Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 54

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) (المائدة) mp3
قَوْله تَعَالَى : " مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَنْ دِينه " شَرْط وَجَوَابه " فَسَوْفَ " , وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّام " مَنْ يَرْتَدِدْ " بِدَالَيْنِ . الْبَاقُونَ " مَنْ يَرْتَدّ " . وَهَذَا مِنْ إِعْجَاز الْقُرْآن وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذْ أَخْبَرَ عَنْ اِرْتِدَادهمْ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي عَهْده وَكَانَ ذَلِكَ غَيْبًا , فَكَانَ عَلَى مَا أَخْبَرَ بَعْد مُدَّة , وَأَهْل الرِّدَّة كَانُوا بَعْد مَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : لَمَّا قُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِرْتَدَّتْ الْعَرَب إِلَّا ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِد الْمَدِينَة , وَمَسْجِد مَكَّة , وَمَسْجِد جُؤَاثَى , وَكَانُوا فِي رِدَّتهمْ عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْم نَبَذَ الشَّرِيعَة كُلّهَا وَخَرَجَ عَنْهَا , وَقِسْم نَبَذَ وُجُوب الزَّكَاة وَاعْتَرَفَ بِوُجُوبِ غَيْرهَا ; قَالُوا نَصُوم وَنُصَلِّي وَلَا نُزَكِّي ; فَقَاتَلَ الصِّدِّيق جَمِيعهمْ ; وَبَعَثَ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَيْهِمْ بِالْجُيُوشِ فَقَاتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ ; عَلَى مَا هُوَ مَشْهُور مِنْ أَخْبَارهمْ .



فِي مَوْضِع النَّعْت . قَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا : نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَأَصْحَابه , وَقَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَار . وَقِيلَ : هِيَ إِشَارَة إِلَى قَوْم لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , وَأَنَّ أَبَا بَكْر قَاتَلَ أَهْل الرِّدَّة بِقَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا وَقْت نُزُول الْآيَة ; وَهُمْ أَحْيَاء مِنْ الْيَمَن مِنْ كِنْدَة وَبَجِيلَة , وَمِنْ أَشْجَع , وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَشْعَرِيِّينَ ; فَفِي الْخَبَر أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَدِمَ بَعْد ذَلِكَ بِيَسِيرٍ سَفَائِن الْأَشْعَرِيِّينَ , وَقَبَائِل الْيَمَن مِنْ طَرِيق الْبَحْر , فَكَانَ لَهُمْ بَلَاء فِي الْإِسْلَام فِي زَمَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ عَامَّة فُتُوح الْعِرَاق فِي زَمَن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى يَدَيْ قَبَائِل الْيَمَن ; هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِي نُزُولهَا , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَرَوَى الْحَاكِم أَبُو عَبْد اللَّه فِي " الْمُسْتَدْرَك " بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : ( هُمْ قَوْم هَذَا ) قَالَ الْقُشَيْرِيّ : فَأَتْبَاع أَبِي الْحَسَن مِنْ قَوْمه ; لِأَنَّ كُلّ مَوْضِع أُضِيفَ فِيهِ قَوْم إِلَى نَبِيّ أُرِيدَ بِهِ الْأَتْبَاع .



"أَذِلَّة " نَعْت لِقَوْمٍ , وَكَذَلِكَ



أَيْ يَرْأَفُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَيَرْحَمُونَهُمْ وَيَلِينُونَ لَهُمْ ; مِنْ قَوْلهمْ : دَابَّة ذَلُول أَيْ تَنْقَاد سَهْلَة , وَلَيْسَ مِنْ الذُّلّ فِي شَيْء , وَيَغْلُظُونَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَيُعَادُونَهُمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ كَالْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالسَّيِّد لِلْعَبْدِ , وَهُمْ فِي الْغِلْظَة عَلَى الْكُفَّار كَالسَّبُعِ عَلَى فَرِيسَته ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّار رُحَمَاء بَيْنهمْ " [ الْفَتْح : 29 ] , وَيَجُوز " أَذِلَّةً " بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال ; أَيْ يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فِي هَذَا الْحَال , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعْنَى مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَمَحَبَّتهمْ لَهُ .


فِي مَوْضِع الصِّفَة أَيْضًا .



بِخِلَافِ الْمُنَافِقِينَ يَخَافُونَ الدَّوَائِر ; فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى تَثْبِيت إِمَامَة أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا فِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي حَيَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَاتَلُوا الْمُرْتَدِّينَ بَعْده , وَمَعْلُوم أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَات فَهُوَ وَلِيّ لِلَّهِ تَعَالَى , وَقِيلَ : الْآيَة عَامَّة فِي كُلّ مَنْ يُجَاهِد الْكُفَّار إِلَى قِيَام السَّاعَة , وَاللَّه أَعْلَمُ .



اِبْتِدَاء وَخَبَر أَيْ وَاسِع الْفَضْل , عَلِيم بِمَصَالِح خَلْقه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • نور الإسلام وظلمات الكفر في ضوء الكتاب والسنة

    نور الإسلام وظلمات الكفر في ضوء الكتاب والسنة: رسالة في بيان مفهوم الإسلام ومراتبه وثمراته ومحاسنه ونواقضه، وبيان معنى الكفر ومفهومه وأنواعه، وخطورة التكفير وأصول المكفرات، وآثار الكفر وأضراره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1944

    التحميل:

  • رسالة إلى القضاة

    رسالة تحتوي على بعض النصائح والتوجيهات للقضاة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334998

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ الترف ]

    الترف مفسد للمجتمعات; وموهن للطاقات; ومبدد للأوقات; فهو داء مفجع; ومرض مقلق; ولذا كان لزاماً علينا تناول هذا الموضوع بوضوح; وتجليته للناس; وذلك ببيان حقيقة الترف; وصوره المعاصرة; وبعضاً من أسبابه; وآثاراه على الفرد والمجتمع والأمة; ثم بيان وسائل وطرق معالجة المجتمعات التي استشرى فيها هذا الداء.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340012

    التحميل:

  • زكاة الأثمان في ضوء الكتاب والسنة

    زكاة الأثمان في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «زكاة الأثمان»: من الذهب، والفضة، وما يقوم مقامهما من العملات الورقية، والمعدنية، بيَّنت فيها بإيجاز: مفهوم الأثمان: لغة، واصطلاحًا، وأوضحت وجوب الزكاة في الذهب والفضة: بالكتاب، والسنة، والإجماع، وذكرت مقدار نصاب الذهب والفضة، وأوضحت زكاة العملات الورقية والمعدنية المتداولة بين الناس الآن، وحكم ضمّ الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب، وضمّ عروض التجارة إلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/193655

    التحميل:

  • النوم حكم وأحكام وسنن وآداب

    في هذه الرسالة بين بعض حكم وأحكام وسنن وآداب النوم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/233544

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة