Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 39

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (39) (المائدة) mp3
قَوْله تَعَالَى " فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ " شَرْط وَجَوَابه " فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ " " مِنْ بَعْد ظُلْمه " مِنْ بَعْد السَّرِقَة ; فَإِنَّ اللَّه يَتَجَاوَز عَنْهُ , وَالْقَطْع لَا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ , وَقَالَ عَطَاء وَجَمَاعَة : يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ قَبْل الْقُدْرَة عَلَى السَّارِق , وَقَالَهُ بَعْض الشَّافِعِيَّة وَعَزَاهُ إِلَى الشَّافِعِيّ قَوْلًا . وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ " وَذَلِكَ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْوُجُوب , فَوَجَبَ حَمْل جَمِيع الْحُدُود عَلَيْهِ , وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا بِعَيْنِهِ دَلِيلنَا ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ حَدّ الْمُحَارِب قَالَ : " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ " وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدّ السَّارِق وَقَالَ فِيهِ : " فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْد ظُلْمه وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ " فَلَوْ كَانَ مِثْله فِي الْحُكْم مَا غَايَرَ الْحُكْم بَيْنهمَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَيَا مَعْشَر الشَّافِعِيَّة سُبْحَان اللَّه ! أَيْنَ الدَّقَائِق الْفِقْهِيَّة , وَالْحِكَم الشَّرْعِيَّة , الَّتِي تَسْتَنْبِطُونَهَا مِنْ غَوَامِض الْمَسَائِل ؟ ! أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمُحَارِب الْمُسْتَبِدّ بِنَفْسِهِ , الْمُعْتَدِي بِسِلَاحٍ , الَّذِي يَفْتَقِر الْإِمَام مَعَهُ إِلَى الْإِيجَاف بِالْخَيْلِ وَالرِّكَاب كَيْفَ أَسْقَطَ جَزَاءَهُ بِالتَّوْبَةِ اِسْتِنْزَالًا عَنْ تِلْكَ الْحَالَة , كَمَا فَعَلَ بِالْكَافِرِ فِي مَغْفِرَة جَمِيع مَا سَلَفَ اِسْتِئْلَافًا عَلَى الْإِسْلَام ; فَأَمَّا السَّارِق وَالزَّانِي وَهُمَا فِي قَبْضَة الْمُسْلِمِينَ وَتَحْت حُكْم الْإِمَام , فَمَا الَّذِي يُسْقِط عَنْهُمْ حُكْم مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ ؟ ! أَوْ كَيْفَ يَجُوز أَنْ يُقَال : يُقَاس عَلَى الْمُحَارِب وَقَدْ فَرَّقَتْ بَيْنهمَا الْحِكْمَة وَالْحَالَة ! هَذَا مَا لَا يَلِيق بِمِثْلِكُمْ يَا مَعْشَر الْمُحَقِّقِينَ , وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَدّ لَا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ , فَالتَّوْبَة مَقْبُولَة وَالْقَطْع كَفَّارَة لَهُ . " وَأَصْلَحَ " أَيْ كَمَا تَابَ عَنْ السَّرِقَة تَابَ عَنْ كُلّ ذَنْب , وَقِيلَ : " وَأَصْلَحَ " أَيْ تَرَكَ الْمَعْصِيَة بِالْكُلِّيَّةِ , فَأَمَّا مَنْ تَرَكَ السَّرِقَة بِالزِّنَى أَوْ التَّهَوُّد بِالتَّنَصُّرِ فَهَذَا لَيْسَ بِتَوْبَةٍ , وَتَوْبَة اللَّه عَلَى الْعَبْد أَنْ يُوَفِّقَهُ لِلتَّوْبَةِ , وَقِيلَ : أَنْ تُقْبَل مِنْهُ التَّوْبَة . يُقَال : بَدَأَ اللَّه بِالسَّارِقِ فِي هَذِهِ الْآيَة قَبْل السَّرِقَة , وَفِي الزِّنَى بِالزَّانِيَةِ قَبْل الزَّانِي مَا الْحِكْمَة فِي ذَلِكَ ؟ فَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : لَمَّا كَانَ حُبّ الْمَال عَلَى الرِّجَال أَغْلَب , وَشَهْوَة الِاسْتِمْتَاع عَلَى النِّسَاء أَغْلَب بَدَأَ بِهِمَا فِي الْمَوْضِع ; هَذَا أَحَد الْوُجُوه فِي الْمَرْأَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " النُّور " مِنْ الْبِدَايَة بِهَا عَلَى الزَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّه . ثُمَّ جَعَلَ اللَّه حَدّ السَّرِقَة قَطْع الْيَد لِتَنَاوُلِ الْمَال , وَلَمْ يَجْعَل حَدّ الزِّنَى قَطْع الذَّكَر مَعَ مُوَاقَعَة الْفَاحِشَة بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ : أَحَدهَا : أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْل يَده الَّتِي قُطِعَتْ فَإِنْ اِنْزَجَرَ بِهَا اِعْتَاضَ بِالثَّانِيَةِ , وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْل ذَكَره إِذَا قُطِعَ فَلَمْ يَعْتَضْ بِغَيْرِهِ لَوْ اِنْزَجَرَ بِقَطْعِهِ . الثَّانِي : أَنَّ الْحَدّ زَجْر لِلْمَحْدُودِ وَغَيْره , وَقَطْع الْيَد فِي السَّرِقَة ظَاهِر : وَقَطْع الذَّكَر فِي الزِّنَى بَاطِن . الثَّالِث : أَنَّ قَطْع الذَّكَر فِيهِ إِبْطَال لِلنَّسْلِ وَلَيْسَ فِي قَطْع الْيَد إِبْطَاله , وَاللَّه أَعْلَمُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فنون التعامل في ظل السيرة النبوية

    فنون التعامل في ظل السيرة النبوية: ذكر الشيخ - حفظه الله - في هذا الكتاب فن التعامل مع الناس في ظل سيرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث كان نموذجًا فريدًا في تعامله مع جميع طبقات الناس كبارًا أو صغارًا، رجالاً أو نساءًا، أعراب أو غيرهم، وقد وضع الشيخ ست عشرة قاعدة في كيفية التعامل النبوي مع الناس؛ ليتأسَّى بها المُحبُّون لنبيهم - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323179

    التحميل:

  • مجالس شهر رمضان

    مجالس شهر رمضان : فهذه مجالس لشهر رمضان المبارك تستوعب كثيرا من أحكام الصيام والقيام والزكاة، وما يناسب المقام في هذا الشهر الفاضل، رتبتُها على مجالس يومية أو ليلية، انتخبت كثيرا من خطبها من كتاب " قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة " مع تعديل ما يحتاج إلى تعديله، وأكثرت فيها من ذكر الأحكام والآداب لحاجة الناس إلى ذلك.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144934

    التحميل:

  • المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد

    المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد: رسالة مختصرة في بيان بعض البراهين والدلائل على صحة أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية; وتوحيد الألوهية; وتوحيد الأسماء والصفات; وهو مختصر من كتاب المؤلف - حفظه الله -: «القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316769

    التحميل:

  • مفسدات القلوب [ الجدال والمراء ]

    الجدال والمراء آفتان عظيمتان، ومرضان خطيران، يفسدان الدين والدنيا، ويهلكان الحرث والنسل ويجلبان الشرور والآثام، على الفرد والمجتمع. ولذا ينبغي على المسلم أن يترك الجدال والمراء ولو كان محقاً لأنهما يقسيان القلوب، ويزرعان الشحناء والبغضاء، ويتسببان في رفض الحق وتقرير الباطل.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339986

    التحميل:

  • خطر الجريمة الخلقية

    خطر الجريمة الخلقية : في هذه الرسالة بيان أضرار الزنا وما يلحق به وفوائد غض البصر وأهم الطرق لمكافحة الزنا والتحذير منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209195

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة