Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 5

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) (المائدة) mp3
أَيْ " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " و " الْيَوْم أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات " فَأَعَادَ تَأْكِيدًا أَيْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات الَّتِي سَأَلْتُمْ عَنْهَا ; وَكَانَتْ الطَّيِّبَات أُبِيحَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْل نُزُول هَذِهِ الْآيَة ; فَهَذَا جَوَاب سُؤَالهمْ إِذْ قَالُوا : مَاذَا أُحِلَّ لَنَا ؟ , وَقِيلَ : أَشَارَ بِذِكْرِ الْيَوْم إِلَى وَقْت مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُقَال : هَذِهِ أَيَّام فُلَان ; أَيْ هَذَا أَوَان ظُهُوركُمْ وَشُيُوع الْإِسْلَام ; فَقَدْ أَكْمَلْت بِهَذَا دِينكُمْ , وَأَحْلَلْت لَكُمْ الطَّيِّبَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الطَّيِّبَات فِي الْآيَة قَبْل هَذَا .


اِبْتِدَاء وَخَبَر , وَالطَّعَام اِسْم لِمَا يُؤْكَل وَالذَّبَائِح مِنْهُ , وَهُوَ هُنَا خَاصّ بِالذَّبَائِحِ عِنْد كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ , وَأَمَّا مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا مِنْ طَعَامهمْ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْت عُمُوم الْخِطَاب ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ " [ الْأَنْعَام : 121 ] , ثُمَّ اِسْتَثْنَى فَقَالَ : " وَطَعَام الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب حِلّ لَكُمْ " يَعْنِي ذَبِيحَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ ; وَإِنْ كَانَ النَّصْرَانِيّ يَقُول عِنْد الذَّبْح : بِاسْمِ الْمَسِيح وَالْيَهُودِيّ يَقُول : بِاسْمِ عُزَيْر ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ عَلَى الْمِلَّة , وَقَالَ عَطَاء : كُلْ مِنْ ذَبِيحَة النَّصْرَانِيّ وَإِنْ قَالَ بِاسْمِ الْمَسِيح ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَبَاحَ ذَبَائِحهمْ , وَقَدْ عَلِمَ مَا يَقُولُونَ , وَقَالَ الْقَاسِم بْن مُخَيْمِرَة : كُلْ مِنْ ذَبِيحَته وَإِنْ قَالَ بِاسْمِ سَرْجِس - اِسْم كَنِيسَة لَهُمْ - وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالشَّعْبِيّ وَمَكْحُول ; وَرُوِيَ عَنْ صَحَابِيَّيْنِ : عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَعُبَادَة بْن الصَّامِت . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِذَا سَمِعْت الْكِتَابِيّ يُسَمِّي غَيْر اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا تَأْكُل ; وَقَالَ بِهَذَا مِنْ الصَّحَابَة عَلِيّ وَعَائِشَة وَابْن عُمَر ; وَهُوَ قَوْل طَاوُس وَالْحَسَن مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق " [ الْأَنْعَام : 121 ] , وَقَالَ مَالِك : أَكْرَه ذَلِكَ , وَلَمْ يُحَرِّمهُ . قُلْت : الْعَجَب مِنْ الْكِيَا الطَّبَرِيّ الَّذِي حَكَى الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز ذَبِيحَة أَهْل الْكِتَاب , ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَدِلّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَقَالَ : وَلَا شَكّ أَنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ عَلَى الذَّبِيحَة إِلَّا الْإِلَه الَّذِي لَيْسَ مَعْبُودًا حَقِيقَة مِثْل الْمَسِيح وَعُزَيْر , وَلَوْ سَمَّوْا الْإِلَه حَقِيقَة لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتهمْ عَلَى طَرِيق الْعِبَادَة , وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيق آخَر ; وَاشْتِرَاط التَّسْمِيَة لَا عَلَى وَجْه الْعِبَادَة لَا يُعْقَل , وَوُجُود التَّسْمِيَة مِنْ الْكَافِر وَعَدَمهَا بِمَثَابَةٍ وَاحِدَة ; إِذَا لَمْ تُتَصَوَّر مِنْهُ الْعِبَادَة , وَلِأَنَّ النَّصْرَانِيّ إِنَّمَا يَذْبَح عَلَى اِسْم الْمَسِيح , وَقَدْ حَكَمَ اللَّه بِحِلِّ ذَبَائِحهمْ مُطْلَقًا , وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة لَا تُشْتَرَط أَصْلًا كَمَا يَقُول الشَّافِعِيّ , وَسَيَأْتِي مَا فِي هَذَا لِلْعُلَمَاءِ فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ مَا لَا يَحْتَاج إِلَى ذَكَاة كَالطَّعَامِ الَّذِي لَا مُحَاوَلَة فِيهِ كَالْفَاكِهَةِ وَالْبُرّ جَائِز أَكْله ; إِذْ لَا يَضُرّ فِيهِ تَمَلُّك أَحَد . وَالطَّعَام الَّذِي تَقَع فِيهِ مُحَاوَلَة عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدهمَا : مَا فِيهِ مُحَاوَلَة صَنْعَة لَا تَعَلُّق لِلدِّينِ بِهَا ; كَخَبْزِ الدَّقِيق , وَعَصْر الزَّيْت وَنَحْوه ; فَهَذَا إِنْ تُجُنِّبَ مِنْ الذِّمِّيّ فَعَلَى وَجْه التَّقَزُّز , وَالضَّرْب الثَّانِي : هِيَ التَّذْكِيَة الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْتَاج إِلَى الدِّين وَالنِّيَّة ; فَلَمَّا كَانَ الْقِيَاس أَلَّا تَجُوز ذَبَائِحهمْ - كَمَا نَقُول إِنَّهُمْ لَا صَلَاة لَهُمْ وَلَا عِبَادَة مَقْبُولَة - رَخَّصَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَبَائِحهمْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة , وَأَخْرَجَهَا النَّصّ عَنْ الْقِيَاس عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس ; وَاللَّه أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيْضًا فِيمَا ذَكَّوْهُ هَلْ تَعْمَل الذَّكَاة فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ; فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا عَامِلَة فِي كُلّ الذَّبِيحَة مَا حَلَّ لَهُ مِنْهَا وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ مُذَكًّى , وَقَالَتْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : إِنَّمَا حَلَّ لَنَا مِنْ ذَبِيحَتهمْ مَا حَلَّ لَهُمْ ; لِأَنَّ مَا لَا يَحِلّ لَهُمْ لَا تَعْمَل فِيهِ تَذْكِيَتهمْ ; فَمَنَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَة الطَّرِيف وَالشُّحُوم الْمَحْضَة مِنْ ذَبَائِح أَهْل الْكِتَاب ; وَقَصَرَتْ لَفْظ الطَّعَام عَلَى الْبَعْض , وَحَمَلَتْهُ الْأُولَى عَلَى الْعُمُوم فِي جَمِيع مَا يُؤْكَل , وَهَذَا الْخِلَاف مَوْجُود فِي مَذْهَب مَالِك . قَالَ أَبُو عُمَر : وَكَرِهَ مَالِك شُحُوم الْيَهُود وَأَكْل مَا نَحَرُوا مِنْ الْإِبِل , وَأَكْثَرُ أَهْل الْعِلْم لَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا ; وَسَيَأْتِي هَذَا فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ; وَكَانَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه يَكْرَه مَا ذَبَحُوهُ إِذَا وُجِدَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِم , وَكَرِهَ أَنْ يَكُون لَهُمْ أَسْوَاق يَبِيعُونَ فِيهَا مَا يَذْبَحُونَ ; وَهَذَا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّه تَنَزُّه . وَأَمَّا الْمَجُوس فَالْعُلَمَاء مُجْمِعُونَ - إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ - عَلَى أَنَّ ذَبَائِحهمْ لَا تُؤْكَل , وَلَا يُتَزَوَّج مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْل كِتَاب عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْعُلَمَاء , وَلَا بَأْس بِأَكْلِ طَعَام مَنْ لَا كِتَاب لَهُ كَالْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَة الْأَوْثَان مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَبَائِحهمْ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَكَاة ; إِلَّا الْجُبْن ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِنْفَحَة الْمَيْتَة . فَإِنْ كَانَ أَبُو الصَّبِيّ مَجُوسِيًّا وَأُمّه كِتَابِيَّة فَحُكْمه حُكْم أَبِيهِ عِنْد مَالِك , وَعِنْد غَيْره لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الصَّبِيّ إِذَا كَانَ أَحَد أَبَوَيْهِ مِمَّنْ لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته . وَأَمَّا ذَبِيحَة نَصَارَى بَنِي تَغْلِب وَذَبَائِح كُلّ دَخِيل فِي الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة فَكَانَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَنْهَى عَنْ ذَبَائِح بَنِي تَغْلِب ; لِأَنَّهُمْ عَرَب , وَيَقُول : إِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنْ النَّصْرَانِيَّة إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْر ; وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ ; وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ يُنْهَى عَنْ ذَبَائِح النَّصَارَى الْمُحَقَّقِينَ مِنْهُمْ , وَقَالَ جُمْهُور الْأُمَّة : إِنَّ ذَبِيحَة كُلّ نَصْرَانِيّ حَلَال ; سَوَاء كَانَ مِنْ بَنِي تَغْلِب أَوْ غَيْرهمْ , وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيّ , وَاحْتَجَّ اِبْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ " [ الْمَائِدَة : 51 ] , فَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَنُو تَغْلِب مِنْ النَّصَارَى إِلَّا بِتَوَلِّيهِمْ إِيَّاهُمْ لَأُكِلَتْ ذَبَائِحهمْ . وَلَا بَأْس بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب وَالطَّبْخ فِي آنِيَة الْكُفَّار كُلّهمْ , مَا لَمْ تَكُنْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّة أَوْ جِلْد خِنْزِير بَعْد أَنْ تُغْسَل وَتُغْلَى ; لِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّوْنَ النَّجَاسَات وَيَأْكُلُونَ الْمَيْتَات ; فَإِذَا طَبَخُوا فِي تِلْكَ الْقُدُور تَنَجَّسَتْ , وَرُبَّمَا سَرَتْ النَّجَاسَات فِي أَجْزَاء قُدُور الْفَخَّار ; فَإِذَا طُبِخَ فِيهَا بَعْد ذَلِكَ تُوُقِّعَ مُخَالَطَة تِلْكَ الْأَجْزَاء النَّجِسَة لِلْمَطْبُوخِ فِي الْقِدْر ثَانِيَة ; فَاقْتَضَى الْوَرَع الْكَفّ عَنْهَا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ الْإِنَاء مِنْ نُحَاس أَوْ حَدِيد غُسِلَ , وَإِنْ كَانَ مِنْ فَخَّار أُغْلِيَ فِيهِ الْمَاء ثُمَّ غُسِلَ - هَذَا إِذَا اُحْتِيجَ إِلَيْهِ - وَقَالَهُ مَالِك ; فَأَمَّا مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ لِغَيْرِ الطَّبْخ فَلَا بَأْس بِاسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْر غَسْل ; لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عُمَر أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ بَيْت نَصْرَانِيّ فِي حُقّ نَصْرَانِيَّة ; وَهُوَ صَحِيح وَسَيَأْتِي فِي " الْفُرْقَان " بِكَمَالِهِ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ قَالَ أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم مِنْ أَهْل كِتَاب نَأْكُل فِي آنِيَتهمْ , وَأَرْض صَيْد , أَصِيد بِقَوْسِي وَأَصِيد بِكَلْبِي الْمُعَلَّم , وَأَصِيد بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ ; فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : ( أَمَّا مَا ذَكَرْت أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْم مِنْ أَهْل كِتَاب تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتهمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْر آنِيَتهمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا ) ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث .

دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِتَفَاصِيل شَرْعنَا ; أَيْ إِذَا اِشْتَرَوْا مِنَّا اللَّحْم يَحِلّ لَهُمْ اللَّحْم وَيَحِلّ لَنَا الثَّمَن الْمَأْخُوذ مِنْهُمْ .



الْآيَة . قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي " الْبَقَرَة " و " النِّسَاء " وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب " . هُوَ عَلَى الْعَهْد دُون دَار الْحَرْب فَيَكُون خَاصًّا , وَقَالَ غَيْره : يَجُوز نِكَاح الذِّمِّيَّة وَالْحَرْبِيَّة لِعُمُومِ الْآيَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : " الْمُحْصَنَات " الْعَفِيفَات الْعَاقِلَات , وَقَالَ الشَّعْبِيّ : هُوَ أَنْ تُحْصِن فَرْجهَا فَلَا تَزْنِي , وَتَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة , وَقَرَأَ الشَّعْبِيّ " وَالْمُحْصِنَات " بِكَسْرِ الصَّاد , وَبِهِ قَرَأَ الْكِسَائِيّ , وَقَالَ مُجَاهِد : " الْمُحْصَنَات " الْحَرَائِر ; قَالَ أَبُو عُبَيْد : يَذْهَب إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ نِكَاح إِمَاء أَهْل الْكِتَاب ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ فَتَيَاتكُمْ الْمُؤْمِنَات " [ النِّسَاء : 25 ] وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي عَلَيْهِ جُلَّة الْعُلَمَاء .



قِيلَ : لَمَّا قَالَ تَعَالَى : " وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب " قَالَ نِسَاء أَهْل الْكِتَاب : لَوْلَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى رَضِيَ دِيننَا لَمْ يُبِحْ لَكُمْ نِكَاحنَا ; فَنَزَلَتْ " وَمَنْ يَكْفُر بِالْإِيمَانِ " أَيْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد . وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم : الْبَاء صِلَة ; أَيْ وَمَنْ يَكْفُر الْإِيمَان أَيْ يَجْحَدهُ



وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " فَقَدْ حَبَطَ " بِفَتْحِ الْبَاء , وَقِيلَ : لَمَّا ذُكِرَتْ فَرَائِض وَأَحْكَام يَلْزَم الْقِيَام بِهَا , ذُكِرَ الْوَعِيد عَلَى مُخَالَفَتهَا ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْكِيد الزَّجْر عَنْ تَضْيِيعهَا , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد أَنَّ الْمَعْنَى : وَمَنْ يَكْفُر بِاَللَّهِ ; قَالَ الْحَسَن بْن الْفَضْل : إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَمَعْنَاهَا بِرَبِّ الْإِيمَان . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ : وَلَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى اللَّه إِيمَانًا خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّة ; لِأَنَّ الْإِيمَان مَصْدَر آمَنَ يُؤْمِن إِيمَانًا , وَاسْم الْفَاعِل مِنْهُ مُؤْمِن ; وَالْإِيمَان التَّصْدِيق , وَالتَّصْدِيق لَا يَكُون إِلَّا كَلَامًا , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْبَارِي تَعَالَى كَلَامًا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من محاسن الدين الإسلامي

    من محاسن الدين الإسلامي: بين الشيخ - رحمه الله - بعض محاسن الدين الإسلامي، وهذا الكتاب جزء من كتاب موارد الظمآن لدروس الزمان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2559

    التحميل:

  • المستفاد على لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    هذه فوائد مستفادة من كتب أئمة السلف وأتباعهم بإحسان جمعها المؤلف حين تدريسه رسالة لمعة الاعتقاد لبعض الطلبة. وتتناول اللمعة معظم موضوعات الاعتقاد بإيجاز، وقد فصل الشارح ما أجمله الماتن، وقيد مطلقه، وأوضح ما قد يكون غامضاً، وجعل الشرح بحاشية الرسالة.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313421

    التحميل:

  • اصبر واحتسب

    اصبر واحتسب: قال المصنف - حفظه الله -: «في هذه الدنيا سهام المصائب مُشرعة ورماح البلاء مُعدةً مرسلة.. فإننا في دار ابتلاء وامتحان ونكد وأحزان. وقد بلغ الضعف والوهن ببعضنا إلى التجزع والتسخط من أقدار الله.. فأضحى الصابرون الشاكرون الحامدون هم القلة القليلة. وهذا هو الجزء الرابع من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» نرى فيه كيف كان رضا وصبر وشكر من كانوا قبلنا وقد ابتُلِي بعضهم بأشد مما يُصيبنا. وهذا الكتاب فيه تعزية للمُصاب وتسلية للمُبتلى وإعانة على الصبر والاحتساب».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229619

    التحميل:

  • الدين الصحيح يحل جميع المشاكل

    الدين الصحيح يحل جميع المشاكل: كتيب بين فيه المصنف - رحمه الله - بعض محاسن الدين الإسلامي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2132

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ الشكر ]

    لمّا كان الإيمان نصفين: نصف شكر ونصف صبر. كان حقيقاً على من نصح نفسه واحب نجاتها وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين; ولا يعدل عن هذين الطريقين القاصدين; وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين ليجعله الله يوم لقائه في خير الفريقين.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340023

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة