَمِّدًا " لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّجَاوُز عَنْ الْخَطَأ , وَإِنَّمَا أَرَادَ " مُتَعَمِّدًا " لِيُبَيِّن أَنَّهُ لَيْسَ كَابْنِ آدَم الَّذِي لَمْ يَجْعَل فِي قَتْله مُتَعَمِّدًا كَفَّارَة , وَأَنَّ الصَّيْد فِيهِ كَفَّارَة , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ إِسْقَاط الْجَزَاء فِي قَتْل الْخَطَأ , وَاللَّه أَعْلَمُ . فَإِنْ قَتَلَهُ فِي إِحْرَامه مَرَّة بَعْد مَرَّة حُكِمَ عَلَيْهِ كُلَّمَا قَتَلَهُ فِي قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمْ ; لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " فَالنَّهْي دَائِم مُسْتَمِرّ عَلَيْهِ مَا دَامَ مُحْرِمًا فَمَتَى قَتَلَهُ فَالْجَزَاء لِأَجْلِ ذَلِكَ لَازِم لَهُ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَا يَحْكُم عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْإِسْلَام , وَلَا يَحْكُم عَلَيْهِ إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة , فَإِنْ عَادَ ثَانِيَة فَلَا يَحْكُم عَلَيْهِ , وَيُقَال لَهُ : يَنْتَقِم اللَّه مِنْك ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم وَمُجَاهِد وَشُرَيْح , وَدَلِيلنَا عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَمَادِي التَّحْرِيم فِي الْإِحْرَام , وَتَوَجُّه الْخِطَاب عَلَيْهِ فِي دِين الْإِسْلَام .


فِيهِ سِتّ مَسَائِل : الْأُولَى : فِيهِ أَرْبَعَة قِرَاءَات ; " فَجَزَاءٌ مِثْلُ " بِرَفْعِ جَزَاء وَتَنْوِينه , و " مِثْل " عَلَى الصِّفَة , وَالْخَبَر مُضْمَر , التَّقْدِير فَعَلَيْهِ جَزَاء مُمَاثِل وَاجِب أَوْ لَازِم مِنْ النَّعَم , وَهَذِهِ الْقِرَاءَة تَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْمِثْل هُوَ الْجَزَاء بِعَيْنِهِ . و " جَزَاءُ " بِالرَّفْعِ غَيْر مُنَوَّن و " مِثْلِ " بِالْإِضَافَةِ أَيْ فَعَلَيْهِ جَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ , و " مِثْل " مُقْحَمَة كَقَوْلِك أَنَا أُكْرِم مِثْلك , وَأَنْتَ تَقْصِد أَنَا أُكْرِمك , وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى : " أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس كَمَنْ مَثَله فِي الظُّلُمَات " [ الْأَنْعَام : 122 ] التَّقْدِير كَمَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَات ; وَقَوْله : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " [ الشُّورَى : 11 ] أَيْ لَيْسَ كَهُوَ شَيْء , وَهَذِهِ الْقِرَاءَة تَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْجَزَاء غَيْر الْمِثْل ; إِذْ الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفْسه , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : إِنَّمَا يَجِب عَلَيْهِ جَزَاء الْمَقْتُول , لَا جَزَاء مِثْل الْمَقْتُول , وَالْإِضَافَة تُوجِب جَزَاء الْمِثْل لَا جَزَاء الْمَقْتُول . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ عَلَى مَا يَأْتِي , وَقَوْله : " مِنْ النَّعَم " صِفَة لِجَزَاءٍ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا , وَقَرَأَ الْحَسَن " مِنْ النَّعْم " بِإِسْكَانِ الْعَيْن وَهِيَ لُغَة , وَقَرَأَ عَبْد الرَّحْمَن " فَجَزَاءٌ " بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين " مِثْلَ " بِالنَّصْب ; قَالَ أَبُو الْفَتْح : " مِثْل " مَنْصُوبَة بِنَفْسِ الْجَزَاء ; وَالْمَعْنَى أَنْ يُجْزَى مِثْل مَا قَتَلَ , وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَالْأَعْمَش " فَجَزَاؤُهُ مِثْل " بِإِظْهَارِ ( هَاء ) ; وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود عَلَى الصَّيْد أَوْ عَلَى الصَّائِد الْقَاتِل .

الثَّانِيَة : الْجَزَاء إِنَّمَا يَجِب بِقَتْلِ الصَّيْد لَا بِنَفْسِ أَخْذه كَمَا قَالَ تَعَالَى , وَفِي ( الْمُدَوَّنَة ) : مَنْ اِصْطَادَ طَائِرًا فَنَتَفَ رِيشه ثُمَّ حَبَسَهُ حَتَّى نَسَلَ رِيشه فَطَارَ , قَالَ : لَا جَزَاء عَلَيْهِ . قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ يَد صَيْد أَوْ رِجْله أَوْ شَيْئًا مِنْ أَعْضَائِهِ وَسَلِمَتْ نَفْسه وَصَحَّ وَلَحِقَ بِالصَّيْدِ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَقِيلَ : عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاء بِقَدْرِ مَا نَقَصَهُ . وَلَوْ ذَهَبَ وَلَمْ يَدْرِ مَا فَعَلَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ , وَلَوْ زَمِنَ الصَّيْد وَلَمْ يَلْحَق الصَّيْد , أَوْ تَرَكَهُ مَخُوفًا عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كَامِلًا . الثَّالِثَة : مَا يُجْزَى مِنْ الصَّيْد شَيْئَانِ : دَوَابّ وَطَيْر ; فَيُجْزَى مَا كَانَ مِنْ الدَّوَابّ بِنَظِيرِهِ فِي الْخِلْقَة وَالصُّورَة , فَفِي النَّعَامَة بَدَنَة , وَفِي حِمَار الْوَحْش وَبَقَرَة الْوَحْش بَقَرَة , وَفِي الظَّبْي شَاة ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَأَقَلّ مَا يَجْزِي عِنْد مَالِك مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي وَكَانَ أُضْحِيَّة ; وَذَلِكَ كَالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْن وَالثَّنِيّ مِمَّا سِوَاهُ , وَمَا لَمْ يَبْلُغ جَزَاؤُهُ ذَلِكَ فَفِيهِ إِطْعَام أَوْ صِيَام , وَفِي الْحَمَام كُلّه قِيمَته إِلَّا حَمَام مَكَّة ; فَإِنَّ فِي الْحَمَامَة مِنْهُ شَاة اِتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ فِي ذَلِكَ , وَالدُّبْسِيّ وَالْفَوَاخِت وَالْقُمْرِيّ وَذَوَات الْأَطْوَاق كُلّه حَمَام , وَحَكَى اِبْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك أَنَّ فِي حَمَام مَكَّة وَفِرَاخهَا شَاة ; قَالَ : وَكَذَلِكَ حَمَام الْحَرَم ; قَالَ : وَفِي حَمَام الْحِلّ حُكُومَة , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنَّمَا يُعْتَبَر الْمِثْل فِي الْقِيمَة دُون الْخِلْقَة , فَيُقَوَّم الصَّيْد دَرَاهِم فِي الْمَكَان الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ , أَوْ فِي أَقْرَب مَوْضِع إِلَيْهِ إِنْ كَانَ لَا يُبَاع الصَّيْد فِي مَوْضِع قَتْله ; فَيَشْتَرِي بِتِلْكَ الْقِيمَة هَدْيًا إِنْ شَاءَ , أَوْ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا وَيُطْعِم الْمَسَاكِين كُلّ مِسْكِين نِصْف صَاع مِنْ بُرّ , أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِير , أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْر , وَأَمَّا الشَّافِعِيّ فَإِنَّهُ يَرَى الْمِثْل مِنْ النَّعَم ثُمَّ يُقَوَّم الْمِثْل كَمَا فِي الْمُتْلَفَات يُقَوَّم الْمِثْل , وَتُؤْخَذ قِيمَة الْمِثْل كَقِيمَةِ الشَّيْء ; فَإِنَّ الْمِثْل هُوَ الْأَصْل فِي الْوُجُوب ; وَهَذَا بَيِّن وَعَلَيْهِ تُخَرَّج قِرَاءَة الْإِضَافَة " فَجَزَاء مِثْل " . اِحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَة فَقَالَ : لَوْ كَانَ الشَّبَه مِنْ طَرِيق الْخِلْقَة مُعْتَبَرًا , فِي النَّعَامَة بَدَنَة , وَفِي الْحِمَار بَقَرَة , وَفِي الظَّبْي شَاة , لَمَا أَوْقَفَهُ عَلَى عَدْلَيْنِ يَحْكُمَانِ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ فَلَا يَحْتَاج إِلَى الِارْتِيَاء وَالنَّظَر ; وَإِنَّمَا يَفْتَقِر إِلَى الْعُدُول وَالنَّظَر مَا تُشْكِل الْحَال فِيهِ , وَيَضْطَرِب وَجْه النَّظَر عَلَيْهِ . وَدَلِيلنَا عَلَيْهِ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " الْآيَة . فَالْمِثْل يَقْتَضِي بِظَاهِرَةِ الْمِثْل الْخِلْقِيّ الصُّورِيّ دُون الْمَعْنَى , ثُمَّ قَالَ : " مِنْ النَّعَم " فَبَيَّنَ جِنْس الْمِثْل ; ثُمَّ قَالَ : " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ " وَهَذَا ضَمِير رَاجِع إِلَى مِثْل مِنْ النَّعَم ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْر لِسِوَاهُ يَرْجِع الضَّمِير عَلَيْهِ ; ثُمَّ قَالَ : " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " وَاَلَّذِي يُتَصَوَّر فِيهِ الْهَدْي مِثْل الْمَقْتُول مِنْ النَّعَم , فَأَمَّا الْقِيمَة فَلَا يُتَصَوَّر أَنْ تَكُون هَدْيًا , وَلَا جَرَى لَهَا ذِكْر فِي نَفْس الْآيَة ; فَصَحَّ مَا ذَكَرْنَاهُ , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَقَوْلهمْ : لَوْ كَانَ الشَّبَه مُعْتَبَرًا لَمَا أَوْقَفَهُ عَلَى عَدْلَيْنِ ; فَالْجَوَاب أَنَّ اِعْتِبَار الْعَدْلَيْنِ إِنَّمَا وَجَبَ لِلنَّظَرِ فِي حَال الصَّيْد مِنْ صِغَر وَكِبَر , وَمَا لَا جِنْس لَهُ مِمَّا لَهُ جِنْس , وَإِلْحَاق مَا لَمْ يَقَع عَلَيْهِ نَصّ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصّ . الرَّابِعَة : مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّة فَأَغْلَقَ بَاب بَيْته عَلَى فِرَاخ حَمَام فَمَاتَتْ فَعَلَيْهِ فِي كُلّ فَرْخ شَاة . قَالَ مَالِك : وَفِي صِغَار الصَّيْد مِثْل مَا فِي كِبَاره ; وَهُوَ قَوْل عَطَاء , وَلَا يُفْدَى عِنْد مَالِك شَيْء بِعَنَاقٍ وَلَا جَفْرَة ; قَالَ مَالِك : وَذَلِكَ مِثْل الدِّيَة ; الصَّغِير وَالْكَبِير فِيهَا سَوَاء , وَفِي الضَّبّ عِنْده وَالْيَرْبُوع قِيمَتهمَا طَعَامًا , وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة مَنْ يُخَالِفهُ فِي صِغَار الصَّيْد , وَفِي اِعْتِبَار الْجَذَع وَالثَّنِيّ , وَيَقُول بِقَوْلِ عُمَر : فِي الْأَرْنَب عَنَاق وَفِي الْيَرْبُوع جَفْرَة ; رَوَاهُ مَالِك مَوْقُوفًا , وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( فِي الضَّبْع إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِم كَبْش وَفِي الظَّبْي شَاة وَفِي الْأَرْنَب عَنَاق وَفِي الْيَرْبُوع جَفْرَة ) قَالَ : وَالْجَفْرَة الَّتِي قَدْ ارْتَعَتْ , وَفِي طَرِيق آخَر قُلْت لِأَبِي الزُّبَيْر : وَمَا الْجَفْرَة ؟ قَالَ : الَّتِي قَدْ فُطِمَتْ وَرَعَتْ . خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِي النَّعَامَة بَدَنَة , وَفِي فَرْخهَا فَصِيل , وَفِي حِمَار الْوَحْش بَقَرَة , وَفِي سَخْلَة عِجْل ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى حَكَمَ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْخِلْقَة , وَالصِّغَر وَالْكِبَر مُتَفَاوِتَانِ فَيَجِب اِعْتِبَار الصَّغِير فِيهِ وَالْكَبِير كَسَائِرِ الْمُتْلَفَات . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا صَحِيح وَهُوَ اِخْتِيَار عُلَمَائِنَا ; قَالُوا : وَلَوْ كَانَ الصَّيْد أَعْوَر أَوْ أَعْرَج أَوْ كَسِيرًا لَكَانَ الْمِثْل عَلَى صِفَته لِتَتَحَقَّق الْمِثْلِيَّة , فَلَا يَلْزَم الْمُتْلِف فَوْق مَا أَتْلَفَ , وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى : " فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " وَلَمْ يُفْصَل بَيْن صَغِير وَكَبِير , وَقَوْله : " هَدْيًا " يَقْتَضِي مَا يَتَنَاوَلهُ اِسْم الْهَدْي لِحَقِّ الْإِطْلَاق , وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْهَدْي التَّامّ , وَاللَّه أَعْلَمُ .

الْخَامِسَة : فِي بَيْض النَّعَامَة عُشْر ثَمَن الْبَدَنَة عِنْد مَالِك , وَفِي بَيْض الْحَمَامَة الْمَكِّيَّة عِنْده عُشْر ثَمَن الشَّاة . قَالَ اِبْن الْقَاسِم : وَسَوَاء كَانَ فِيهَا فَرْخ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَا لَمْ يَسْتَهِلّ الْفَرْخ بَعْد الْكَسْر ; فَإِنْ اِسْتَهَلَّ فَعَلَيْهِ الْجَزَاء كَامِلًا كَجَزَاءِ الْكَبِير مِنْ ذَلِكَ الطَّيْر . قَالَ اِبْن الْمَوَّاز : بِحُكُومَةِ عَدْلَيْنِ , وَأَكْثَر الْعُلَمَاء يَرَوْنَ فِي بَيْض كُلّ طَائِر الْقِيمَة . رَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي بَيْض نَعَام أَصَابَهُ مُحْرِم بِقَدْرِ ثَمَنه ; خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي كُلّ بَيْضَة نَعَام صِيَام يَوْم أَوْ إِطْعَام مِسْكِين ) . السَّادِسَة : وَأَمَّا مَا لَا مِثْل لَهُ كَالْعَصَافِيرِ وَالْفِيَلَة فَقِيمَة لَحْمه أَوْ عَدْله مِنْ الطَّعَام , دُون مَا يُرَاد لَهُ مِنْ الْأَغْرَاض ; لِأَنَّ الْمُرَاعَى فِيمَا لَهُ مِثْل وُجُوب مِثْله , فَإِنْ عُدِمَ الْمِثْل فَالْقِيمَة قَائِمَة مَقَامه كَالْغَصْبِ وَغَيْره , وَلِأَنَّ النَّاس قَائِلَانِ - أَيْ عَلَى مَذْهَبَيْنِ - مُعْتَبِر لِلْقِيمَةِ فِي جَمِيع الصَّيْد ; وَمُقْتَصِر بِهَا عَلَى مَا لَا مِثْل لَهُ مِنْ النَّعَم ; فَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْإِجْمَاع عَلَى اِعْتِبَار الْقِيمَة فِيمَا لَا مِثْل لَهُ , وَأَمَّا الْفِيل فَقِيلَ : فِيهِ بَدَنَة مِنْ الْهِجَان الْعِظَام الَّتِي لَهَا سَنَامَانِ ; وَهِيَ بِيض خُرَاسَانِيَّة , فَإِذَا لَمْ يُوجَد شَيْء مِنْ هَذِهِ الْإِبِل فَيُنْظَر إِلَى قِيمَته طَعَامًا , فَيَكُون عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَالْعَمَل فِيهِ أَنْ يُجْعَل الْفِيل فِي مَرْكَب , وَيُنْظَر إِلَى مُنْتَهَى مَا يَنْزِل الْمَرْكَب فِي الْمَاء , ثُمَّ يُخْرَج الْفِيل وَيُجْعَل فِي الْمَرْكَب طَعَام حَتَّى يَنْزِل إِلَى الْحَدّ الَّذِي نَزَلَ وَالْفِيل فِيهِ , وَهَذَا عَدْله مِنْ الطَّعَام , وَأَمَّا أَنْ يُنْظَر إِلَى قِيمَته فَهُوَ يَكُون لَهُ ثَمَن عَظِيم لِأَجْلِ عِظَامه وَأَنْيَابه فَيَكْثُر الطَّعَام وَذَلِكَ ضَرَر .

فِيهِ سَبْع مَسَائِل : الْأُولَى : رَوَى مَالِك عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن قُرَيْب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ : إِنِّي أَجْرَيْت أَنَا وَصَاحِب لِي فَرَسَيْنِ نَسْتَبِق إِلَى ثَغْرَة ثَنِيَّة , فَأَصَبْنَا ظَبْيًا وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فَمَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ عُمَر لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبه : تَعَالَ حَتَّى أَحْكُم أَنَا وَأَنْتَ ; فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ ; فَوَلَّى الرَّجُل وَهُوَ يَقُول : هَذَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَحْكُم فِي ظَبْي حَتَّى دَعَا رَجُلًا يَحْكُم مَعَهُ , فَسَمِعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَوْل الرَّجُل فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ , هَلْ تَقْرَأ سُورَة " الْمَائِدَة " ؟ فَقَالَ : لَا ; قَالَ : هَلْ تَعْرِف الرَّجُل الَّذِي حَكَمَ مَعِي ؟ فَقَالَ : لَا , فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَوْ أَخْبَرْتنِي أَنَّك تَقْرَأ سُورَة " الْمَائِدَة " لَأَوْجَعْتُك ضَرْبًا , ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه يَقُول فِي كِتَابه : " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " وَهَذَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف . الثَّانِيَة : إِذَا اِتَّفَقَ الْحَكَمَانِ لَزِمَ الْحُكْم ; وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَالشَّافِعِيّ , وَإِنْ اِخْتَلَفَا نُظِرَ فِي غَيْرهمَا , وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْمَوَّاز : لَا يَأْخُذ بِأَرْفَع مِنْ قَوْلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُ عَمَل بِغَيْرِ تَحْكِيم , وَكَذَلِكَ لَا يَنْتَقِل عَنْ الْمِثْل الْخِلْقِيّ إِذَا حَكَمَا بِهِ إِلَى الطَّعَام ; لِأَنَّهُ أَمْر قَدْ لَزِمَ ; قَالَهُ اِبْن شَعْبَان , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : إِنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِالْجَزَاءِ مِنْ الْمِثْل فَفَعَلَا , فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِل إِلَى الطَّعَام جَازَ , وَقَالَ اِبْن وَهْب رَحِمَهُ اللَّه فِي ( الْعُتْبِيَّة ) : مِنْ السُّنَّة أَنْ يُخَيِّر الْحَكَمَانِ مَنْ أَصَابَ الصَّيْد , كَمَا خَيَّرَهُ اللَّه فِي أَنْ يُخْرِج " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا " فَإِنْ اِخْتَارَ الْهَدْي حَكَمَا عَلَيْهِ بِمَا يَرَيَانِهِ نَظِيرًا لِمَا أَصَابَ مَا بَيْنهمَا وَبَيْن أَنْ يَكُون عَدْل ذَلِكَ شَاة لِأَنَّهَا أَدْنَى الْهَدْي ; وَمَا لَمْ يَبْلُغ شَاة حَكَمَا فِيهِ بِالطَّعَامِ ثُمَّ خُيِّرَ فِي أَنْ يُطْعِمَهُ , أَوْ يَصُوم مَكَان كُلّ مُدّ يَوْمًا ; وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك فِي ( الْمُدَوَّنَة ) .

الثَّالِثَة : وَيُسْتَأْنَف الْحُكْم فِي كُلّ مَا مَضَتْ فِيهِ حُكُومَة أَوْ لَمْ تَمْضِ , وَلَوْ اِجْتَزَأَ بِحُكُومَةِ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِيمَا حَكَمُوا بِهِ مِنْ جَزَاء الصَّيْد كَانَ حَسَنًا , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ مَا عَدَا حَمَام مَكَّة وَحِمَار الْوَحْش وَالظَّبْي وَالنَّعَامَة لَا بُدّ فِيهِ مِنْ الْحُكُومَة , وَيُجْتَزَأ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَة بِحُكُومَةِ مَنْ مَضَى مِنْ السَّلَف رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . الرَّابِعَة : لَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْجَانِي أَحَد الْحَكَمَيْنِ , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ : يَكُون الْجَانِي أَحَد الْحَكَمَيْنِ ; وَهَذَا تَسَامُح مِنْهُ ; فَإِنَّ ظَاهِر الْآيَة يَقْتَضِي جَانِيًا وَحَكَمَيْنِ فَحَذْف بَعْض الْعَدَد إِسْقَاط لِلظَّاهِرِ , وَإِفْسَاد لِلْمَعْنَى ; لِأَنَّ حُكْم الْمَرْء لِنَفْسِهِ لَا يَجُوز , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَاسْتَغْنَى بِنَفْسِهِ عَنْ غَيْره ; لِأَنَّهُ حُكْم بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فَزِيَادَة ثَانٍ إِلَيْهِ دَلِيل عَلَى اِسْتِئْنَاف الْحُكْم بِرَجُلَيْنِ . الْخَامِسَة : إِذَا اِشْتَرَكَ جَمَاعَة مُحْرِمُونَ فِي قَتْل صَيْد فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : عَلَى كُلّ وَاحِد جَزَاء كَامِل . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : عَلَيْهِمْ كُلّهمْ كَفَّارَة وَاحِدَة لِقَضَاءِ عُمَر وَعَبْد الرَّحْمَن , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ مَوَالِيَ لِابْنِ الزُّبَيْر أَحْرَمُوا إِذْ مَرَّتْ بِهِمْ ضَبْع فَحَذَفُوهَا بِعِصِيِّهِمْ فَأَصَابُوهَا , فَوَقَعَ فِي أَنْفُسهمْ , فَأَتَوْا اِبْن عُمَر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ : عَلَيْكُمْ كُلّكُمْ كَبْش ; قَالُوا : أَوْ عَلَى كُلّ وَاحِد مِنَّا كَبْش ; قَالَ : إِنَّكُمْ لَمُعَزَّز بِكُمْ , عَلَيْكُمْ كُلّكُمْ كَبْش . قَالَ اللُّغَوِيُّونَ : لَمُعَزَّز بِكُمْ أَيْ لَمُشَدَّد عَلَيْكُمْ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْم أَصَابُوا ضَبْعًا قَالَ : عَلَيْهِمْ كَبْش يَتَخَارَجُونَهُ بَيْنهمْ , وَدَلِيلنَا قَوْل اللَّه سُبْحَانه : " وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " وَهَذَا خِطَاب لِكُلِّ قَاتِل , وَكُلّ وَاحِد مِنْ الْقَاتِلِينَ لِلصَّيْدِ قَاتِل نَفْسًا عَلَى التَّمَام وَالْكَمَال , بِدَلِيلِ قَتْل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ , وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاص , وَقَدْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ إِجْمَاعًا مِنَّا وَمِنْهُمْ ; فَثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ . السَّادِسَة : قَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا قَتَلَ جَمَاعَة صَيْدًا فِي الْحَرَم وَكُلّهمْ مُحِلُّونَ , عَلَيْهِمْ جَزَاء وَاحِد , بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُونَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِف , وَقَالَ مَالِك : عَلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ جَزَاء كَامِل , بِنَاء عَلَى أَنَّ الرَّجُل يَكُون مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ الْحَرَم , كَمَا يَكُون مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ بِالْإِحْرَامِ , وَكُلّ وَاحِد مِنْ الْفِعْلَيْنِ قَدْ أَكْسَبَهُ صِفَة تَعَلَّقَ بِهَا نَهْي , فَهُوَ هَاتِك لَهَا فِي الْحَالَتَيْنِ . السَّابِعَة : وَحُجَّة أَبِي حَنِيفَة مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْد الدَّبُوسِيّ قَالَ : السِّرّ فِيهِ أَنَّ الْجِنَايَة فِي الْإِحْرَام عَلَى الْعِبَادَة , وَقَدْ اِرْتَكَبَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مَحْظُور إِحْرَامه , وَإِذَا قَتَلَ الْمُحِلُّونَ صَيْدًا فِي الْحَرَم فَإِنَّمَا أَتْلَفُوا دَابَّة مُحَرَّمَة بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَمَاعَة دَابَّة ; فَإِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ قَاتِل دَابَّة , وَيَشْتَرِكُونَ فِي الْقِيمَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَأَبُو حَنِيفَة أَقْوَى مِنَّا , وَهَذَا الدَّلِيل يَسْتَهِين بِهِ عُلَمَاؤُنَا وَهُوَ عَسِير الِانْفِصَال عَلَيْنَا .


الْمَعْنَى أَنَّهُمَا إِذَا حَكَمَا بِالْهَدْيِ فَإِنَّهُ يُفْعَل بِهِ مَا يُفْعَل بِالْهَدْيِ مِنْ الْإِشْعَار وَالتَّقْلِيد , وَيُرْسَل مِنْ الْحِلّ إِلَى مَكَّة , وَيُنْحَر وَيُتَصَدَّق بِهِ فِيهَا ; لِقَوْلِهِ : " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " وَلَمْ يُرِدْ الْكَعْبَة بِعَيْنِهَا فَإِنَّ الْهَدْي لَا يَبْلُغهَا , إِذْ هِيَ فِي الْمَسْجِد , وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَم وَلَا خِلَاف فِي هَذَا , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَحْتَاج الْهَدْي إِلَى الْحِلّ بِنَاء عَلَى أَنَّ الصَّغِير مِنْ الْهَدْي يَجِب فِي الصَّغِير مِنْ الصَّيْد , فَإِنَّهُ يُبْتَاع فِي الْحَرَم وَيُهْدَى فِيهِ .



الْكَفَّارَة إِنَّمَا هِيَ عَنْ الصَّيْد لَا عَنْ الْهَدْي . قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك : أَحْسَن مَا سَمِعْت فِي الَّذِي يَقْتُل الصَّيْد فَيُحْكَم عَلَيْهِ فِيهِ , أَنَّهُ يُقَوِّم الصَّيْد الَّذِي أَصَابَ , فَيَنْظُر كَمْ ثَمَنه مِنْ الطَّعَام , فَيُطْعِم لِكُلِّ مِسْكِين مُدًّا , أَوْ يَصُوم مَكَان كُلّ مُدّ يَوْمًا , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ : إِنْ قَوَّمَ الصَّيْد دَرَاهِم ثُمَّ قَوَّمَهَا طَعَامًا أَجْزَأَهُ ; وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم مِثْله قَالَ عَنْهُ : وَهُوَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة بِالْخِيَارِ ; أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا , وَبِهِ قَالَ عَطَاء وَجُمْهُور الْفُقَهَاء ; لِأَنَّ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ قَالَ مَالِك : كُلّ شَيْء فِي كِتَاب اللَّه فِي الْكَفَّارَات كَذَا أَوْ كَذَا فَصَاحِبه مُخَيَّر فِي ذَلِكَ أَيّ ذَلِكَ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَل فَعَلَ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِم ظَبْيًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ شَاة تُذْبَح بِمَكَّة ; فَإِنْ لَمْ يَجِد فَإِطْعَام سِتَّة مَسَاكِين , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَعَلَيْهِ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام ; وَإِنْ قَتَلَ إِيَّلًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ بَقَرَة , فَإِنْ لَمْ يَجِد أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا ; وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَة أَوْ حِمَارًا فَعَلَيْهِ بَدَنَة , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَإِطْعَام ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثِينَ يَوْمًا , وَالطَّعَام مُدّ مُدّ لِشِبَعِهِمْ . وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَحَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالُوا : وَالْمَعْنَى " أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامٌ " إِنْ لَمْ يَجِد الْهَدْي , وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ بِجَزَائِهِ , فَإِنْ وَجَدَ جَزَاءَهُ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده جَزَاؤُهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ بِدَرَاهِم , ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِم حِنْطَة , ثُمَّ صَامَ مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا ; وَقَالَ : إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ تَبْيِين أَمْر الصِّيَام , فَمَنْ لَمْ يَجِد طَعَامًا , فَإِنَّهُ يَجِد جَزَاءَهُ , وَأَسْنَدَهُ أَيْضًا عَنْ السُّدِّيّ , وَيُعْتَرَض هَذَا الْقَوْل بِظَاهِرِ الْآيَة فَإِنَّهُ يُنَافِرهُ . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْوَقْت الَّذِي يُعْتَبَر فِيهِ الْمُتْلَف ; فَقَالَ قَوْم : يَوْم الْإِتْلَاف , وَقَالَ آخَرُونَ : يَوْم الْقَضَاء , وَقَالَ آخَرُونَ : يَلْزَم الْمُتْلِف أَكْثَر الْقِيمَتَيْنِ , مِنْ يَوْم الْإِتْلَاف إِلَى يَوْم الْحُكْم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا كَاخْتِلَافِهِمْ , وَالصَّحِيح أَنَّهُ تَلْزَمهُ الْقِيمَة يَوْم الْإِتْلَاف ; وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُود كَانَ حَقًّا لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ , فَإِذَا أَعْدَمَهُ الْمُتْلِف لَزِمَهُ إِيجَاده بِمِثْلِهِ , وَذَلِكَ فِي وَقْت الْعَدَم . أَمَّا الْهَدْي فَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَا بُدّ لَهُ مِنْ مَكَّة ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " , وَأَمَّا الْإِطْعَام فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْل مَالِك هَلْ يَكُون بِمَكَّة أَوْ بِمَوْضِعِ الْإِصَابَة ; وَإِلَى كَوْنه بِمَكَّة ذَهَبَ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ عَطَاء : مَا كَانَ مِنْ دَم أَوْ طَعَام فَبِمَكَّة وَيَصُوم حَيْثُ يَشَاء ; وَهُوَ قَوْل مَالِك فِي الصَّوْم , وَلَا خِلَاف فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْوَهَّاب : وَلَا يَجُوز إِخْرَاج شَيْء مِنْ جَزَاء الصَّيْد بِغَيْرِ الْحَرَم إِلَّا الصِّيَام , وَقَالَ حَمَّاد وَأَبُو حَنِيفَة : يُكَفِّر بِمَوْضِعِ الْإِصَابَة مُطْلَقًا , وَقَالَ الطَّبَرِيّ : يُكَفِّر حَيْثُ شَاءَ مُطْلَقًا , فَأَمَّا قَوْل أَبِي حَنِيفَة فَلَا وَجْه لَهُ فِي النَّظَر , وَلَا أَثَر فِيهِ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ يَصُوم حَيْثُ شَاءَ ; فَلِأَنَّ الصَّوْم عِبَادَة تَخْتَصّ بِالصَّائِمِ فَتَكُون فِي كُلّ مَوْضِع كَصِيَامِ سَائِر الْكَفَّارَات وَغَيْرهَا . وَأَمَّا وَجْه الْقَوْل بِأَنَّ الطَّعَام يَكُون بِمَكَّة ; فَلِأَنَّهُ بَدَل عَنْ الْهَدْي أَوْ نَظِير لَهُ , وَالْهَدْي حَقّ لِمَسَاكِين مَكَّة , فَلِذَلِكَ يَكُون بِمَكَّة بَدَله أَوْ نَظِيره , وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَكُون بِكُلِّ مَوْضِع ; فَاعْتِبَار بِكُلِّ طَعَام وَفِدْيَة , فَإِنَّهَا تَجُوز بِكُلِّ مَوْضِع , وَاَللَّه أَعْلَم .


الْعَدْل وَالْعِدْل بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْرهَا لُغَتَانِ وَهُمَا الْمِثْل ; قَالَهُ الْكِسَائِيّ , وَقَالَ الْفَرَّاء : عِدْل الشَّيْء بِكَسْرِ الْعَيْن مِثْله مِنْ جِنْسه , وَبِفَتْحِ الْعَيْن مِثْله مِنْ غَيْر جِنْسه , وَيُؤْثَر هَذَا الْقَوْل عَنْ الْكِسَائِيّ , تَقُول : عِنْدِي عَدْل دَرَاهِمك مِنْ الدَّرَاهِم , وَعِنْدِي عَدْل دَرَاهِمك مِنْ الثِّيَاب ; وَالصَّحِيح عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ , وَهُوَ قَوْل الْبَصْرِيِّينَ , وَلَا يَصِحّ أَنْ يُمَاثِل الصِّيَام الطَّعَام فِي وَجْه أَقْرَب مِنْ الْعَدَد قَالَ مَالِك : يَصُوم عَنْ كُلّ مُدّ يَوْمًا , وَإِنْ زَادَ عَلَى شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ يَحْيَى بْن عُمَر مِنْ أَصْحَابنَا : إِنَّمَا يُقَال كَمْ مِنْ رَجُل يَشْبَع مِنْ هَذَا الصَّيْد فَعُرِفَ الْعَدَد , ثُمَّ يُقَال : كَمْ مِنْ الطَّعَام يُشْبِع هَذَا الْعَدَد ; فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّعَام , وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَدَد أَمْدَاده , وَهَذَا قَوْل حَسَن اِحْتَاطَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُون قِيمَة الصَّيْد مِنْ الطَّعَام قَلِيلَة ; فَبِهَذَا النَّظَر يَكْثُر الْإِطْعَام , وَمِنْ أَهْل الْعِلْم مَنْ لَا يَرَى أَنْ يَتَجَاوَز فِي صِيَام الْجَزَاء شَهْرَيْنِ ; قَالُوا : لِأَنَّهَا أَعْلَى الْكَفَّارَات , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ , وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه : يَصُوم عَنْ كُلّ مُدَّيْنِ يَوْمًا اِعْتِبَارًا بِفِدْيَةِ الْأَذَى .


الذَّوْق هُنَا مُسْتَعَار كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم " [ الدُّخَان : 49 ] , وَقَالَ : " فَأَذَاقَهَا اللَّه لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف " [ النَّحْل : 112 ] , وَحَقِيقَة الذَّوْق إِنَّمَا هِيَ فِي حَاسَّة اللِّسَان , وَهِيَ فِي هَذَا كُلّه مُسْتَعَارَة وَمِنْهُ الْحَدِيث ( ذَاقَ طَعْم الْإِيمَان مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا ) . الْحَدِيث وَالْوَبَال سُوء الْعَاقِبَة , وَالْمَرْعَى الْوَبِيل هُوَ الَّذِي يُتَأَذَّى بِهِ بَعْد أَكْلِهِ , وَطَعَام وَبِيل إِذَا كَانَ ثَقِيلًا ; وَمِنْهُ قَوْله : عَقِيلَة شَيْخ كَالْوَبِيلِ يَلَنْدَدِ فَمَرَّتْ كَهَاة ذَات خَيْف جُلَالَة وَعَبَّرَ بِأَمْرِهِ عَنْ جَمِيع حَاله .


يَعْنِي فِي جَاهِلِيَّتكُمْ مِنْ قَتْلكُمْ الصَّيْد ; قَالَهُ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَجَمَاعَة مَعَهُ , وَقِيلَ : قَبْل نُزُول الْكَفَّارَة .


يَعْنِي لِلْمَنْهِيِّ


أَيْ بِالْكَفَّارَةِ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى " فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " يَعْنِي فِي الْآخِرَة إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا ; وَيَكْفُر فِي ظَاهِر الْحُكْم , وَقَالَ شُرَيْح وَسَعِيد بْن جُبَيْر : يُحْكَم عَلَيْهِ فِي أَوَّل مَرَّة , فَإِذَا عَادَ لَمْ يُحْكَم عَلَيْهِ , وَقِيلَ لَهُ : اِذْهَبْ يَنْتَقِم اللَّه مِنْك , أَيْ ذَنْبك أَعْظَم مِنْ أَنْ يُكَفَّر , كَمَا أَنَّ الْيَمِين الْفَاجِرَة لَا كَفَّارَة لَهَا عِنْد أَكْثَر أَهْله الْعِلْم لِعِظَمِ إِثْمهَا , وَالْمُتَوَرِّعُونَ يَتَّقُونَ النِّقْمَة بِالتَّكْفِيرِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : يُمْلَأ ظَهْره سَوْطًا حَتَّى يَمُوت , وَرُوِيَ عَنْ زَيْد بْن أَبِي الْمُعَلَّى : أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِم فَتُجُوِّزَ عَنْهُ , ثُمَّ عَادَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَارًا مِنْ السَّمَاء فَأَحْرَقَتْهُ ; وَهَذِهِ عِبْرَة لِلْأُمَّةِ وَكَفّ لِلْمُعْتَدِينَ عَنْ الْمَعْصِيَة .


" عَزِيز " أَيْ مَنِيع فِي مُلْكه , وَلَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ مَا يُرِيدهُ . " ذُو اِنْتِقَام " مِمَّنْ عَصَاهُ إِنْ شَاءَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية

    شرح الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية للعلامة السفاريني - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314827

    التحميل:

  • روح الصيام ومعانيه

    روح الصيام ومعانيه : تحدث فيه عن استغلال هذا الشهر الكريم, ليحقق المسلم فيه أقصى استفادة ممكنة, عبر الحديث عن روح العبادات والطاعات المختلفة التي نؤديها في رمضان, لتنمو قابلية الطاعة فينا, فتتحول إلى سجية بعد رمضان.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205812

    التحميل:

  • لماذا تزوج النبي محمد عائشة وهي طفلة؟

    يندهش أغلب الغربيين من زواج نبي الإسلام من عائشة ذات التسع سنوات بينما تجاوز هو سن الخمسين. ويصف كثير من الغربيين هذا الزواج بالاغتصاب وكثير من الاستنكار؛ بل يتعمد كثير منهم تصوير نبي الإسلام بصورة الرجل المكبوت جنسيًّا والمعتدي على الصغيرات ويعتبرون أن هذه هي الصورة الحقيقة للإسلام والمسلمين. وقد تجاهل هؤلاء رواج مثل ذلك الزواج وكونه أمرًا طبيعيّا في تلك الحقبة الزمنية و لا يستوجب النقد. والظاهر أن هؤلاء النقاد لم يهتموا بنقد ظاهرة الزواج المبكر لفتيات في التاسعة برجال تجاوزوا الخمسين بقدر اهتمامهم وحرصهم على نقد نبي الإسلام والتحريض ضده وتشويه صورته، مما يقلل من مصداقيتهم ويكشف الغطاء عن تظاهرهم بالإنسانية والدفاع عن “حقوق المرأة“. ولو كان قصد هؤلاء النقاد استنكار مثل هذا الزواج لتحدثوا عنه كظاهرة عامة حدثت قبل ظهور الإسلام واستمرت بعده ولما ركزوا على فرد واحد وصوروه كأنه هو مخترع هذا الزواج وأول من قام به أو الوحيد الذي قام به. فمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولد في مجتمع تعود على مثل هذا الزواج وتزوج كما تزوج غيره من أبناء مجتمعه؛ بل إن غير المؤمنين برسالته والذين طالما حاربوه وحاولوا قتله لم يستعملوا زواجه بعائشة من أجل تشويه صورته والتحريض ضده؛ لأن ذلك كان أمرًا عاديًّا في ذلك الزمن، ولأنهم هم أنفسهم كانوا يتزوجون بفتيات في سن مبكرة. وفي هذا الكتيب ردٌّ على الشبهات المُثارة حول هذا الموضوع.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323898

    التحميل:

  • نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار

    نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار : كتاب منتقى الأخبار للإمام ابن تيمية قد أحاط بأكثر أحاديث الأحكام، فقام الإمام الشوكاني بشرح هذا الكتاب، وقد اشتمل شرحه على مزايا قل أن توجد في غيره من الكتب المؤلفة في بابه، منها أنه تعرض لتخريج الحديث وبيان طرقه وألفاظه وما قيل في حكمه، ومنها كشفه عن معاني الألفاظ وأقوال علماء اللغة فيها مع إيضاح المعنى الإصطلاحي الشرعي، ومنها استنباط الأحكام الفقهية من الأحاديث وكيفية دلالتها عليها وأقوال مذاهب علماء الأمصار وحجة كل مذهب مع الترجيح، ومنها استنباط القواعد الأصولية وتطبيق الأحكام الجزئية الفرعية عليها مع ذكر أقوال الأصوليين؛ وفي هذه الصفحة نسخة إلكترونية لكن ينقصها شرح كتاب الصيام، وتتميز بسهولة البحث والتصفح.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140690

    التحميل:

  • ما يجب أن يعرفه المسلم عن دينه

    ما يجب أن يعرفه المسلم عن دينه.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144953

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة