Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 50

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) (المائدة) mp3
" أَفَحُكْم " نُصِبَ بـ " يَبْغُونَ " وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَجْعَلُونَ حُكْم الشَّرِيف خِلَاف حُكْم الْوَضِيع ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع , وَكَانَتْ الْيَهُود تُقِيم الْحُدُود عَلَى الضُّعَفَاء الْفُقَرَاء , وَلَا يُقِيمُونَهَا عَلَى الْأَقْوِيَاء الْأَغْنِيَاء ; فَضَارَعُوا الْجَاهِلِيَّة فِي هَذَا الْفِعْل . رَوَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ طَاوُس قَالَ : كَانَ إِذَا سَأَلُوهُ عَنْ الرَّجُل يُفَضِّل بَعْض وَلَده عَلَى بَعْض يَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ " فَكَانَ طَاوُس يَقُول : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّل بَعْض وَلَده عَلَى بَعْض , فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَنْفُذ وَفُسِخَ ; وَبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر , وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل مِثْله , وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيّ وَابْن الْمُبَارَك وَإِسْحَاق ; فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَد نَفَذَ وَلَمْ يُرَدّ , وَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي ; وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْلِ الصِّدِّيق فِي نَحْله عَائِشَةَ دُون سَائِر وَلَده , وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَارْجِعْهُ ) وَقَوْله : ( فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ) , وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِبَشِيرٍ : ( أَلَك وَلَد سِوَى هَذَا ) قَالَ نَعَمْ , فَقَالَ : ( أَكُلّهمْ وَهَبْت لَهُ مِثْل هَذَا ) فَقَالَ لَا , قَالَ : ( فَلَا تُشْهِدنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْر ) فِي رِوَايَة ( وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقّ ) . قَالُوا : وَمَا كَانَ جَوْرًا وَغَيْر حَقّ فَهُوَ بَاطِل لَا يَجُوز . وَقَوْله : ( أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ) لَيْسَ إِذْنًا فِي الشَّهَادَة وَإِنَّمَا هُوَ زَجْر عَنْهَا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ سَمَّاهُ جَوْرًا وَامْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَة فِيهِ ; فَلَا يُمْكِن أَنْ يَشْهَد أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ , وَأَمَّا فِعْل أَبِي بَكْر فَلَا يُعَارَض بِهِ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ نَحَلَ أَوْلَاده نُحْلًا يُعَادِل ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ : الْأَصْل تَصَرُّف الْإِنْسَان فِي مَاله مُطْلَقًا , قِيلَ لَهُ : الْأَصْل الْكُلِّيّ وَالْوَاقِعَة الْمُعَيَّنَة الْمُخَالِفَة لِذَلِكَ الْأَصْل لَا تَعَارُض بَيْنهمَا كَالْعُمُومِ وَالْخُصُوص , وَفِي الْأُصُول أَنَّ الصَّحِيح بِنَاء الْعَامّ عَلَى الْخَاصّ , ثُمَّ إِنَّهُ يَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ الْعُقُوق الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِر , وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ , وَمَا يُؤَدِّي إِلَى الْمُحَرَّم فَهُوَ مَمْنُوع ; وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا اللَّه وَاعْدِلُوا بَيْن أَوْلَادكُمْ ) . قَالَ النُّعْمَان : فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَة , وَالصَّدَقَة لَا يَعْتَصِرهَا الْأَب بِالْإِنْفَاقِ وَقَوْله : ( فَارْجِعْهُ ) مَحْمُول عَلَى مَعْنَى فَارْدُدْهُ , وَالرَّدّ ظَاهِر فِي الْفَسْخ ; كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدٌّ ) أَيْ مَرْدُود مَفْسُوخ . وَهَذَا كُلّه ظَاهِر قَوِيّ , وَتَرْجِيح جَلِيّ فِي الْمَنْع . قَرَأَ اِبْن وَثَّاب وَالنَّخَعِيّ " أَفَحُكْمُ " بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى يَبْغُونَهُ ; فَحَذَفَ الْهَاء كَمَا حَذَفَهَا أَبُو النَّجْم فِي قَوْله : قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الْخِيَار تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلّه لَمْ أَصْنَعِ فِيمَنْ رَوَى " كُلُّهُ " بِالرَّفْعِ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون التَّقْدِير : أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّة حُكْمٌ يَبْغُونَهُ , فَحَذَفَ الْمَوْصُوف , وَقَرَأَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَالْأَعْرَج وَالْأَعْمَش " أَفَحَكَمَ " بِنَصَبِ الْحَاء وَالْكَاف وَفَتْح الْمِيم ; وَهِيَ رَاجِعَة إِلَى مَعْنَى قِرَاءَة الْجَمَاعَة إِذْ لَيْسَ الْمُرَاد نَفْس الْحَكَم , وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْحُكْم ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَفَحُكْم حَكَم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ , وَقَدْ يَكُون الْحَكَم وَالْحَاكِم فِي اللُّغَة وَاحِدًا وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْكَاهِن وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ حُكَّام الْجَاهِلِيَّة ; فَيَكُون الْمُرَاد بِالْحُكْمِ الشُّيُوع وَالْجِنْس , إِذْ لَا يُرَاد بِهِ حَاكِم بِعَيْنِهِ ; وَجَازَ وُقُوع الْمُضَاف جِنْسًا كَمَا جَازَ فِي قَوْلهمْ : مَنَعَتْ مِصْر إِرْدَبّهَا , وَشِبْهه , وَقَرَأَ اِبْن عَامِر " تَبْغُونَ " بِالتَّاءِ , الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ .



هَذَا اِسْتِفْهَام عَلَى جِهَة الْإِنْكَار بِمَعْنَى : لَا أَحَد أَحْسَن ; فَهَذَا اِبْتِدَاء وَخَبَر . و " حُكْمًا " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان . [ لِقَوْلِهِ ] " لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " أَيْ عِنْد قَوْم يُوقِنُونَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • بحوث ندوة الدعوة في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله

    بحوث ندوة الدعوة في عهد الملك عبد العزيز - رحمه الله - نظمت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في عام 1420 ندوة علمية تحت عنوان " الدعوة في عهد الملك عبد العزيز " انعقدت في الرياض في 23/ 2/1420 هـ، واستمرت خمسة أيام قدمت فيها بحوث قيمة استعرضت صفات الملك عبد العزيز - رحمه الله - التي كانت من الأسباب الرئيسية - بعد توفيق الله تعالى - في نجاحه في تأسيس الحكم على قواعد الإسلام، وتحدثت عن منهجه في الدعوة إلى الله، والأساليب التي اتخذها في هذا المضمار، وفي هذا الكتاب جمع لها. قدم له معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ - حفظه الله تعالى -، وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، والمشرف العام على مركز البحوث والدراسات الإسلامية.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111036

    التحميل:

  • المرتبع الأسنى في رياض الأسماء الحسنى

    المرتبع الأسنى في رياض الأسماء الحسنى : هذا الكتاب يتضمن ثلاثين باباً يتعلق بعلم الأسماء والصفات قام المؤلف بجمعها من كتب الإمام ابن القيم - رحمه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/285591

    التحميل:

  • التوحيد الميسر

    التوحيد الميسر: قال المؤلف - حفظه الله -: «فهذه نبذة نافعة، ومسائل جامعة، وفوائد ماتعة، في باب «التوحيد» الذي لا يقبل الله عملاً بدونه، ولا يرضى عن عبد إلا بتحقيقه. وقد ضمَّنت هذه «النبذة المختصرة» ضوابط وقواعد وتقاسيم تجمع للقارئ المتفرق، وتقيّد له الشارد، وترتب له العلم في ذهنه». - قدَّم للكتاب: 1- فضيلة الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - رحمه الله -. 2- فضيلة الشيخ: خالد بن عبد الله المصلح - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/354327

    التحميل:

  • المناظرات الفقهية

    المناظرات الفقهية : هذا الكتاب من إبداعات الشيخ - رحمه الله - حيث استعمل وسائل شتى لتقريب العلم لطلابه ومن يقرأ كتبه، ضمن كتابه مجموعة في المسائل الخلافية وعرضها على شكل مناظرة بين اثنين يدور الحوار بينها ويتم الاستدلال والمناقشة حتى ينتهي إلى أرجح القولين لقوة دليله ومأخذه، وقد تضمن الكتاب معان تربوية جليلة منها تعويد النفس الانقياد للحق ولو خالف مذهبا أو نحوه، ومنها بيان أن الاختلاف في الرأي لا يوجب القدح والعيب إلى غير ذلك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205546

    التحميل:

  • الآل والصحابة محبة وقرابة

    الآل والصحابة محبة وقرابة: إن المصاهرة بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في غاية الوضوح، ولا سيما بين ذرية الإمام علي - رضي الله عنه - وذرية الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -، وكذلك المصاهرة مشهورة بين بني أمية وبين بني هاشم قبل الإسلام وبعده وأشهرها زواج الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - من بنت أبي سفيان - رضي الله عنهم أجمعين - وفي هذه الرسالة معلقات ذات دلالة عميقة على العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب. - ملحوظة: أضفنا نسخة بجودة منخفضة تصلح للتصفح عن طريق الحاسب الآلي - الكمبيوتر -، ونسخة أخرى بجودة عالية تصلح للطباعة.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260223

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة