Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 60

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) (المائدة) mp3
أَيْ بِشَرٍّ مِنْ نَقْمكُمْ عَلَيْنَا , وَقِيلَ : بِشَرِّ مَا تُرِيدُونَ لَنَا مِنْ الْمَكْرُوه ; وَهَذَا جَوَاب قَوْلهمْ : مَا نَعْرِف دِينًا شَرًّا مِنْ دِينكُمْ .



نُصِبَ عَلَى الْبَيَان وَأَصْلهَا مَفْعُولَة فَأُلْقِيَتْ حَرَكَة الْوَاو عَلَى الثَّاء فَسُكِّنَتْ الْوَاو وَبَعْدهَا وَاو سَاكِنَة فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا لِذَلِكَ ; وَمِثْله مَقُولَة وَمَجُوزَة وَمَضُوفَة عَلَى مَعْنَى الْمَصْدَر ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَكُنْت إِذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفَة أُشَمِّر حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي وَقِيلَ : مَفْعُلَة كَقَوْلِك مَكْرُمَة وَمَعْقُلَة



" مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع ; كَمَا قَالَ : " بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّار " [ الْحَجّ : 72 ] وَالتَّقْدِير هُوَ لَعْن مَنْ لَعَنَهُ اللَّه , وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب بِمَعْنَى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّه , وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى الْبَدَل مِنْ شَرّ وَالتَّقْدِير : هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِمَنْ لَعَنَهُ اللَّه ; وَالْمُرَاد الْيَهُود , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الطَّاغُوت , أَيْ وَجَعَلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوت , وَالْمَوْصُول مَحْذُوف عِنْد الْفَرَّاء , وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : لَا يَجُوز حَذْف الْمَوْصُول ; وَالْمَعْنَى مَنْ لَعَنَهُ اللَّه وَعَبَدَ الطَّاغُوت . وَقَرَأَ اِبْن وَثَّاب النَّخَعِيّ " وَأُنْبِئكُمْ " بِالتَّخْفِيفِ , وَقَرَأَ حَمْزَة : " عَبُدَ الطَّاغُوتِ " بِضَمِّ الْبَاء وَكَسْر التَّاء ; جَعَلَهُ اِسْمًا عَلَى فَعُل كَعَضُد فَهُوَ بِنَاء لِلْمُبَالَغَةِ وَالْكَثْرَة كَيَقُظ وَنَدُس وَحَذُر , وَأَصْله الصِّفَة ; وَمِنْهُ قَوْل النَّابِغَة : مِنْ وَحْش وَجْرَة مُوشِيّ أَكَارِعه طَاوِي الْمَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَل الْفَرُد بِضَمِّ الرَّاء وَنَصْبه ب " جَعَلَ " ; أَيْ جَعَلَ مِنْهُمْ عَبُدًا لِلطَّاغُوتِ , وَأَضَافَ عَبُد إِلَى الطَّاغُوت فَخَفَضَهُ , وَجَعَلَ بِمَعْنَى خَلَقَ , وَالْمَعْنَى وَجَعَلَ مِنْهُمْ مَنْ يُبَالِغ فِي عِبَادَة الطَّاغُوت . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْبَاء وَالتَّاء ; وَجَعَلُوهُ فِعْلًا مَاضِيًا , وَعَطَفُوهُ عَلَى فِعْل مَاضٍ وَهُوَ غَضِبَ وَلَعَنَ ; وَالْمَعْنَى عِنْدهمْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّه وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوت , أَوْ مَنْصُوبًا ب " جَعَلَ " ; أَيْ جَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَعَبَدَةَ الطَّاغُوت , وَوَحَّدَ الضَّمِير فِي عَبَدَ حَمْلًا عَلَى لَفْظ " مَنْ " دُون مَعْنَاهَا . وَقَرَأَ أُبَيّ وَابْن مَسْعُود " وَعَبَدُوا الطَّاغُوت " عَلَى الْمَعْنَى . اِبْن عَبَّاس : " وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ " , فَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع عَبْد كَمَا يُقَال : رَهْن وَرُهُن , وَسَقْف وَسُقُف , وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع عِبَاد كَمَا يُقَال : مِثَال وَمُثُل , وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع عَبِيد كَرَغِيفِ وَرُغُف , وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع عَادِل كَبَازِلٍ وَبُزُل ; وَالْمَعْنَى : وَخَدَم الطَّاغُوت , وَعِنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا " وَعُبَّدَ الطَّاغُوت " جَعَلَهُ جَمْع عَابِد كَمَا يُقَال شَاهِد وَشُهَّد وَغَايِب وَغُيَّب , وَعَنْ أَبِي وَاقِد : وَعُبَّاد الطَّاغُوت لِلْمُبَالَغَةِ , جَمْع عَابِد أَيْضًا ; كَعَامِلٍ وَعُمَّال , وَضَارِب وَضُرَّاب , وَذَكَرَ مَحْبُوب أَنَّ الْبَصْرِيِّينَ قَرَءُوا : ( وَعُبَّاد الطَّاغُوت ) جَمْع عَابِد أَيْضًا , كَقَائِمٍ وَقُيَّام , وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع عَبْد . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الرُّؤَاسِيّ ( وَعُبِدَ الطَّاغُوت ) عَلَى الْمَفْعُول , وَالتَّقْدِير : وَعُبِدَ الطَّاغُوت فِيهِمْ , وَقَرَأَ عَوْن الْعُقَيْلِيّ وَابْن بُرَيْدَة : ( وَعَابِد الطَّاغُوت ) عَلَى التَّوْحِيد , وَهُوَ يُؤَدِّي عَنْ جَمَاعَة , وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا ( وَعُبِدَ 173 الطَّاغُوت ) وَعَنْهُ أَيْضًا [ وَأُبَيّ ] ( وَعُبِدَتْ الطَّاغُوت ) عَلَى تَأْنِيث الْجَمَاعَة ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( قَالَتْ الْأَعْرَاب ) [ الْحُجُرَات : 14 ] وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر : ( وَأَعْبُدَ الطَّاغُوت ) مِثْل كَلْب وَأَكْلُب . فَهَذِهِ اِثْنَا عَشَرَ وَجْهًا .



" أُولَئِكَ شَرّ مَكَانًا " لِأَنَّ مَكَانهمْ النَّار ; وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَا شَرّ فِي مَكَانهمْ , وَقَالَ الزَّجَّاج : أُولَئِكَ شَرّ مَكَانًا عَلَى قَوْلكُمْ . النَّحَّاس : وَمَنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه شَرّ مَكَانًا فِي الْآخِرَة مِنْ مَكَانكُمْ فِي الدُّنْيَا لِمَا لَحِقَكُمْ مِنْ الشَّرّ , وَقِيلَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه شَرّ مَكَانًا مِنْ الَّذِينَ نَقَمُوا عَلَيْكُمْ , وَقِيلَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَقَمُوا عَلَيْكُمْ شَرّ مَكَانًا مِنْ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه , وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ : يَا إِخْوَة الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير فَنَكَسُوا رُءُوسهمْ اِفْتِضَاحًا , وَفِيهِمْ يَقُول الشَّاعِر : فَلَعْنَة اللَّه عَلَى الْيَهُود إِنَّ الْيَهُود إِخْوَة الْقُرُود
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية

    شرح الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية: قال المصنف - حفظه الله -: «فإنه لا يخفى على كل مسلمٍ ما لدراسة سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام - من فائدةٍ عظيمةٍ، وأثرٍ مُباركٍ، وثمارٍ كبيرةٍ تعودُ على المسلم في دُنياه وأُخراه .. وبين أيدينا منظومةٌ نافعةٌ، وأرجوزةٌ طيبةٌ في سيرة نبينا الكريم - عليه الصلاة والسلام -، سلَكَ فيها ناظمُها مسلكَ الاختصار وعدم البسط والإطناب، فهي في مائة بيتٍ فقط، بنَظمٍ سلِسٍ، وأبياتٍ عذبةٍ، مُستوعِبةٍ لكثيرٍ من أمهات وموضوعات سيرة النبي الكريم - صلوات الله وسلامُه عليه -، بعباراتٍ جميلةٍ، وكلماتٍ سهلةٍ، وألفاظٍ واضحةٍ».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344685

    التحميل:

  • القدوة مبادئ ونماذج

    القدوة مبادئ ونماذج : فإن الدعوة إلى الله أمر جليل ودعامة عظيمة من دعائم ترسيخ المبادئ الحقة في المجتمع المسلم، ومن أهم طرق الدعوة إلي الله والتي يكون مردودها أوقع وأقوى في النفوس " القدوة الصالحة " والتي يرى فيها الناس واقعًا معاشًا للمبادئ التي يدعو إليها.. القول فيها صنو العمل. ولأهمية هذا الأمر أردت في هذه الورقات أن أنبه إلى بعض إشارات تعين على أداء تلكم المهمة العظيمة والرسالة الشريفة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144919

    التحميل:

  • الوصية الخالدة

    الوصية الخالدة: قال الكاتب: فهذه رسالة لطيفة في (توحيد رب العالمين) كتبتها بعد لقائي بسيد من سادات آل بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الذين نجلهم ونتقرب إلى الله تعالى بحبهم. والذي أشار عليّ مشكوراً أن أكتب رسالة في التوحيد مدبجة بنصوص القرآن والسنة وكلام أئمة آل البيت لما في ذلك من الفائدة والنفع لعموم الأمة. فاستجبت لرغبته على استيحاء مني أن أتقدم على من يفضلني علماً وتقوى لكني رأيت أنّ تخاذلي عن كتابة هذه الرسالة هو كتمان للعلم خصوصاً أني وقفت على روايات لآل بيت النبوة تخالف ما يدّعيه بعض المنتسبين إلى مذهبهم اليوم. فقد تتابعت الفتن في هذا الزمان حتى أصبح ذو القلب الحي ينكر ما يراه ويسمعه، يسأل الله تعالى أن لا يجعل فتنته في دينه. وأي فتنة أعظم من فتنة الانصراف عن تحقيق معنى الشهادتين - شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله - فكم من فاتن عنها بعلم، وكم من مفتون عنها بتقليد. فكان من الواجب عليّ أن أشحذ همتي، وأقوي عزيمتي مستعيناً بالله تعالى، سائلاً إياه التوفيق والسداد في إيصال كلمتي للناس، فإن بلغت ما أرجو لها أن تبلغه فالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وإن لم تبلغ ذلك سألت الله تعالى أن لا يحرمني الأجر وأن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، لا رياء فيه ولا سمعة. وليعلم القارئ الكريم أنّ إرضاء الناس غاية لا تدرك، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله الناس إلى الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260209

    التحميل:

  • الأخلاق والقيم في الحضارة الإسلامية

    الأخلاق والقيم في الحضارة الإسلامية: تُمثِّل الأخلاق والقيم الجانبَ المعنوي أو الروحي في الحضارة الإسلامية، وأيضًا الجوهر والأساس الذي تقوم عليه أي حضارة، وفي ذات الوقت تضمن سر بقائها وصمودها عبر التاريخ والأجيال، وهو الجانب الذي إذا اختفى يومًا فإنه يُؤذِنُ بزوال الدفء المعنوي للإنسان، الذي هو رُوح الحياة والوجود؛ فيصير وقد غادرت الرحمة قلبه، وضعف وجدانه وضميره عن أداء دوره، ولم يعُدْ يعرف حقيقة وجوده فضلاً عن حقيقة نفسه، وقد بات مُكبَّلاً بقيود مادية لا يعرف فِكاكًا ولا خلاصًا.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339730

    التحميل:

  • خير الزاد إلى يوم المعاد من غير الفريضة على هدي خير العباد

    خير الزاد إلى يوم المعاد من غير الفريضة على هدي خير العباد : تحتوي هذه الرسالة على: أولاً: بيان بعض الأعمال التي يعود نفعها على فاعلها وحده في الدنيا والآخرة. ثانيا: بيان بعض الأعمال التي يعود نفعها على فاعلها وغيره في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209455

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة