Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 32

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) (المائدة) mp3
أَيْ مِنْ جَرَّاء ذَلِكَ الْقَاتِل وَجَرِيرَته , وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ مِنْ جِنَايَته ; يُقَال : أَجَلَ الرَّجُل عَلَى أَهْله شَرًّا يَأْجُل أَجْلًا إِذَا جَنَى ; مِثْل أَخَذَ يَأْخُذ أَخْذًا . قَالَ الْخِنَّوْت : وَأَهْل خِبَاء صَالِح كُنْت بَيْنهمْ قَدْ احْتَرَبُوا فِي عَاجِل أَنَا آجِلُه أَيْ جَانِيهِ , وَقِيلَ : أَنَا جَارُّهُ عَلَيْهِمْ , وَقَالَ عَدِيّ بْن زَيْد : أَجَلْ إِنَّ اللَّه قَدْ فَضَّلَكُمْ فَوْق مَنْ أَحْكَأَ صُلْبًا بِإِزَارِ وَأَصْله الْجَرّ ; وَمِنْهُ الْأَجَلُ لِأَنَّهُ وَقْت يُجَرّ إِلَيْهِ الْعَقْد الْأَوَّل , وَمِنْهُ الْآجِل نَقِيض الْعَاجِل , وَهُوَ بِمَعْنَى يُجَرّ إِلَيْهِ أَمْرٌ مُتَقَدِّم , وَمِنْهُ أَجَلْ بِمَعْنَى نَعَمْ . لِأَنَّهُ اِنْقِيَاد إِلَى مَا جُرَّ إِلَيْهِ , وَمِنْهُ الْإِجْل لِلْقَطِيعِ مِنْ بَقَر الْوَحْش ; لِأَنَّ بَعْضه يَنْجَرّ إِلَى بَعْض ; قَالَهُ الرُّمَّانِيّ , وَقَرَأَ يَزِيد بْن الْقَعْقَاع أَبُو جَعْفَر : " مِنِ اجْلِ ذَلِكَ " بِكَسْرِ النُّون وَحَذْف الْهَمْزَة وَهِيَ لُغَة , وَالْأَصْل " مِنْ إِجْل ذَلِكَ " فَأُلْقِيَتْ كَسْرَة الْهَمْزَة عَلَى النُّون وَحُذِفَتْ الْهَمْزَة . ثُمَّ قِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله : " مِنْ أَجْل ذَلِكَ " مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ : " مِنْ النَّادِمِينَ " [ الْمَائِدَة : 31 ] , فَالْوَقْف عَلَى قَوْله : " مِنْ أَجْل ذَلِكَ " , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُتَعَلِّقًا بِمَا بَعْده وَهُوَ " كَتَبْنَا " . فـ " ـمِنْ أَجْل " اِبْتِدَاء كَلَام وَالتَّمَام " مِنْ النَّادِمِينَ " ; وَعَلَى هَذَا أَكْثَر النَّاس ; أَيْ مِنْ سَبَب هَذِهِ النَّازِلَة كَتَبْنَا , وَخَصَّ بَنِي إِسْرَائِيل بِالذِّكْرِ - وَقَدْ تَقَدَّمَتْهُمْ أُمَم قَبْلهمْ كَانَ قَتْل النَّفْس فِيهِمْ مَحْظُورًا - لِأَنَّهُمْ أَوَّل أُمَّة نَزَلَ الْوَعِيد عَلَيْهِمْ فِي قَتْل الْأَنْفُس مَكْتُوبًا , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ قَوْلًا مُطْلَقًا ; فَغُلِّظَ الْأَمْرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِالْكِتَابِ بِحَسَبِ طُغْيَانهمْ وَسَفْكهمْ الدِّمَاء .



وَمَعْنَى " بِغَيْرِ نَفْس " أَيْ بِغَيْرِ أَنْ يَقْتُل نَفْسًا فَيَسْتَحِقّ الْقَتْل , وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه الْقَتْل فِي جَمِيع الشَّرَائِع إِلَّا بِثَلَاثِ خِصَال : كُفْر بَعْد إِيمَان , أَوْ زِنًى بَعْد إِحْصَان , أَوْ قَتْل نَفْس ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا .



أَيْ شِرْك , وَقِيلَ : قَطْع طَرِيق , وَقَرَأَ الْحَسَن : " أَوْ فَسَادًا " بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِير حَذْف فِعْل يَدُلّ عَلَيْهِ أَوَّل الْكَلَام تَقْدِيره ; أَوْ أَحْدَثَ فَسَادًا ; وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله : " مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس " لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَم الْفَسَاد . وَقَرَأَ الْعَامَّة : " فَسَادٍ " بِالْجَرِّ عَلَى مَعْنَى أَوْ بِغَيْرِ فَسَاد .



اِضْطَرَبَ لَفْظ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَرْتِيب هَذَا التَّشْبِيه لِأَجْلِ أَنَّ عِقَاب مَنْ قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا أَكْثَرُ مِنْ عِقَاب مَنْ قَتَلَ وَاحِدًا ; فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْمَعْنَى مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَام عَدْل فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهُ بِأَنْ شَدَّ عَضُده وَنَصَرَهُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا , وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : الْمَعْنَى مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَة وَانْتَهَكَ حُرْمَتهَا فَهُوَ مِثْل مَنْ قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا , وَمَنْ تَرَكَ قَتْل نَفْس وَاحِدَة وَصَانَ حُرْمَتهَا وَاسْتَحْيَاهَا خَوْفًا مِنْ اللَّه فَهُوَ كَمَنْ أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا , وَعَنْهُ أَيْضًا . الْمَعْنَى فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا عِنْد الْمَقْتُول , وَمَنْ أَحْيَاهَا وَاسْتَنْقَذَهَا مِنْ هَلَكَة فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا عِنْد الْمُسْتَنْقَذ , وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْتُل النَّفْس الْمُؤْمِنَة مُتَعَمِّدًا جَعَلَ اللَّه جَزَاءَهُ جَهَنَّم وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ; يَقُول : لَوْ قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا لَمْ يُزَدْ عَلَى ذَلِكَ , وَمَنْ لَمْ يَقْتُل فَقَدْ حَيِيَ النَّاس مِنْهُ , وَقَالَ اِبْن زَيْد : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَيَلْزَمهُ مِنْ الْقَوَد وَالْقِصَاص مَا يَلْزَم مَنْ قَتْل النَّاس جَمِيعًا , قَالَ : وَمَنْ أَحْيَاهَا أَيْ مَنْ عَفَا عَمَّنْ وَجَبَ لَهُ قَتْله ; وَقَالَهُ الْحَسَن أَيْضًا ; أَيْ هُوَ الْعَفْو بَعْد الْمَقْدِرَة , وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَالْمُؤْمِنُونَ كُلّهمْ خُصَمَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ وَتَرَ الْجَمِيع , وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا , أَيْ يَجِب عَلَى الْكُلّ شُكْره , وَقِيلَ : جُعِلَ إِثْم قَاتِل الْوَاحِد إِثْم قَاتِل الْجَمِيع ; وَلَهُ أَنْ يَحْكُم بِمَا يُرِيد , وَقِيلَ : كَانَ هَذَا مُخْتَصًّا بِبَنِي إِسْرَائِيل تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَعَلَى الْجُمْلَة فَالتَّشْبِيه عَلَى مَا قِيلَ 0 وَاقِع كُلّه , وَالْمُنْتَهِكُ فِي وَاحِدٍ مَلْحُوظٌ بِعَيْنِ مُنْتَهِكِ الْجَمِيعِ ; وَمِثَاله رَجُلَانِ حَلَفَا عَلَى شَجَرَتَيْنِ أَلَا يَطْعَمَا مِنْ ثَمَرهمَا شَيْئًا , فَطَعِمَ أَحَدهمَا وَاحِدَة مِنْ ثَمَر شَجَرَته , وَطَعِمَ الْآخَر ثَمَر شَجَرَته كُلّهَا , فَقَدْ اِسْتَوَيَا فِي الْحِنْث , وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اِسْتَحَلَّ وَاحِدًا فَقَدْ اِسْتَحَلَّ الْجَمِيع ; لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الشَّرْع , وَفِي قَوْله



تَجَوُّز ; فَإِنَّهُ عِبَارَة عَنْ التَّرْك وَالْإِنْقَاذ مِنْ هَلَكَة , وَإِلَّا فَالْإِحْيَاء حَقِيقَة - الَّذِي هُوَ الِاخْتِرَاع - إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى , وَإِنَّمَا هَذَا الْإِحْيَاء بِمَنْزِلَةِ قَوْل نَمْرُود اللَّعِين : " أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت " [ الْبَقَرَة : 258 ] فَسَمَّى التَّرْك إِحْيَاء . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّه عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُل بِالْبَيِّنَاتِ , وَأَنَّ أَكْثَرهمْ مُجَاوِزُونَ الْحَدّ , وَتَارِكُونَ أَمْر اللَّه .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شرح نظم الورقات في أصول الفقه

    في هذا الكتاب يتناول المؤلف جانبًا من علم أصول الفقه, من خلال كتاب نظم الورقات للعمريطي الذي نظمه في كتاب الورقات لإمام الحرمين, مبتدئًا بما جاء في المنظومة بالشرح والبيان لكلمة أصول الفقه وأقسام الكلام، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والنسخ، وما جاء في التعارض بين الأدلة والترجيح، والإجماع، والخبر، والقياس، والإفتاء والتقليد والاجتهاد, وغير ذلك مما تجده من جزئيات وتفصيلات وأسئلة من الطلبة يجيب عنها الشيخ ابن عثيمين بالتفصيل والإيضاح.

    الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع www.aljawzi.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/190915

    التحميل:

  • العنف في العمل الإسلامي المعاصر [ قراءة شرعية ورؤية واقعية ]

    العنف في العمل الإسلامي المعاصر : حوار شارك فيه عدد كبير من أهل العلم، وكانت الأسئلة التي عرضت على الشيوخ والأساتذة الأفاضل هي: - ما عوامل نشوء تيارات العنف المنتسبة إلى الإسلام في زماننا، وما صلتها بتيارات الغلو القديمة؟ - ما ضوابط تغيير المنكر باليد؟ - ما مدى مشروعية الجماعات الإسلامية المعاصرة؟ - كيف يمكن التصدي لدعوات التكفير والخروج المسلح على الحاكم المسلم؟ - ما السبيل إلى تحكيم شرع الله في البلدان الإسلامية التي تحكمها نظم علمانية؟ - ما تأثير تيارات العنف هذه في مستقبل الصحوة الإسلامية؟

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144863

    التحميل:

  • منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في: منزلة الصلاة في الإسلام، بيّن فيها المؤلف - حفظه الله - بإيجاز مفهوم الصلاة، وحكمها، ومنزلتها، وخصائصها، وحكم تاركها، وفضلها، بالأدلة من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1915

    التحميل:

  • المنهج لمريد العمرة والحج

    المنهج لمريد العمرة والحج : تحتوي الرسالة على المباحث التالية: - آداب السفر. - صلاة المسافر. - المواقيت. - أنواع الأنساك. - المحرم الذي يلزمه الهدي. - صفة العمرة. - صفة الحج. - زيارة المسجد النبوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/250746

    التحميل:

  • سمات المؤمنين في الفتن وتقلب الأحوال

    يحتوي - هذا الكتاب - على بيان بعض سمات المؤمنين في الفتن وتقلب الأحوال، وهي: الابتعاد عن الغضب والاستعجال، والتأني في الفتيا ودفعها إلى أهلها، والرفق والأناة والحلم، واجتماع الكلمة عند الفتن، والسمع والطاعة لولاة الأمر، وتوقير العلماء ومعرفة مكانتهم في الدين، والاعتبار والعظة بتاريخ الأمم السابقة، وعدم الركون إلى الإعلام المغرض، والالتزام بأمر الإمام في الدعوة إلى الجهاد، وسلامة ألسنتنا من الطعن في الصحابة - رضي الله عنهم -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/60363

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة