Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 42

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) (المائدة) mp3
أَيْ هُمْ سَمَّاعُونَ , وَمِثْله " طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ " [ النُّور : 58 ] لِلْكَذِبِ , أَيْ قَابِلُونَ لِكَذِبِ رُؤَسَائِهِمْ مِنْ تَحْرِيف التَّوْرَاة , وَقِيلَ : أَيْ يَسْمَعُونَ كَلَامك يَا مُحَمَّد لِيَكْذِبُوا عَلَيْك , فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَحْضُر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَكْذِب عَلَيْهِ عِنْد عَامَّتهمْ , وَيُقَبِّح صُورَته فِي أَعْيُنهمْ ; كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا وَتَفْخِيمًا



عَلَى التَّكْثِير , وَالسُّحْت فِي اللُّغَة أَصْله الْهَلَاك وَالشِّدَّة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ " , وَقَالَ الْفَرَزْدَق : وَعَضَّ زَمَانٌ يَا بْن مَرْوَان لَمْ يَدَعْ مِنْ الْمَال إِلَّا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفَا كَذَا الرِّوَايَة . أَوْ مُجَلَّفُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَى لَمْ يَدَع لَمْ يَبْقَ . وَيُقَال لِلْحَالِقِ : أَسْحَتَ أَيْ اِسْتَأْصَلَ , وَسُمِّيَ الْمَال الْحَرَام سُحْتًا لِأَنَّهُ يَسْحَت الطَّاعَات أَيْ يُذْهِبهَا وَيَسْتَأْصِلهَا , وَقَالَ الْفَرَّاء : أَصْله كَلَب الْجُوع , يُقَال رَجُل مَسْحُوت الْمَعِدَة أَيْ أَكُول ; فَكَأَنَّ بِالْمُسْتَرْشِي وَآكِل الْحَرَام مِنْ الشَّرَه إِلَى مَا يُعْطَى مِثْلَ الَّذِي بِالْمَسْحُوتِ الْمَعِدَة مِنْ النَّهَم , وَقِيلَ : سُمِّيَ الْحَرَام سُحْتًا لِأَنَّهُ يَسْحَت مُرُوءَة الْإِنْسَان . قُلْت : وَالْقَوْل الْأَوَّل أَوْلَى ; لِأَنَّ بِذَهَابِ الدِّين تَذْهَب الْمُرُوءَة , وَلَا مُرُوءَة لِمَنْ لَا دِين لَهُ . قَالَ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره : السُّحْت الرِّشَا , وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : رِشْوَة الْحَاكِم مِنْ السُّحْت , وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( كُلّ لَحْم نَبَتَ بِالسُّحْتِ فَالنَّار أَوْلَى بِهِ ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه ; وَمَا السُّحْت ؟ قَالَ : ( الرِّشْوَة فِي الْحُكْم ) , وَعَنْ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : السُّحْت أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل لِأَخِيهِ حَاجَة فَيُهْدِيَ إِلَيْهِ هَدِيَّة فَيَقْبَلهَا , وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : مِنْ السُّحْت أَنْ يَأْكُل الرَّجُل بِجَاهِهِ , وَذَلِكَ أَنْ يَكُون لَهُ جَاه عِنْد السُّلْطَان فَيَسْأَلهُ إِنْسَان حَاجَة فَلَا يَقْضِيهَا إِلَّا بِرِشْوَةٍ يَأْخُذهَا , وَلَا خِلَاف بَيْن السَّلَف أَنَّ أَخْذَ الرِّشْوَة عَلَى إِبْطَال حَقّ أَوْ مَا لَا يَجُوز سُحْت حَرَام , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا اِرْتَشَى الْحَاكِم اِنْعَزَلَ فِي الْوَقْت وَإِنْ لَمْ يُعْزَل , وَبَطَلَ كُلّ حُكْم حَكَمَ بِهِ بَعْد ذَلِكَ . قُلْت : وَهَذَا لَا يَجُوز أَنْ يُخْتَلَف فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه ; لِأَنَّ أَخْذ الرِّشْوَة مِنْهُ فِسْق , وَالْفَاسِق لَا يَجُوز حُكْمه . وَاللَّه أَعْلَمُ , وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( لَعَنَ اللَّه الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ ) , وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : السُّحْت الرِّشْوَة وَحُلْوَان الْكَاهِن وَالِاسْتِجْعَال فِي الْقَضِيَّة , وَرُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : الرِّشْوَة حَرَام فِي كُلّ شَيْء ؟ فَقَالَ : لَا ; إِنَّمَا يُكْرَه مِنْ الرِّشْوَة أَنْ تَرْشِيَ لِتُعْطَى مَا لَيْسَ لَك , أَوْ تَدْفَع حَقًّا قَدْ لَزِمَك ; فَأَمَّا أَنْ تَرْشِي لِتَدْفَع عَنْ دِينك وَدَمك وَمَالك فَلَيْسَ بِحَرَامٍ . قَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ الْفَقِيه : وَبِهَذَا نَأْخُذ ; لَا بَأْس بِأَنْ يَدْفَع الرَّجُل عَنْ نَفْسه وَمَاله بِالرِّشْوَةِ . وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ بِالْحَبَشَةِ فَرَشَا دِينَارَيْنِ وَقَالَ : إِنَّمَا الْإِثْم عَلَى الْقَابِض دُون الدَّافِع ; قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ جَعَلَ كَسْب الْحَجَّام وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ سُحْتًا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْحَت مُرُوءَة آخِذه . قُلْت : الصَّحِيح فِي كَسْب الْحَجَّام أَنَّهُ طَيِّب , وَمَنْ أَخَذَ طَيِّبًا لَا تَسْقُط مُرُوءَته وَلَا تَنْحَطّ مَرْتَبَته , وَقَدْ رَوَى مَالِك عَنْ حُمَيْد الطَّوِيل عَنْ أَنَس أَنَّهُ قَالَ : اِحْتَجَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَجَمَهُ أَبُو طَيِّبَة فَأَمَرَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْر وَأَمَرَ أَهْله أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجه ; قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ كَسْب الْحَجَّام طَيِّب ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْعَل ثَمَنًا وَلَا جُعْلًا وَلَا عِوَضًا لِشَيْءٍ مِنْ الْبَاطِل , وَحَدِيث أَنَس هَذَا نَاسِخ لِمَا حَرَّمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثَمَن الدَّم , وَنَاسِخ لِمَا كَرِهَهُ مِنْ إِجَارَة الْحَجَّام . وَرَوَى الْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : اِحْتَجَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَى الْحَجَّام أَجْره , وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ , وَالسُّحْت وَالسُّحُت لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا ; قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير وَالْكِسَائِيّ بِضَمَّتَيْنِ , وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ السِّين وَحْدهَا , وَرَوَى الْعَبَّاس بْن الْفَضْل عَنْ خَارِجَة بْن مُصْعَب عَنْ نَافِع " أَكَّالُونَ لِلسَّحْتِ " بِفَتْحِ السِّين وَإِسْكَان الْحَاء وَهَذَا مَصْدَر مِنْ سَحَتَهُ ; يُقَال : أَسْحَتَ وَسَحَتَ بِمَعْنًى وَاحِد . وَقَالَ الزَّجَّاج : سَحَتَهُ ذَهَبَ بِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا .



هَذَا تَخْيِير مِنْ اللَّه تَعَالَى ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ ; وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْل مُوَادَعَة لَا أَهْل ذِمَّة ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة وَادَعَ الْيَهُود , وَلَا يَجِب عَلَيْنَا الْحُكْم بَيْن الْكُفَّار إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْل ذِمَّة , بَلْ يَجُوز الْحُكْم إِنْ أَرَدْنَا . فَأَمَّا أَهْل الذِّمَّة فَهَلْ يَجِب عَلَيْنَا الْحُكْم بَيْنهمْ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا ؟ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ; وَإِنْ اِرْتَبَطَتْ الْخُصُومَة بِمُسْلِمٍ يَجِب الْحُكْم . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ عَلَى الْحَاكِم أَنْ يَحْكُم بَيْن الْمُسْلِم وَالذِّمِّيّ , وَاخْتَلَفُوا فِي الذِّمِّيِّينَ ; فَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ الْآيَة مُحْكَمَة وَأَنَّ الْحَاكِم مُخَيَّر ; رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيّ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمَا , سِوَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِك فِي تَرْك إِقَامَة الْحَدّ عَلَى أَهْل الْكِتَاب فِي الزِّنَى ; فَإِنَّهُ إِنْ زَنَى الْمُسْلِم بِالْكِتَابِيَّةِ حُدَّ وَلَا حَدّ عَلَيْهَا , فَإِنْ كَانَ الزَّانِيَانِ ذِمِّيَّيْنِ فَلَا حَدّ عَلَيْهِمَا ; وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَغَيْرهمَا , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : يُجْلَدَانِ وَلَا يُرْجَمَانِ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَأَبُو ثَوْر وَغَيْرهمْ : عَلَيْهِمَا الْحَدّ إِنْ أَتَيَا رَاضِيَيْنِ بِحُكْمِنَا . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَلَا يُرْسِل الْإِمَام إِلَيْهِمْ إِذَا اِسْتَعْدَى بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَلَا يُحْضِر الْخَصْم مَجْلِسَهُ إِلَّا أَنْ يَكُون فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْمَظَالِمِ الَّتِي يَنْتَشِر مِنْهَا الْفَسَاد كَالْقَتْلِ وَنَهْب الْمَنَازِل وَأَشْبَاه ذَلِكَ , فَأَمَّا الدُّيُون وَالطَّلَاق وَسَائِر الْمُعَامَلَات فَلَا يَحْكُم بَيْنهمْ إِلَّا بَعْد التَّرَاضِي , وَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَلَّا يَحْكُم وَيَرُدّهُمْ إِلَى حُكَّامهمْ . فَإِنْ حَكَمَ بَيْنهمْ حَكَمَ بِحُكْمِ الْإِسْلَام , وَأَمَّا إِجْبَارهمْ عَلَى حُكْم الْمُسْلِم فِيمَا يَنْتَشِر مِنْهُ الْفَسَاد فَلَيْسَ عَلَى الْفَسَاد عَاهَدْنَاهُمْ , وَوَاجِب قَطْع الْفَسَاد عَنْهُمْ , مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرهمْ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حِفْظ أَمْوَالهمْ وَدِمَائِهِمْ ; وَلَعَلَّ فِي دِينهمْ اِسْتِبَاحَة ذَلِكَ فَيَنْتَشِر مِنْهُ الْفَسَاد بَيْننَا ; وَلِذَلِكَ مَنَعْنَاهُمْ أَنْ يَبِيعُوا الْخَمْر جِهَارًا وَأَنْ يُظْهِرُوا الزِّنَى وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْقَاذُورَات ; لِئَلَّا يَفْسُد بِهِمْ سُفَهَاء الْمُسْلِمِينَ , وَأَمَّا الْحُكْم فِيمَا يَخْتَصّ بِهِ دِينهمْ مِنْ الطَّلَاق وَالزِّنَى وَغَيْره فَلَيْسَ يَلْزَمهُمْ أَنْ يَتَدَيَّنُوا بِدِينِنَا , وَفِي الْحُكْم بَيْنهمْ بِذَلِكَ إِضْرَار بِحُكَّامِهِمْ وَتَغْيِير مِلَّتهمْ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدُّيُون وَالْمُعَامَلَات ; لِأَنَّ فِيهَا وَجْهًا مِنْ الْمَظَالِم وَقَطْع الْفَسَاد . وَاللَّه أَعْلَمُ , وَفِي الْآيَة قَوْل ثَانٍ : وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالنَّخَعِيّ أَيْضًا أَنَّ التَّخْيِير الْمَذْكُور فِي الْآيَة مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " وَأَنَّ عَلَى الْحَاكِم أَنْ يَحْكُم بَيْنهمْ ; وَهُوَ مَذْهَب عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَغَيْرهمْ , وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ قَالَ : " فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " نَسَخَتْهَا آيَة أُخْرَى " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " [ الْمَائِدَة : 49 ] , وَقَالَ مُجَاهِد : لَمْ يُنْسَخ مِنْ " الْمَائِدَة " إِلَّا آيَتَانِ ; قَوْله : فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " نَسَخَتْهَا " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " ; وَقَوْله : " لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه " [ الْمَائِدَة : 2 ] نَسَخَتْهَا " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] , وَقَالَ الزُّهْرِيّ : مَضَتْ السُّنَّة أَنْ يُرَدّ أَهْل الْكِتَاب فِي حُقُوقهمْ وَمَوَارِيثهمْ إِلَى أَهْل دِينهمْ , إِلَّا أَنْ يَأْتُوا رَاغِبِينَ فِي حُكْم اللَّه فَيُحْكَم بَيْنهمْ بِكِتَابِ اللَّه . قَالَ السَّمَرْقَنْدِيّ : وَهَذَا الْقَوْل يُوَافِق قَوْل أَبِي حَنِيفَة إِنَّهُ لَا يُحْكَم بَيْنهمْ مَا لَمْ يَتَرَاضَوْا بِحُكْمِنَا , وَقَالَ النَّحَّاس فِي " النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ " لَهُ قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " مَنْسُوخ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّل مَا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وَالْيَهُود فِيهَا يَوْمئِذٍ كَثِير , وَكَانَ الْأَدْعَى لَهُمْ وَالْأَصْلَح أَنْ يُرَدُّوا إِلَى أَحْكَامهمْ , فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَام أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " . وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالزُّهْرِيّ وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالسُّدِّيّ ; وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ قَوْل الشَّافِعِيّ ; قَالَ فِي كِتَاب الْجِزْيَة : وَلَا خِيَار لَهُ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ ; لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ " [ التَّوْبَة : 29 ] . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا مِنْ أَصَحّ الِاحْتِجَاجَات ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْنَى قَوْله : " وَهُمْ صَاغِرُونَ " أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَام الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ أَلَّا يُرَدُّوا إِلَى أَحْكَامهمْ ; فَإِذَا وَجَبَ هَذَا فَالْآيَة مَنْسُوخَة , وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الْكُوفِيِّينَ أَبِي حَنِيفَة وَزُفَر وَأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد , لَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ إِذَا تَحَاكَمَ أَهْل الْكِتَاب إِلَى الْإِمَام أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْرِض عَنْهُمْ , غَيْر أَنَّ أَبَا حَنِيفَة قَالَ : إِذَا جَاءَتْ الْمَرْأَة وَالزَّوْج فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُم بَيْنهمَا بِالْعَدْلِ , وَإِنْ جَاءَتْ الْمَرْأَة وَحْدهَا وَلَمْ يَرْضَ الزَّوْج لَمْ يَحْكُم , وَقَالَ الْبَاقُونَ : يَحْكُم ; فَثَبَتَ أَنَّ قَوْل أَكْثَرِ الْعُلَمَاء إِنَّ الْآيَة مَنْسُوخَة مَعَ مَا ثَبَتَ فِيهَا مِنْ تَوْقِيف اِبْن عَبَّاس ; وَلَوْ لَمْ يَأْتِ الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس لَكَانَ النَّظَر يُوجِب أَنَّهَا مَنْسُوخَة ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ أَهْل الْكِتَاب إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَى الْإِمَام فَلَهُ أَنْ يَنْظُر بَيْنهمْ , وَأَنَّهُ إِذَا نَظَرَ بَيْنهمْ مُصِيب عِنْد الْجَمَاعَة , وَأَلَّا يُعْرِض عَنْهُمْ فَيَكُون عِنْد بَعْض الْعُلَمَاء تَارِكًا فَرْضًا , فَاعِلًا مَا لَا يَحِلّ وَلَا يَسَعهُ . قَالَ النَّحَّاس : وَلِمَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة مِنْ الْكُوفِيِّينَ قَوْل آخَر ; مِنْهُمْ مَنْ يَقُول : عَلَى الْإِمَام إِذَا عَلِمَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب حَدًّا مِنْ حُدُود اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقِيمَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَيَحْتَجّ بِأَنَّ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ " يَحْتَمِل أَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا : وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْك . وَالْآخَر : وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْك - إِذَا عَلِمْت ذَلِكَ مِنْهُمْ - قَالُوا : فَوَجَدْنَا فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَسُنَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوجِب إِقَامَة الْحَقّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْنَا ; فَأَمَّا مَا فِي كِتَاب اللَّه فَقَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ " [ النِّسَاء : 135 ] , وَأَمَّا مَا فِي السُّنَّة فَحَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ : مُرَّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ قَدْ جُلِدَ وَحُمِّمَ فَقَالَ : ( أَهَكَذَا حَدّ الزَّانِي عِنْدكُمْ ) فَقَالُوا : نَعَمْ . فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ : ( سَأَلْتُك بِاَللَّهِ أَهَكَذَا حَدّ الزَّانِي فِيكُمْ ) فَقَالَ : لَا . الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ . قَالَ النَّحَّاس : فَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بَيْنهمْ وَلَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيث . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَفِي حَدِيث مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ الْيَهُود أَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قِيلَ لَهُ : لَيْسَ فِي حَدِيث مَالِك أَيْضًا أَنَّ اللَّذَيْنِ زَنَيَا رَضِيَا بِالْحُكْمِ وَقَدْ رَجَمَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : لَوْ تَدَبَّرَ مَنْ اِحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْبَرَاء لَمْ يَحْتَجّ ; لِأَنَّ فِي دَرْج الْحَدِيث تَفْسِير قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا " [ الْمَائِدَة : 41 ] يَقُول : إِنْ أَفْتَاكُمْ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيم فَخُذُوهُ , وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا , دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ حَكَّمُوهُ , وَذَلِكَ بَيِّن فِي حَدِيث اِبْن عُمَر وَغَيْره . فَإِنْ قَالَ قَائِل : لَيْسَ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّ الزَّانِيَيْنِ حَكَّمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا رَضِيَا بِحُكْمِهِ . قِيلَ لَهُ : حَدّ الزَّانِي حَقّ مِنْ حُقُوق اللَّه تَعَالَى عَلَى الْحَاكِم إِقَامَته . وَمَعْلُوم أَنَّ الْيَهُود كَانَ لَهُمْ حَاكِم يَحْكُم بَيْنهمْ , وَيُقِيم حُدُودهمْ عَلَيْهِمْ , وَهُوَ الَّذِي حَكَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاللَّه أَعْلَمُ .



رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ كَانَ قُرَيْظَة وَالنَّضِير , وَكَانَ النَّضِير أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَة , وَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُل مِنْ قُرَيْظَة رَجُلًا مِنْ النَّضِير قُتِلَ بِهِ , وَإِذَا قَتَلَ رَجُل مِنْ النَّضِير رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَة وَدَى مِائَة وَسْق مِنْ تَمْر ; فَلَمَّا بُعِثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رَجُل مِنْ النَّضِير رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَة فَقَالُوا : اِدْفَعُوهُ إِلَيْنَا لِنَقْتُلهُ ; فَقَالُوا : بَيْننَا وَبَيْنكُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ : " وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ " النَّفْس بِالنَّفْسِ , وَنَزَلَتْ : " أَفَحُكْم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ " [ الْمَائِدَة : 50 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • درء الفتنة عن أهل السنة

    درء الفتنة عن أهل السنة : موضوع هذا الكتاب: هو بيان المعتقد الحق الذي أجمع عليه المسلمون من الصحابة - رضي الله عنهم - فمن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، وذلك في بيان حقيقة الإيمان من أنه: اعتقاد وقول وعمل، ويزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وبيان ما يضاده من أنواع الكفر: الاعتقادي القولي، والعملي، وكفر الإباء والإعراض ... وشروط الحكم بذلك، وموانعه، مع ذكر بعض أقوال السلف في ذم المرجئة، الذين يؤخرون العمل عن الإيمان، و بيان آثاره السيئة على الإسلام و المسلمين.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/152875

    التحميل:

  • أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله

    أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله : يحتوي على ما لا يستغني عنه الفقيه من أصول الفقه، مع تجنب الإطالة في مسائل الخلاف، والاكتفاء بالأقوال المشهورة وأهم أدلتها، والعناية ببيان حقيقة الخلاف، وتصحيح ما يقع من الوهم أو سوء الفهم للمشتغلين بهذا العلم في تحرير مسائله وتقريرها وتصويرها، وقد عُني المؤلف عنايةً خاصة بثمرات الخلاف، والوقوف عند بعض القضايا الشائكة وتحريرها وتقريبها للفهم.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166789

    التحميل:

  • الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

    الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهذا جزءٌ لطيفٌ .. للإمام العالم، صاحب العلوم والفنون جلال الدين السيوطي - رحمه الله -، سال قلمه حبًّا لأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسطَّر هذه الكلمات الرائعات، وجمع هذه الأحاديث المباركات، في فضائل سيدة نساء أهل الجنات، زوج عليٍّ أبي تُراب، وأم الريحانتين الحسن والحسين - رضي الله تعالى عن الجميع -، والتي سمَّاها: «الثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة ابنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم».

    المدقق/المراجع: حسن الحسيني

    الناشر: جمعية الآل والأصحاب http://www.aal-alashab.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/335472

    التحميل:

  • مختصر صحيح مسلم

    مختصر صحيح مسلم: قال المصنف - رحمه الله -: «فهذا كتابٌ اختصرتُه من «صحيح» الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القُشيري النيسابوري - رضي الله عنه -؛ اختصارًا يُسهِّله على حافظيه، ويُقرِّبه للناظر فيه، ورتَّبتُه ترتيبًا يُسرع بالطالب إلى وجود مطلبه في مظِنَّته، وقد تضمَّن مع صِغَر حجمه جُلّ مقصود الأصل». - وقد حقَّقه الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله -، وقدَّم له بمقدمةٍ نافعةٍ مُبيِّنةً لترتيب الإمام المنذري - رحمه الله - لكتابه.

    المدقق/المراجع: محمد ناصر الدين الألباني

    الناشر: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371041

    التحميل:

  • شرح الفتوى الحموية الكبرى [ صالح آل الشيخ ]

    الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى : رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف في صفات الله - جل وعلا - كتبها سنة (698هـ) جواباً لسؤال ورد عليه من حماة هو: « ما قول السادة الفقهاء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ وقوله ( ثم استوى على العرش ) وقوله تعالى: ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأحاديث الصفات كقوله - صلى الله عليه وسلم - { إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن } وقوله - صلى الله عليه وسلم - { يضع الجبار قدمه في النار } إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/322206

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة