Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 13

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) (المائدة) mp3
أَيْ فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ , " مَا " زَائِدَة لِلتَّوْكِيدِ , عَنْ قَتَادَة وَسَائِر أَهْل الْعِلْم ; وَذَلِكَ أَنَّهَا تُؤَكِّد الْكَلَام بِمَعْنَى تُمَكِّنهُ فِي النَّفْس مِنْ جِهَة حُسْن النَّظْم , وَمِنْ جِهَة تَكْثِيره لِلتَّوْكِيدِ ; كَمَا قَالَ : لِشَيْءٍ مَا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُود فَالتَّأْكِيد بِعَلَامَةٍ مَوْضُوعَة كَالتَّأْكِيدِ بِالتَّكْرِيرِ .



قَالَ اِبْن عَبَّاس : عَذَّبْنَاهُمْ بِالْجِزْيَةِ . وَقَالَ الْحَسَن وَمُقَاتِل : بِالْمَسْخِ . عَطَاء : أَبْعَدْنَاهُمْ ; وَاللَّعْن الْإِبْعَاد وَالطَّرْد مِنْ الرَّحْمَة .



أَيْ صُلْبَة لَا تَعِي خَيْرًا وَلَا تَفْعَلهُ ; وَالْقَاسِيَة وَالْعَاتِيَة بِمَعْنًى وَاحِد , وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ وَحَمْزَة : " قَسِيَّة " بِتَشْدِيدِ الْيَاء مِنْ غَيْر أَلِف ; وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَالنَّخَعِيّ وَيَحْيَى بْن وَثَّاب , وَالْعَام الْقَسِيّ الشَّدِيد الَّذِي لَا مَطَر فِيهِ , وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الدَّرَاهِم الْقَسِيَّات أَيْ الْفَاسِدَة الرَّدِيئَة ; فَمَعْنَى " قَسِيَّة " عَلَى هَذَا لَيْسَتْ بِخَالِصَةِ الْإِيمَان , أَيْ فِيهَا نِفَاق . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; لِأَنَّهُ يُقَال : دِرْهَم قَسِيّ إِذَا كَانَ مَغْشُوشًا بِنُحَاسٍ أَوْ غَيْره . يُقَال : دِرْهَم قَسِيّ ( مُخَفَّف السِّين مُشَدَّد الْيَاء ) مِثَال شَقِيّ أَيْ زَائِف ; ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْد وَأَنْشَدَ : لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمّ السِّلَام كَمَا صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ يَصِف وَقْع الْمَسَاحِي فِي الْحِجَارَة , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ وَأَبُو عُبَيْد : دِرْهَم قَسِيّ كَأَنَّهُ مُعَرَّب قَاشِي . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهَذَا بَعِيد ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ مِنْ لُغَة الْعَرَب , بَلْ الدِّرْهَم الْقَسِيّ مِنْ الْقَسْوَة وَالشِّدَّة أَيْضًا ; لِأَنَّ مَا قَلَّتْ نُقْرَته يَقْسُو وَيَصْلُب , وَقَرَأَ الْأَعْمَش : " قَسِيَة " بِتَخْفِيفِ الْيَاء عَلَى وَزْن فَعِلَة نَحْو عَمِيَة وَشَجِيَة ; مِنْ قَسِيَ يَقْسَى لَا مِنْ قَسَا يَقْسُو , وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى وَزْن فَاعِلَة ; وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد ; وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْل الْعَلِيَّة وَالْعَالِيَة , وَالزَّكِيَّة وَالزَّاكِيَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : أَوْلَى مَا فِيهِ أَنْ تَكُون قَسِيَّة بِمَعْنَى قَاسِيَة , إِلَّا أَنَّ فَعِيلَة أَبْلَغُ مِنْ فَاعِلَة . فَالْمَعْنَى : جَعَلْنَا قُلُوبهمْ غَلِيظَة نَابِيَة عَنْ الْإِيمَان وَالتَّوْفِيق لِطَاعَتِي ; لِأَنَّ الْقَوْم لَمْ يُوصَفُوا بِشَيْءٍ مِنْ الْإِيمَان فَتَكُون قُلُوبهمْ مَوْصُوفَة بِأَنَّ إِيمَانهَا خَالَطَهُ كُفْر , كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّة الَّتِي خَالَطَهَا غِشّ . قَالَ الرَّاجِز : قَدْ قَسَوْت وَقَسَتْ لِدَاتِي



أَيْ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْر تَأْوِيله , وَيُلْقُونَ ذَلِكَ إِلَى الْعَوَامّ , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يُبَدِّلُونَ حُرُوفه . و " يُحَرِّفُونَ " فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ جَعَلْنَا قُلُوبهمْ قَاسِيَة مُحَرِّفِينَ , وَقَرَأَ السُّلَمِيّ وَالنَّخَعِيّ " الْكَلَام " بِالْأَلِفِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَة الرَّجْم .



أَيْ نَسُوا عَهْد اللَّه الَّذِي أَخَذَهُ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبَيَان نَعْته .



أَيْ وَأَنْتَ يَا مُحَمَّد لَا تَزَال الْآن تَقِف " عَلَى خَائِنَة مِنْهُمْ "



وَالْخَائِنَة الْخِيَانَة ; قَالَ قَتَادَة , وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة , وَيَكُون مِثْل قَوْلهمْ : قَائِلَة بِمَعْنَى قَيْلُولَة , وَقِيلَ : هُوَ نَعْت لِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِير فِرْقَة خَائِنَة , وَقَدْ تَقَع " خَائِنَة " لِلْوَاحِدِ كَمَا يُقَال : رَجُل نَسَّابَة وَعَلَّامَة ; فَخَائِنَة عَلَى هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ ; يُقَال : رَجُل خَائِنَة إِذَا بَالَغْت فِي وَصْفه بِالْخِيَانَةِ . قَالَ الشَّاعِر : حَدَّثْت نَفْسك بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ لِلْغَدْرِ خَائِنَة مُغِلّ الْإِصْبَعِ قَالَ اِبْن عَبَّاس : " عَلَى خَائِنَة " أَيْ مَعْصِيَة , وَقِيلَ : كَذِب وَفُجُور , وَكَانَتْ خِيَانَتهمْ نَقْضهمْ الْعَهْد بَيْنهمْ وَبَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمُظَاهَرَتهمْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; كَيَوْمِ الْأَحْزَاب وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ هَمّهمْ بِقَتْلِهِ وَسَبّه .



لَمْ يَخُونُوا فَهُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْهَاء وَالْمِيم اللَّتَيْنِ فِي " خَائِنَة مِنْهُمْ " .



فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ مَا دَامَ بَيْنك وَبَيْنهمْ عَهْد وَهُمْ أَهْل الذِّمَّة , وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّهُ مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف , وَقِيلَ : بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَة " [ الْأَنْفَال : 58 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المقالات السنية في تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية

    المقالات السنية في تبرئة شيخ الإسلام ابن تيمية ورد مفتريات الفرقة الحبشية: في هذه الرسالة تفنيد لشبهات الأحباش ضد أهل السنة والجماعة، وبيان أخطائهم الفادحة في الأصول والفروع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/346918

    التحميل:

  • تفسير الطبري [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]

    تفسير الطبري [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]: في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الآية من كتاب تفسير الطبري، وهو من أجلِّ التفاسير وأعظمها شأناً, وقد حُكِي الإجماع على أنه ما صُنِّف مثله، وذلك لما تميَّز به من: • جمع المأثور عن الصحابة وغيرهم في التفسير. • الاهتمام بالنحو والشواهد الشعرية. • تعرضه لتوجيه الأقوال. • الترجيح بين الأقوال والقراءات. • الاجتهاد في المسائل الفقهية مع دقة في الاستنباط. • خلوه من البدع, وانتصاره لمذهب أهل السنة. - يقول الحافظ ابن حجر ملخصاً مزاياه: (وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء...كاستيعاب القراءات, والإعراب, والكلام في أكثر الآيات على المعاني, والتصدي لترجيح بعض الأقوال على بعض). ومنهجه في كتابه أنه يصدر تفسيره للآيات بذكر المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ومن دونهم بقوله: (القول في تأويل قوله تعالى....) بعد أن يستعرض المعنى الإجمالي للآية، فإن كان فيها أقوال سردها, وأتبع كل قول بحجج قائليه رواية ودراية, مع التوجيه للأقوال, والترجيح بينها بالحجج القوية.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2480

    التحميل:

  • التوبة وظيفة العمر

    التوبة وظيفة العمر : فإن التوبة وظيفة العمر، وبداية العبد ونهايته، وأول منازل العبودية، وأوسطها، وآخرها. وإن حاجتنا إلى التوبة ماسة، بل إن ضرورتنا إليها ملحَّة؛ فنحن نذنب كثيرًا ونفرط في جنب الله ليلاً ونهارًا؛ فنحتاج إلى ما يصقل القلوب، وينقيها من رين المعاصي والذنوب، ثم إن كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون؛ فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية. وهذا الكتاب يحتوي على بيان فضائل التوبة وأحكامها، ثم بيان الطريق إلى التوبة، وقد اختصره المؤلف في كتاب يحمل نفس العنوان، ويمكن الوصول إليه عن طريق صفحة المؤلف في موقعنا.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172578

    التحميل:

  • كيف نعيش رمضان؟

    كيف نعيش رمضان؟: رسالةٌ ألقت الضوء على كيفية استقبال شهر رمضان، وما هي طرق استغلاله في تحصيل الأجور والحسنات.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364323

    التحميل:

  • صلاة التطوع في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة التطوع في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في «صلاة التطوع» بيّن فيها المؤلف - حفظه الله -: مفهوم صلاة التطوع، وفضلها، وأقسامها، وأنواعها، وكل ما يحتاجه المسلم من فقهٍ في هذا المبحث، بالأدلة من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/53246

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة