Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 49

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) (المائدة) mp3
تَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهَا , وَأَنَّهَا نَاسِخَة لِلتَّخْيِيرِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَة ; فَإِنَّ شُرُوط النَّسْخ أَرْبَعَة : مِنْهَا مَعْرِفَة التَّارِيخ بِتَحْصِيلِ الْمُتَقَدِّم وَالْمُتَأَخِّر , وَهَذَا مَجْهُول مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ; فَامْتَنَعَ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ وَاحِدَة مِنْهُمَا نَاسِخَة لِلْأُخْرَى , وَبَقِيَ الْأَمْر عَلَى حَاله . قُلْت : قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي جَعْفَر النَّحَّاس أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مُتَأَخِّرَة فِي النُّزُول ; فَتَكُون نَاسِخَة إِلَّا أَنْ يُقَدَّر فِي الْكَلَام " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " إِنْ شِئْت ; لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر التَّخْيِير لَهُ , فَآخِر الْكَلَام حُذِفَ التَّخْيِيرُ مِنْهُ لِدَلَالَةِ الْأَوَّل عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَيْهِ , فَحُكْم التَّخْيِير كَحُكْمِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ , فَهُمَا شَرِيكَانِ وَلَيْسَ الْآخَر بِمُنْقَطِعٍ مِمَّا قَبْله ; إِذْ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ وَلَا يَصِحّ , فَلَا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُون قَوْله : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْله مِنْ قَوْله : " وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ " وَمِنْ قَوْله : " فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " فَمَعْنَى " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " أَيْ اُحْكُمْ بِذَلِكَ إِنْ حَكَمْت وَاخْتَرْت الْحُكْم ; فَهُوَ كُلّه مُحْكَم غَيْر مَنْسُوخ , لِأَنَّ النَّاسِخ لَا يَكُون مُرْتَبِطًا بِالْمَنْسُوخِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ , فَالتَّخْيِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مُحْكَم غَيْر مَنْسُوخ , قَالَهُ مَكِّيّ رَحِمَهُ اللَّه . " وَأَنْ اُحْكُمْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى الْكِتَاب ; أَيْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك أَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , أَيْ بِحُكْمِ اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْك فِي كِتَابه .



" أَنْ " بَدَلٌ مِنْ الْهَاء وَالْمِيم فِي " وَاحْذَرْهُمْ " وَهُوَ بَدَل اِشْتِمَال . أَوْ مَفْعُول مِنْ أَجْله ; أَيْ مِنْ أَجْل أَنْ يَفْتِنُوك , وَعَنْ اِبْن إِسْحَاق قَالَ اِبْن عَبَّاس : اِجْتَمَعَ قَوْم مِنْ الْأَحْبَار مِنْهُمْ اِبْن صُورِيَّا وَكَعْب بْن أَسَد وَابْن صَلُوبَا وَشَأْس بْن عَدِيّ وَقَالُوا : اِذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّد فَلَعَلَّنَا نَفْتِنهُ عَنْ دِينه فَإِنَّمَا هُوَ بَشَر ; فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : قَدْ عَرَفْت يَا مُحَمَّد أَنَّا أَحْبَار الْيَهُود , وَإِنْ اِتَّبَعْنَاك لَمْ يُخَالِفنَا أَحَد مِنْ الْيَهُود , وَإِنَّ بَيْننَا وَبَيْن قَوْم خُصُومَة فَنُحَاكِمهُمْ إِلَيْك , فَاقْضِ لَنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نُؤْمِن بِك ; فَأَبَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَأَصْل الْفِتْنَة الِاخْتِبَار حَسْبَمَا تَقَدَّمَ , ثُمَّ يَخْتَلِف مَعْنَاهَا ; فَقَوْله تَعَالَى هُنَا " يَفْتِنُوك " مَعْنَاهُ يَصُدُّوك وَيَرُدُّوك ; وَتَكُون الْفِتْنَة بِمَعْنَى الشِّرْك ; وَمِنْهُ قَوْله : " وَالْفِتْنَة أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْل " [ الْبَقَرَة : 217 ] وَقَوْله : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة " [ الْأَنْفَال : 39 ] , وَتَكُون الْفِتْنَة بِمَعْنَى الْعِبْرَة ; كَقَوْلِهِ : " لَا تَجْعَلنَا فِتْنَة لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " [ يُونُس : 85 ] . و " لَا تَجْعَلنَا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا " [ الْمُمْتَحِنَة : 5 ] , وَتَكُون الْفِتْنَة الصَّدّ عَنْ السَّبِيل كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَتَكْرِير " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " لِلتَّأْكِيدِ , أَوْ هِيَ أَحْوَال وَأَحْكَام أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُم فِي كُلّ وَاحِد بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز النِّسْيَان عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ قَالَ : " أَنْ يَفْتِنُوك " وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ عَنْ نِسْيَان لَا عَنْ تَعَمُّد . وَقِيلَ : الْخِطَاب لَهُ وَالْمُرَاد غَيْره , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى



عَنْ كُلّ مَا أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْك , وَالْبَعْض يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الْكُلّ قَالَ الشَّاعِر : أَوْ يَعْتَبِطَ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا وَيُرْوَى أَوْ يَرْتَبِط . أَرَادَ كُلّ النُّفُوس ; وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى : " وَلِأُبَيِّن لَكُمْ بَعْض الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ " [ الزُّخْرُف : 63 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيح أَنَّ " بَعْض " عَلَى حَالهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الرَّجْم أَوْ الْحُكْم الَّذِي كَانُوا أَرَادُوهُ وَلَمْ يَقْصِدُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ الْكُلّ , وَاللَّه أَعْلَمُ .



أَيْ فَإِنْ أَبَوْا حُكْمك وَأَعْرَضُوا عَنْهُ



أَيْ يُعَذِّبهُمْ بِالْجَلَاءِ وَالْجِزْيَة وَالْقَتْل , وَكَذَلِكَ كَانَ , وَإِنَّمَا قَالَ : " بِبَعْضِ " لِأَنَّ الْمُجَازَاة بِالْبَعْضِ كَانَتْ كَافِيَة فِي التَّدْمِير عَلَيْهِمْ .



يَعْنِي الْيَهُود .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حياة المرضيين

    حياة المرضيين : إن شباب المسلمين في أشد ما يكونون اليوم حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكرم معدنهم وأثر تربية رسول الله فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي الفذ في تاريخ البشر، لذا كانت هذه الرسالة والتي بينت بعض فضائل الصحابة رضي الله عنهم.

    الناشر: موقع عقيده http://www.aqeedeh.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/287315

    التحميل:

  • مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة [ المفهوم والخصائص ]

    بيان مفهوم عقيدة أهل السنة والجماعة وخصائصها.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172692

    التحميل:

  • تيسير الوصول إلى ثلاثة الأصول

    ثلاثة الأصول وأدلتها : رسالة مختصرة ونفيسة تحتوي على الأصول الواجب على الإنسان معرفتها من معرفة العبد ربه, وأنواع العبادة التي أمر الله بها، ومعرفة العبد دينه، ومراتب الدين، وأركان كل مرتبة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نبذة من حياته، والحكمة من بعثته، والإيمان بالبعث والنشور، وركنا التوحيد وهما الكفر بالطاغوت,والإيمان بالله، وقد قام بشرحها فضيلة الشيخ عبد المحسن القاسم - حفظه الله -، وقسم الشرح على دروس ليسهل دراستها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2395

    التحميل:

  • كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف: «فهذه رسالة مختصرة في كيفية دعوة الملحدين إلى الله تعالى، بيَّنتُ فيها بإيجاز الأساليبَ والطرقَ في كيفية دعوتهم إلى اللَّه تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338049

    التحميل:

  • طالب الإبتدائي في رحاب الآل والأصحاب

    طالب الإبتدائي في رحاب الآل والأصحاب : كتاب مصور مناسب للأطفال يساعدهم في التعرف على الآل والأصحاب.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260225

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة