Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 30

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) (المائدة) mp3
قَوْله تَعَالَى : " فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسه " . أَيْ سَوَّلَتْ وَسَهَّلَتْ نَفْسه عَلَيْهِ الْأَمْر وَشَجَّعَتْهُ وَصَوَّرَتْ لَهُ أَنَّ قَتْل أَخِيهِ طَوْع سَهْل لَهُ يُقَال : طَاعَ الشَّيْء أَيْ سَهُلَ وَانْقَادَ . وَطَوَّعَهُ فُلَان لَهُ أَيْ سَهَّلَهُ . قَالَ الْهَرَوِيّ : طَوَّعَتْ وَأَطَاعَتْ وَاحِد ; يُقَال : طَاعَ لَهُ كَذَا إِذَا أَتَاهُ طَوْعًا . وَقِيلَ : طَاوَعَتْهُ نَفْسه فِي قَتْل أَخِيهِ ; فَنُزِعَ الْخَافِضُ فَانْتَصَبَ . وَرُوِيَ أَنَّهُ جَهِلَ كَيْفَ يَقْتُلهُ فَجَاءَ إِبْلِيس بِطَائِرٍ - أَوْ حَيَوَان غَيْره - فَجَعَلَ يَشْدَخ رَأْسه بَيْن حَجَرَيْنِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ قَابِيل فَفَعَلَ ; قَالَهُ اِبْن جُرَيْج وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود : وَجَدَهُ نَائِمًا فَشَدَّ رَأْسه بِحَجَرٍ وَكَانَ ذَلِكَ فِي ثَوْر - جَبَل بِمَكَّة - قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقِيلَ : عِنْد عَقَبَة حِرَاء ; حَكَاهُ مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ , وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق : بِالْبَصْرَةِ فِي مَوْضِع الْمَسْجِد الْأَعْظَم , وَكَانَ لِهَابِيل يَوْم قَتَلَهُ قَابِيل عِشْرُونَ سَنَة , وَيُقَال : إِنَّ قَابِيل كَانَ يَعْرِف الْقَتْل بِطَبْعِهِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَان وَإِنْ لَمْ يَرَ الْقَتْل فَإِنَّهُ يَعْلَم بِطَبْعِهِ أَنَّ النَّفْس فَانِيَة وَيُمْكِن إِتْلَافهَا ; فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَتَلَهُ بِأَرْضِ الْهِنْد , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَلَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ فَقَعَدَ يَبْكِي عِنْد رَأْسه إِذْ أَقْبَلَ غُرَابَانِ فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ أَحَدهمَا الْآخَر ثُمَّ حَفَرَ لَهُ حُفْرَة فَدَفَنَهُ ; فَفَعَلَ الْقَاتِل بِأَخِيهِ كَذَا , وَالسَّوْءَة يُرَاد بِهَا الْعَوْرَة , وَقِيلَ : يُرَاد بِهَا جِيفَة الْمَقْتُول ; ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ إِلَى أَرْض عَدَن مِنْ الْيَمَن , فَأَتَاهُ إِبْلِيس وَقَالَ : إِنَّمَا أَكَلَتْ النَّار قُرْبَان أَخِيك لِأَنَّهُ كَانَ يَعْبُد النَّار , فَانْصِبْ أَنْتَ أَيْضًا نَارًا تَكُون لَك وَلِعَقِبِك , فَبَنَى بَيْت نَار , فَهُوَ أَوَّل مَنْ عَبَدَ النَّار فِيمَا قِيلَ , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَهُ وَآدَم بِمَكَّة اشْتَاكَ الشَّجَر , وَتَغَيَّرَتْ الْأَطْعِمَة , وَحَمُضَتْ الْفَوَاكِه , وَمَلُحَتْ الْمِيَاه , وَاغْبَرَّتْ الْأَرْض ; فَقَالَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام : قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْض حَدَث , فَأَتَى الْهِنْد فَإِذَا قَابِيل قَدْ قَتَلَ هَابِيل . وَقِيلَ : إِنَّ قَابِيل هُوَ الَّذِي اِنْصَرَفَ إِلَى آدَم , فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ : أَيْنَ هَابِيل ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي كَأَنَّك وَكَّلْتنِي بِحِفْظِهِ . فَقَالَ لَهُ آدَم : أَفَعَلْتهَا ؟ ! وَاَللَّه إِنَّ دَمه لَيُنَادِي , اللَّهُمَّ اِلْعَنْ أَرْضًا شَرِبَتْ دَم هَابِيل . فَرُوِيَ أَنَّهُ مِنْ حِينِئِذٍ مَا شَرِبَتْ أَرْض دَمًا . ثُمَّ إِنَّ آدَم بَقِيَ مِائَة سَنَة لَمْ يَضْحَك , حَتَّى جَاءَهُ مَلَك فَقَالَ لَهُ : حَيَّاك اللَّه يَا آدَم وَبَيَّاك . فَقَالَ : مَا بَيَّاك ؟ قَالَ : أَضْحَكَك ; قَالَ مُجَاهِد وَسَالِم بْن أَبِي الْجَعْد . وَلَمَّا مَضَى مِنْ عُمْر آدَم مِائَة وَثَلَاثُونَ سَنَة - وَذَلِكَ بَعْد قَتْل هَابِيل بِخَمْسِ سِنِينَ وَلَدَتْ لَهُ شيثا , وَتَفْسِيره هِبَة اللَّه , أَيْ خَلَفًا مِنْ هَابِيل , وَقَالَ مُقَاتِل : كَانَ قَبْل قَتْل قَابِيل هَابِيلَ السِّبَاع وَالطُّيُور تَسْتَأْنِس بِآدَم , فَلَمَّا قَتَلَ قَابِيل هَابِيل هَرَبُوا , فَلَحِقَتْ الطُّيُور بِالْهَوَاءِ , وَالْوُحُوش بِالْبَرِيَّةِ , وَلَحِقَتْ السِّبَاع بِالْغِيَاضِ . وَرُوِيَ أَنَّ آدَم لَمَّا تَغَيَّرَتْ الْحَال قَالَ : تَغَيَّرَتْ الْبِلَاد وَمَنْ عَلَيْهَا فَوَجْه الْأَرْض مُغْبَرّ قَبِيحُ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْم وَلَوْن وَقَلَّ بَشَاشَة الْوَجْه الْمَلِيح فِي أَبْيَات كَثِيرَة ذَكَرَهَا الثَّعْلَبِيّ وَغَيْره . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : هَكَذَا هُوَ الشِّعْر بِنَصْبِ " بَشَاشَةَ " وَكَفّ التَّنْوِين . قَالَ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْره قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا قَالَ آدَم الشِّعْر , وَإِنَّ مُحَمَّدًا وَالْأَنْبِيَاء كُلّهمْ فِي النَّهْي عَنْ الشِّعْر سَوَاء ; لَكِنْ لَمَّا قُتِلَ هَابِيل رَثَاهُ آدَم وَهُوَ سُرْيَانِيّ , فَهِيَ مَرْثِيَّة بِلِسَانِ السُّرْيَانِيَّة أَوْصَى بِهَا إِلَى اِبْنه شيث وَقَالَ : إِنَّك وَصِيِّي فَاحْفَظْ مِنِّي هَذَا الْكَلَام لِيُتَوَارَث ; فَحُفِظَتْ مِنْهُ إِلَى زَمَان يَعْرُب بْن قَحْطَان , فَتَرْجَمَ عَنْهُ يَعْرُب بِالْعَرَبِيَّةِ وَجَعَلَهُ شِعْرًا . رُوِيَ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَوْم الثُّلَاثَاء فَقَالَ : ( يَوْم الدَّم فِيهِ حَاضَتْ حَوَّاء وَفِيهِ قَتَلَ اِبْن آدَم أَخَاهُ ) , وَثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُقْتَل نَفْس ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى اِبْن آدَم الْأَوَّل كِفْل مِنْ دَمهَا لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْل ) , وَهَذَا نَصّ عَلَى التَّعْلِيل ; وَبِهَذَا الِاعْتِبَار يَكُون عَلَى إِبْلِيس كِفْل مِنْ مَعْصِيَة كُلّ مَنْ عَصَى بِالسُّجُودِ ; لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ عَصَى بِهِ , وَكَذَلِكَ كُلّ مَنْ أَحْدَثَ فِي دِين اللَّه مَا لَا يَجُوز مِنْ الْبِدَع وَالْأَهْوَاء ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة حَسَنَة كَانَ لَهُ أَجْرهَا وَأَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وِزْرهَا وَوِزْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) , وَهَذَا نَصّ فِي الْخَيْر وَالشَّرّ , وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّة الْمُضِلُّونَ ) , وَهَذَا كُلّه صَرِيح , وَنَصّ صَحِيح فِي مَعْنَى الْآيَة , وَهَذَا مَا لَمْ يَتُبْ الْفَاعِل مِنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَة , لِأَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَوَّل مَنْ خَالَفَ فِي أَكْل مَا نُهِيَ عَنْهُ , وَلَا يَكُون عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَوْزَار مَنْ عَصَى بِأَكْلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَلَا شُرْبِهِ مِنْ بَعْده بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ آدَم تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَتَابَ اللَّه عَلَيْهِ , فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يَجْنِ , وَوَجْه آخَر : فَإِنَّهُ أَكَلَ نَاسِيًا عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال , كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي " الْبَقَرَة " وَالنَّاسِي غَيْر آثِم وَلَا مُؤَاخَذ . تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة الْبَيَان عَنْ حَال الْحَاسِد , حَتَّى إِنَّهُ قَدْ يَحْمِلهُ حَسَده عَلَى إِهْلَاك نَفْسه بِقَتْلِ أَقْرَبِ النَّاس إِلَيْهِ قَرَابَة , وَأَمَسّهُ بِهِ رَحِمًا , وَأَوْلَاهُمْ بِالْحُنُوِّ عَلَيْهِ وَدَفْع الْأَذِيَّة عَنْهُ .



أَيْ مِمَّنْ خَسِرَ حَسَنَاته , وَقَالَ , مُجَاهِد : عُلِّقَتْ إِحْدَى رِجْلَيْ الْقَاتِل بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذهَا مِنْ يَوْمئِذٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَوَجْهه إِلَى الشَّمْس حَيْثُمَا دَارَتْ , عَلَيْهِ فِي الصَّيْف حَظِيرَة مِنْ نَار , وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاء مِنْ ثَلْج . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَهُوَ مِنْ خُسْرَانه الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى : " فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ " وَإِلَّا فَالْخُسْرَان يَعُمّ خُسْرَان الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . قُلْت : وَلَعَلَّ هَذَا يَكُون عُقُوبَته عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ عَاصٍ لَا كَافِر ; فَيَكُون الْمَعْنَى " فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ " أَيْ فِي الدُّنْيَا , وَاللَّه أَعْلَمُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • طريق الهجرتين وباب السعادتين

    طريق الهجرتين وباب السعادتين : قصد المؤلف - رحمه الله - من هذا الكتاب أن يدل الناس على طريق الايمان والعقيدة، وقد رآه متمثلاً في طريقين: الأول: الهجرة إلى الله بالعبودية والتوكل والانابة والتسليم والخوف والرجاء. الثاني: الهجرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باعتباره القدوة الحسنة للمسلمين والمثل الأعلى لهم.

    المدقق/المراجع: زائد بن أحمد النشيري - محمد أجمل الأصلاحي

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265619

    التحميل:

  • بر الوالدين في ضوء الكتاب والسنة

    بر الوالدين في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «بر الوالدين» بيَّنت فيها: مفهوم بر الوالدين، لغةً واصطلاحًا، ومفهوم عقوق الوالدين لغةً واصطلاحًا، ثم ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب بر الوالدين، وتحريم عقوقهما، ثم ذكرت أنواع البر التي يوصل بها الوالدان بعد موتهما».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/276146

    التحميل:

  • عباقرة ولكن

    عباقرة ولكن : كتاب مفيد يحتوي على تحذيرات من بعض الخرافات والبدع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/286917

    التحميل:

  • التذكرة بأسباب المغفرة

    في هذه الرسالة بيان بعض أسباب المغفرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209154

    التحميل:

  • يوميات حاج

    يوميات حاج : كتاب من إعداد فريق شبكة السنة النبوية وعلومها، يحتوي على خلاصة فيما يتعلق بمناسك الحج والعمرة مبنية على نصوص الكتاب والسنة.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/327431

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة