Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 94

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) (المائدة) mp3
فِيهِ ثَمَانِي مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّه " أَيْ لَيَخْتَبِرَنَّكُمْ , وَالِابْتِلَاء الِاخْتِبَار , وَكَانَ الصَّيْد أَحَد مَعَايِش الْعَرَب الْعَارِبَة , وَشَائِعًا عِنْد الْجَمِيع مِنْهُمْ , مُسْتَعْمَلًا جِدًّا , فَابْتَلَاهُمْ اللَّه فِيهِ مَعَ الْإِحْرَام وَالْحَرَم , كَمَا اِبْتَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي أَلَّا يَعْتَدُوا فِي السَّبْت , وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ عَام الْحُدَيْبِيَة ; أَحْرَمَ بَعْض النَّاس مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُحْرِم بَعْضهمْ , فَكَانَ إِذَا عَرَضَ صَيْد اخْتَلَفَ فِيهِ أَحْوَالهمْ وَأَفْعَالهمْ , وَاشْتَبَهَتْ أَحْكَامه عَلَيْهِمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة بَيَانًا لِأَحْكَامِ أَحْوَالهمْ وَأَفْعَالهمْ , وَمَحْظُورَات حَجّهمْ وَعُمْرَتهمْ . الثَّانِيَة : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مَنْ الْمُخَاطَب بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ الْمُحِلُّونَ ; قَالَهُ مَالِك . الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْمُحْرِمُونَ قَالَهُ اِبْن عَبَّاس ; وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَيَبْلُوَنَّكُمْ " فَإِنَّ تَكْلِيف الِامْتِنَاع الَّذِي يَتَحَقَّق بِهِ الِابْتِلَاء هُوَ مَعَ الْإِحْرَام . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا لَا يَلْزَم ; فَإِنَّ التَّكْلِيف يَتَحَقَّق فِي الْمَحَلّ بِمَا شُرِطَ لَهُ مِنْ أُمُور الصَّيْد , وَمَا شُرِعَ لَهُ مِنْ وَصْفه فِي كَيْفِيَّة الِاصْطِيَاد , وَالصَّحِيح أَنَّ الْخِطَاب فِي الْآيَة لِجَمِيعِ النَّاس مُحِلّهمْ وَمُحْرِمهمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّه " أَيْ : لَيُكَلِّفَنَّكُمْ , وَالتَّكْلِيف كُلّه اِبْتِلَاء وَإِنْ تَفَاضَلَ فِي الْكَثْرَة وَالْقِلَّة , وَتَبَايَنَ فِي الضَّعْف وَالشِّدَّة . الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى : " بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْد " يُرِيد بِبَعْضِ الصَّيْد , فَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ , وَهُوَ صَيْد الْبَرّ خَاصَّة ; وَلَمْ يَعُمّ الصَّيْد كُلّه لِأَنَّ لِلْبَحْرِ صَيْدًا , قَالَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره , وَأَرَادَ بِالصَّيْدِ الْمَصِيد ; لِقَوْلِهِ : " تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ " . الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ " بَيَان لِحُكْمِ صِغَار الصَّيْد وَكِبَاره , وَقَرَأَ اِبْن وَثَّاب وَالنَّخَعِيّ : " يَنَالهُ " بِالْيَاءِ مَنْقُوطَة مِنْ تَحْت . قَالَ مُجَاهِد : الْأَيْدِي تَنَال الْفِرَاخ وَالْبَيْض وَمَا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَفِرّ , وَالرِّمَاح تَنَال كِبَار الصَّيْد , وَقَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّه بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْد تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ " وَكُلّ شَيْء يَنَالهُ الْإِنْسَان بِيَدِهِ أَوْ بِرُمْحِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ سِلَاحه فَقَتَلَهُ فَهُوَ صَيْد كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى . الْخَامِسَة : خَصَّ اللَّه تَعَالَى الْأَيْدِي بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا عُظْم التَّصَرُّف فِي الِاصْطِيَاد ; وَفِيهَا تَدْخُل الْجَوَارِح وَالْحِبَالَات , وَمَا عُمِلَ بِالْيَدِ مِنْ فِخَاخ وَشِبَاك ; وَخَصَّ الرِّمَاح بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا عُظْم مَا يُجْرَح بِهِ الصَّيْد , وَفِيهَا يَدْخُل السَّهْم وَنَحْوه ; وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيمَا يُصَاد بِهِ مِنْ الْجَوَارِح وَالسِّهَام فِي أَوَّل السُّورَة بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة وَالْحَمْد لِلَّهِ . السَّادِسَة : مَا وَقَعَ فِي الْفَخّ وَالْحِبَالَة فَلِرَبِّهَا , فَإِنْ أَلْجَأَ الصَّيْد إِلَيْهَا أَحَد وَلَوْلَاهَا لَمْ يَتَهَيَّأ لَهُ أَخْذه فَرَبّهَا فِيهِ شَرِيكه , وَمَا وَقَعَ فِي الْجُبْح الْمَنْصُوب فِي الْجَبَل مِنْ ذُبَاب النَّحْل فَهُوَ كَالْحِبَالَةِ وَالْفَخّ , وَحَمَام الْأَبْرِجَة تُرَدّ عَلَى أَرْبَابهَا إِنْ اُسْتُطِيعَ ذَلِكَ , وَكَذَلِكَ نَحْل الْجِبَاح ; وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك , وَقَالَ بَعْض أَصْحَابه : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ حَصَلَ الْحَمَام أَوْ النَّحْل عِنْده أَنْ يَرُدّهُ , وَلَوْ أَلْجَأَتْ الْكِلَاب صَيْدًا فَدَخَلَ فِي بَيْت أَحَد أَوْ دَاره فَهُوَ لِلصَّائِدِ مُرْسِل الْكِلَاب دُون صَاحِب الْبَيْت , وَلَوْ دَخَلَ فِي الْبَيْت مِنْ غَيْر اِضْطِرَار الْكِلَاب لَهُ فَهُوَ لِرَبِّ الْبَيْت . السَّابِعَة : اِحْتَجَّ بَعْض النَّاس عَلَى أَنَّ الصَّيْد لِلْآخِذِ لَا لِلْمُثِيرِ بِهَذِهِ الْآيَة ; لِأَنَّ الْمُثِير لَمْ تَنَلْ يَده وَلَا رُمْحه بَعْدُ شَيْئًا , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة . الثَّامِنَة : كَرِهَ مَالِك صَيْد أَهْل الْكِتَاب وَلَمْ يُحَرِّمهُ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ " يَعْنِي أَهْل الْإِيمَان , لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَدْر الْآيَة : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " فَخَرَجَ عَنْهُمْ أَهْل الْكِتَاب , وَخَالَفَهُ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " [ الْمَائِدَة : 94 ] وَهُوَ عِنْدهمْ مِثْل ذَبَائِحهمْ , وَأَجَابَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الْآيَة إِنَّمَا تَضَمَّنَتْ أَكْل طَعَامهمْ , وَالصَّيْد بَاب آخَر فَلَا يَدْخُل فِي عُمُوم الطَّعَام , وَلَا يَتَنَاوَلهُ مُطْلَق لَفْظه . قُلْت : هَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ الصَّيْد لَيْسَ مَشْرُوعًا عِنْدهمْ فَلَا يَكُون مِنْ طَعَامهمْ , فَيَسْقُط عَنَّا هَذَا الْإِلْزَام ; فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَشْرُوعًا عِنْدهمْ فِي دِينهمْ فَيَلْزَمنَا أَكْله لِتَنَاوُلِ اللَّفْظ لَهُ , فَإِنَّهُ مِنْ طَعَامهمْ , وَاللَّه أَعْلَمُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مسئولية المرأة المسلمة

    مسئولية المرأة المسلمة : في هذه الرسالة بعض التوجيهات للمرأة المسلمة حول الحجاب والسفور والتبرج والاختلاط وغير ذلك مما تحتاج إليه المرأة المسلمة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209155

    التحميل:

  • سؤالات ابن وهف لشيخ الإسلام الإمام المجدد عبد العزيز بن باز

    سؤالات ابن وهف لشيخ الإسلام الإمام المجدد عبد العزيز بن باز: قال المؤلف: فهذه أسئلة سألتها شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز، فأجاب عليها باختصار ابتداءً من عام 1400هـ إلى يوم 23/11/1419هـ.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385671

    التحميل:

  • الإحكام شرح أصول الأحكام

    الإحكام شرح أصول الأحكام : قام المؤلف - رحمه الله - بجمع مختصر لطيف انتقاه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الأحكام الفقهية ثم قام بشرحه في هذا الكتاب المكون من 4 مجلدات. - يمتاز هذا الكتاب بمزايا منها: أولاً: أنه يصدر الأبواب بآيات الأحكام ثم يأتي بالأحاديث. ثانياً: أن أحاديثه كلها صحيحة وليس فيها ضعيف لا يحتج به. ثالثاً‌: أنه مع ذكره خلاف العلماء منهم يهتم بأقوال الحنابلة خاصة، ويذكر من المنقول عن محققيهم ومحققي غيرهم من الجمهور. رابعاً: لا يستطرد في نقل الخلاف، ولا يتوسع توسعاً يخرجه عن المقصود، ولا يوجز بحيث يخل بالمراد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233614

    التحميل:

  • كيف نربي أطفالنا

    قالت المؤلفة: للمربي الناجح صفات كلما ازداد منها زاد نجاحه في تربية ولده بعد توفيق الله، وقد يكون المربي أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً أو عماً أو جداً أو خالاً، أو غير ذلك، وهذا لا يعني أن التربية تقع على عاتق واحد، بل كل من حول الطفل يسهم في تربيته وإن لم يقصد.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370716

    التحميل:

  • الإبانة عن أسباب الإعانة على صلاة الفجر وقيام الليل

    الإبانة عن أسباب الإعانة على صلاة الفجر وقيام الليل: رسالةٌ تناولت فيها المؤلفة المحاور التالية: تهاوُن الناسِ في صلاة الفجر، والترغيب في حضور الفجر جماعةً والترهيب من تركها، وفضل قيام الليل، وما يعودُ على المسلم من قيام الليل في الدنيا والآخرة، والأسباب المعينة على قيام الليل، والترهيب من ترك قيام الليل، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، وبعض الآثارِ عن السَّلفِ الصّالح في قيام الليل.

    الناشر: دار ابن خزيمة - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314989

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة