Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 48

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) (المائدة) mp3
الْخِطَاب لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْكِتَاب " الْقُرْآن



أَيْ هُوَ بِالْأَمْرِ الْحَقّ


حَال


أَيْ مِنْ جِنْس الْكُتُب



أَيْ عَالِيًا عَلَيْهِ وَمُرْتَفِعًا , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَأْوِيل مَنْ يَقُول بِالتَّفْضِيلِ أَيْ فِي كَثْرَة الثَّوَاب , عَلَى مَا تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي " الْفَاتِحَة " وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن الْحَصَّار فِي كِتَاب شَرْح السُّنَّة لَهُ , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابنَا فِي شَرْح الْأَسْمَاء الْحُسْنَى وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَقَالَ قَتَادَة : الْمُهَيْمِن مَعْنَاهُ الشَّاهِد , وَقِيلَ : الْحَافِظ , وَقَالَ الْحَسَن : الْمُصَدِّق ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : إِنَّ الْكِتَاب مُهَيْمِن لِنَبِيِّنَا وَالْحَقّ يَعْرِفهُ ذَوُو الْأَلْبَابِ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ " أَيْ مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : الْقُرْآن مُؤْتَمَن عَلَى مَا قَبْله مِنْ الْكُتُب , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن أَيْضًا : الْمُهَيْمِن الْأَمِين . قَالَ الْمُبَرِّد : أَصْله مُؤَيْمِن أُبْدِلَ مِنْ الْهَمْزَة هَاء ; كَمَا قِيلَ فِي أَرَقْت الْمَاء هَرَقْت , وَقَالَهُ الزَّجَّاج أَيْضًا وَأَبُو عَلِيّ , وَقَدْ صُرِفَ فَقِيلَ : هَيْمَنَ يُهَيْمِن هَيْمَنَة , وَهُوَ مُهَيْمِنٌ بِمَعْنَى كَانَ أَمِينًا . الْجَوْهَرِيّ : هُوَ مَنْ آمَنَ غَيْره مِنْ الْخَوْف ; وَأَصْله أَأْمَنَ فَهُوَ مُؤَأْمَنٌ بِهَمْزَتَيْنِ , قُلِبَتْ الْهَمْزَة الثَّانِيَة يَاء كَرَاهَة لِاجْتِمَاعِهِمَا فَصَارَ مُؤَيْمَن , ثُمَّ صُيِّرَتْ الْأُولَى هَاء كَمَا قَالُوا : هَرَاقَ الْمَاء وَأَرَاقَهُ ; يُقَال مِنْهُ : هَيْمَنَ عَلَى الشَّيْء يُهَيْمِن إِذَا كَانَ لَهُ حَافِظًا , فَهُوَ مُهَيْمِن ; عَنْ أَبِي عُبَيْد , وَقَرَأَ مُجَاهِد وَابْن مُحَيْصِن : " وَمُهَيْمَنًا عَلَيْهِ " بِفَتْحِ الْمِيم . قَالَ مُجَاهِد : أَيْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْتَمَن عَلَى الْقُرْآن .



يُوجِب الْحُكْم ; فَقِيلَ : هَذَا نَسْخ لِلتَّخْيِيرِ فِي قَوْله : " فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " وَقِيلَ : لَيْسَ هَذَا وُجُوبًا , وَالْمَعْنَى : فَاحْكُمْ بَيْنهمْ إِنْ شِئْت ; إِذْ لَا يَجِب عَلَيْنَا الْحُكْم بَيْنهمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الذِّمَّة , وَفِي أَهْل الذِّمَّة تَرَدُّد وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهِ , وَقِيلَ : أَرَادَ فَاحْكُمْ بَيْن الْخَلْق ; فَهَذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ .



يَعْنِي لَا تَعْمَل بِأَهْوَائِهِمْ وَمُرَادهمْ عَلَى مَا جَاءَك مِنْ الْحَقّ ; يَعْنِي لَا تَتْرُك الْحُكْم بِمَا بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْقُرْآن مِنْ بَيَان الْحَقّ وَبَيَان الْأَحْكَام . وَالْأَهْوَاء جَمْع هَوًى ; وَلَا يُجْمَع أَهْوِيَة ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . فَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَتَّبِعهُمْ فِيمَا يُرِيدُونَهُ ; وَهُوَ يَدُلّ عَلَى بُطْلَان قَوْل مَنْ قَالَ : تُقَوَّم الْخَمْر عَلَى مَنْ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا لَهُمْ فَتَكُون مَضْمُونَة عَلَى مُتْلِفهَا ; لِأَنَّ إِيجَاب ضَمَانهَا عَلَى مُتْلِفهَا حُكْم بِمُوجَبِ أَهْوَاء الْيَهُود ; وَقَدْ أُمِرْنَا بِخِلَافِ ذَلِكَ .



عَلَى مَا جَاءَك



يَدُلّ عَلَى عَدَم التَّعَلُّق بِشَرَائِع الْأَوَّلِينَ . وَالشِّرْعَة وَالشَّرِيعَة الطَّرِيقَة الظَّاهِرَة الَّتِي يُتَوَصَّل بِهَا إِلَى النَّجَاة , وَالشَّرِيعَة فِي اللُّغَة : الطَّرِيق الَّذِي يُتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى الْمَاء , وَالشَّرِيعَة مَا شَرَعَ اللَّه لِعِبَادِهِ مِنْ الدِّين ; وَقَدْ شَرَعَ لَهُمْ يَشْرَع شَرْعًا أَيْ سَنَّ , وَالشَّارِع الطَّرِيق الْأَعْظَم , وَالشِّرْعَة أَيْضًا الْوَتَر , وَالْجَمْع شِرَعٌ وَشِرَاعٌ جَمْع الْجَمْع ; عَنْ أَبِي عُبَيْد ; فَهُوَ مُشْتَرَك , وَالْمِنْهَاج الطَّرِيق الْمُسْتَمِرّ , وَهُوَ النَّهْج وَالْمَنْهَج , أَيْ الْبَيِّن ; قَالَ الرَّاجِز : مَنْ يَكُ ذَا شَكٍّ فَهَذَا فَلْجُ مَاءٌ رَوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَزِيد : الشَّرِيعَة اِبْتِدَاء الطَّرِيق ; الْمِنْهَاج الطَّرِيق الْمُسْتَمِرّ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَغَيْرهمَا " شِرْعَة وَمِنْهَاجًا " سُنَّة وَسَبِيلًا , وَمَعْنَى الْآيَة أَنَّهُ جَعَلَ التَّوْرَاة لِأَهْلِهَا ; وَالْإِنْجِيل لِأَهْلِهِ ; وَالْقُرْآن لِأَهْلِهِ ; وَهَذَا فِي الشَّرَائِع وَالْعِبَادَات ; وَالْأَصْل التَّوْحِيد لَا اِخْتِلَاف فِيهِ ; رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ قَتَادَة , وَقَالَ مُجَاهِد : الشِّرْعَة وَالْمِنْهَاج دِين مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام ; وَقَدْ نُسِخَ بِهِ كُلّ مَا سِوَاهُ .



أَيْ لَجَعَلَ شَرِيعَتكُمْ وَاحِدَة فَكُنْتُمْ عَلَى الْحَقّ ; فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالِاخْتِلَافِ إِيمَان قَوْم وَكُفْر قَوْم .



فِي الْكَلَام حَذْف تَتَعَلَّق بِهِ لَام كَيْ ; أَيْ وَلَكِنْ جَعَلَ شَرَائِعكُمْ مُخْتَلِفَة لِيَخْتَبِرَكُمْ ; وَالِابْتِلَاء الِاخْتِبَار .



أَيْ سَارِعُوا إِلَى الطَّاعَات ; وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ تَقْدِيم الْوَاجِبَات أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرهَا , وَذَلِكَ لَا اِخْتِلَاف فِيهِ فِي الْعِبَادَات كُلّهَا إِلَّا فِي الصَّلَاة فِي أَوَّل الْوَقْت ; فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَة يَرَى أَنَّ الْأَوْلَى تَأْخِيرهَا , وَعُمُوم الْآيَة دَلِيل عَلَيْهِ ; قَالَهُ الْكِيَا , وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّوْم فِي السَّفَر أَوْلَى مِنْ الْفِطْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيع هَذَا فِي " الْبَقَرَة "



أَيْ بِمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ , وَتَزُول الشُّكُوك .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

    حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ونماذج من رسائله، وشهادات علماء الحرمين له : تتكون هذه الرسالة من الفصول التالية: الفصل الأول: حال العالم الإسلامي قبل دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب. الفصل الثاني: حقيقة دعوة الإمام المجدِّد محمد بن عبدالوهاب. الفصل الثالث: في بيان الجانب السياسي لدعوة الإمام. الفصل الرابع: في بيان الإمام لعقيدته التي يدين الله بها ومنهجه في الدعوة إلى الله تعالى. الفصل الخامس: من البراهين على صحة دعوة الإمام، وأنها تجديد لدين الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/268331

    التحميل:

  • تقريرات ابن تيمية في بيان ما يشكل من الرسالة التدمرية

    الرسالة التدمرية : تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية المتوفي سنة (827هـ) - رحمه الله تعالى -، - سبب كتابتها ما ذكره شيخ الإسلام في مقدمتها بقوله: " أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات وفي الشرع والقدر. - جعل كلامه في هذه الرسالة مبنياً على أصلين: الأصل الأول: توحيد الصفات، قدم له مقدمة ثم ذكر أصلين شريفين ومثلين مضروبين وخاتمة جامعة اشتملت على سبع قواعد يتبين بها ما قرره في مقدمة هذا الأصل. الأصل الثاني: توحيد العبادة المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً. - والذين سألوا الشيخ أن يكتب لهم مضمون ما سمعوا منه من أهل تدمر - فيما يظهر - وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص، وهذا وجه نسبة الرسالة إليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322229

    التحميل:

  • فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: معنى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلّم - وفضلِها وبيان كيفيتها، مع ذكر نماذجَ من الكتب المؤلفة في هذه العبادة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2157

    التحميل:

  • صور من حياة التابعين

    صور من حياة التابعين : هذا الكتاب يعرض صورًا واقعية مشرقة من حياة مجموعة من أعلام التَّابعين الذين عاشوا قريبًا من عصر النبوة، وتتلمذوا على أيدي رجال المدرسة المحمدية الأولى… فإذا هم صورة لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رسوخ الإيمان، والتعالي عن عَرَض الدنيا، والتفاني في مرضاة الله… وآانوا حلقة مُحكمة مُؤثرة بين جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - وجيل أئمة المذاهب ومَنْ جاء بعدهم. وقد قسمهم علماء الحديث إلى طبقات، أولهم مَنْ لَحِقَ العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم مَنْ لَقِيَ صغار الصَّحَابة أو مَنْ تأخرت وفاتهم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/228871

    التحميل:

  • طريق التعلم وأسباب فهم الدروس

    طريق التعلم وأسباب فهم الدروس : لما كان العلم بهذه المرتبة العالية وكان له أبواب يدخل إليها منها ومفاتيح تفتح بها أبواب وأسباب تعين عليه أحببت أن أذكر إخواني المسلمين من المدرسين والمدرسات والطلبة والطالبات بما تيسر من تلك الأسباب لعلهم أن يستفيدوا منها ولعلها أن تعينهم على طلب العلم وتعلمه وتعليمه إذا قرءوها وعملوا بها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209003

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة