Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 29

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) (المائدة) mp3
قِيلَ : مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار ) قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول ؟ قَالَ : ( إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبه ) وَكَأَنَّ هَابِيل أَرَادَ إِنِّي لَسْت بِحَرِيصٍ عَلَى قَتْلك ; فَالْإِثْم الَّذِي كَانَ يَلْحَقنِي لَوْ كُنْت , حَرِيصًا عَلَى قَتْلك أُرِيد أَنْ تَحْمِلهُ أَنْتَ مَعَ إِثْمك فِي قَتْلِي , وَقِيلَ : الْمَعْنَى " بِإِثْمِي " الَّذِي يَخْتَصّ بِي فِيمَا فَرَّطْت ; أَيْ يُؤْخَذ فِي سَيِّئَاتِي فَتُطْرَح عَلَيْك بِسَبَبِ ظُلْمك لِي , وَتَبُوء بِإِثْمِك فِي قَتْلك ; وَهَذَا يَعْضِدهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( يُؤْتَى يَوْم الْقِيَامَة بِالظَّالِمِ وَالْمَظْلُوم فَيُؤْخَذ مِنْ حَسَنَات الظَّالِم فَتُزَاد فِي حَسَنَات الْمَظْلُوم حَتَّى يَنْتَصِف فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات الْمَظْلُوم فَتُطْرَح عَلَيْهِ ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَيَعْضِدهُ قَوْله تَعَالَى : " وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ " [ الْعَنْكَبُوت : 13 ] وَهَذَا بَيِّن لَا إِشْكَال فِيهِ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى إِنِّي أُرِيد أَلَّا تَبُوء بِإِثْمِي وَإِثْمك كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَأَلْقَى فِي الْأَرْض رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيد بِكُمْ " [ النَّحْل : 15 ] أَيْ لِئَلَّا تَمِيد بِكُمْ . وَقَوْله تَعَالَى : " يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا " [ النِّسَاء : 176 ] أَيْ لِئَلَّا تَضِلُّوا فَحَذَفَ " لَا " . قُلْت : وَهَذَا ضَعِيف ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا تُقْتَل نَفْس ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى اِبْن آدَم الْأَوَّل كِفْل مِنْ دَمهَا لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْل ) , فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ إِثْم الْقَتْل حَاصِل ; وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاء : إِنَّ الْمَعْنَى تَرْجِع بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمك الَّذِي عَمِلْته قَبْل قَتْلِي . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : هَذَا قَوْل عَامَّة أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ , وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِفْهَام , أَيْ أَوَ إِنِّي أُرِيد ؟ عَلَى جِهَة الْإِنْكَار ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَتِلْكَ نِعْمَة " أَيْ أَوَ تِلْكَ نِعْمَة ؟ وَهَذَا لِأَنَّ إِرَادَة الْقَتْل مَعْصِيَة . حَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ وَسُئِلَ أَبُو الْحَسَن بْن كَيْسَان : كَيْفَ يُرِيد الْمُؤْمِن أَنْ يَأْثَم أَخُوهُ وَأَنْ يَدْخُل النَّار ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا وَقَعَتْ الْإِرَادَة بَعْدَمَا بَسَطَ يَده إِلَيْهِ بِالْقَتْلِ ; وَالْمَعْنَى : لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي لَأَمْتَنِعَنَّ مِنْ ذَلِكَ مُرِيدًا لِلثَّوَابِ ; فَقِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ قَالَ : بِإِثْمِي وَإِثْمك ; وَأَيُّ إِثْم لَهُ إِذَا قُتِلَ ؟ فَقَالَ : فِيهِ ثَلَاثَة أَجْوِبَة ; أَحَدهَا : أَنْ تَبُوء بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْم ذَنْبك الَّذِي مِنْ أَجْله لَمْ يُتَقَبَّل قُرْبَانك , وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْل عَنْ مُجَاهِد , وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ تَبُوء بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْم اِعْتِدَائِك عَلَيَّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَأْثَم بِالِاعْتِدَاءِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُل , وَالْوَجْه الثَّالِث : أَنَّهُ لَوْ بَسَطَ يَده إِلَيْهِ أَثِمَ ; فَرَأَى أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ فَإِثْمه يَرْجِع عَلَى صَاحِبه . فَصَارَ هَذَا مِثْل قَوْلك : الْمَال بَيْنه وَبَيْن زَيْد ; أَيْ الْمَال بَيْنهمَا , فَالْمَعْنَى أَنْ تَبُوء بِإِثْمِنَا , وَأَصْل " بَاءَ " رَجَعَ إِلَى الْمَبَاءَة , وَهِيَ الْمَنْزِل . " وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه " [ الْبَقَرَة : 61 ] أَيْ رَجَعُوا , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى , وَقَالَ الشَّاعِر : أَلَا تَنْتَهِي عَنَّا مُلُوك وَتَتَّقِي مَحَارِمنَا لَا يَبْؤُء الدَّمُ بِالدَّمِ أَيْ لَا يَرْجِع الدَّم بِالدَّمِ فِي الْقَوَد .



دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُكَلَّفِينَ قَدْ لَحِقَهُمْ الْوَعْد وَالْوَعِيد , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِ هَابِيل لِأَخِيهِ قَابِيل : " فَتَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار " عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ; لِأَنَّ لَفْظ أَصْحَاب النَّار إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْكُفَّار حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآن , وَهَذَا مَرْدُود هُنَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَهْل الْعِلْم فِي تَأْوِيل الْآيَة , وَمَعْنَى " مِنْ أَصْحَاب النَّار " مُدَّة كَوْنك فِيهَا , وَاللَّه أَعْلَمُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أدب الموعظة

    أدب الموعظة: رسالة تضمَّنت تعريف الموعظة وآدابلها ومقاصدها وأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال وأفعال السلف الصالح عن ذلك.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355721

    التحميل:

  • المراحل الثمان لطالب فهم القرآن

    المراحل الثمان لطالب فهم القرآن: قال المؤلف: «فهذه رسالة « المرَاحِلُ الثَّمَان لطَالِب فَهْم القُرْآن »، وهي في أصلها دروس علمية ألقيت على عدد من المشرفات والمدرسات في مدارس تحفيظ القرآن النسائية، وهي رسالة علمية محضة، تتحدث عن أمر جليل القدر عظيم الأثر، يتعلق بكلام الملك الرحمن عز وجل».

    الناشر: مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية http://tadabbor.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332061

    التحميل:

  • الإيمان بالكتب

    الإيمان بالكتب: مباحث في بيان الإيمان بالكتب - وهو أحد أركان الإيمان -، تشتمل على بيان معناه وأحكامه وآدابه وتفصيل بعض مفرداته.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332498

    التحميل:

  • شرح لمعة الاعتقاد [ خالد المصلح ]

    لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد : رسالة مختصرة للعلامة ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، والقدر، واليوم الآخر، وما يجب تجاه الصحابة، والموقف من أهل البدع، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها ومنهم الشيخ خالد بن عبد الله المصلح - حفظه الله -.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313423

    التحميل:

  • منهج الدعوة وأئمة الدعوة

    منهج الدعوة وأئمة الدعوة: أصل الكتاب محاضرةٌ تحدَّث فيها الشيخ - حفظه الله - عن منهج أئمة الدعوة في العبادة، وعلى رأسهم في هذا العصر: الإمام المُجدِّد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ومن جاء بعده.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341898

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة