Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 118

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) (المائدة) mp3
قَوْله تَعَالَى : " إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك " شَرْط وَجَوَابه " وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " مِثْله رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِآيَةٍ لَيْلَة حَتَّى أَصْبَحَ , وَالْآيَة : " إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله فَقِيلَ : قَالَهُ عَلَى وَجْه الِاسْتِعْطَاف لَهُمْ , وَالرَّأْفَة بِهِمْ , كَمَا يَسْتَعْطِف السَّيِّد لِعَبْدِهِ ; وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ : فَإِنَّهُمْ عَصَوْك , وَقِيلَ : قَالَهُ عَلَى وَجْه التَّسْلِيم لِأَمْرِهِ وَالِاسْتِجَارَة مِنْ عَذَابه , وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ لَا يُغْفَر لِكَافِرٍ , وَقِيلَ الْهَاء وَالْمِيم فِي " إِنْ تُعَذِّبهُمْ " لِمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْر , وَالْهَاء وَالْمِيم فِي " إِنْ تَغْفِر لَهُمْ " لِمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْل الْمَوْت ; وَهَذَا حَسَن , وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَعْلَم أَنَّ الْكَافِر لَا يَغْفِر لَهُ فَقَوْل مُجْتَرِئ عَلَى كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; لِأَنَّ الْأَخْبَار مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا تُنْسَخ . وَقِيلَ : كَانَ عِنْد عِيسَى أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا مَعَاصِي , وَعَمِلُوا بَعْده بِمَا لَمْ يَأْمُرهُمْ بِهِ , إِلَّا أَنَّهُمْ عَلَى عَمُود دِينه , فَقَالَ : وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ مَا أَحْدَثُوا بَعْدِي مِنْ الْمَعَاصِي , وَقَالَ : " فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " وَلَمْ يَقُلْ : فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْقِصَّة مِنْ التَّسْلِيم لِأَمْرِهِ , وَالتَّفْوِيض لِحُكْمِهِ . وَلَوْ قَالَ : فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم لَأَوْهَمَ الدُّعَاء بِالْمَغْفِرَةِ لِمَنْ مَاتَ عَلَى شِرْكه وَذَلِكَ مُسْتَحِيل ; فَالتَّقْدِير إِنْ تُبْقِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ حَتَّى يَمُوتُوا وَتُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك , وَإِنْ تَهْدِهِمْ إِلَى تَوْحِيدك وَطَاعَتك فَتَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْك مَا تُرِيدهُ ; الْحَكِيم فِيمَا تَفْعَلهُ ; تُضِلّ مَنْ تَشَاء وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء , وَقَدْ قَرَأَ جَمَاعَة : " فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم " وَلَيْسَتْ مِنْ الْمُصْحَف . ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض فِي كِتَاب " الشِّفَا " وَقَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : وَقَدْ طَعَنَ عَلَى الْقُرْآن مَنْ قَالَ إِنَّ قَوْله : " إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " لَيْسَ بِمُشَاكِلٍ لِقَوْلِهِ : " وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ " لِأَنَّ الَّذِي يُشَاكِل الْمَغْفِرَة فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَحْتَمِل إِلَّا مَا أَنْزَلَهُ اللَّه وَمَتَى نُقِلَ إِلَى الَّذِي نَقَلَهُ إِلَيْهِ ضَعُفَ مَعْنَاهُ ; فَإِنَّهُ يَنْفَرِد الْغَفُور الرَّحِيم بِالشَّرْطِ الثَّانِي فَلَا يَكُون لَهُ بِالشَّرْطِ الْأَوَّل تَعَلُّق , وَهُوَ عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَاجْتَمَعَ عَلَى قِرَاءَته الْمُسْلِمُونَ مَقْرُون بِالشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِمَا أَوَّلهمَا وَآخِرهمَا ; إِذْ تَلْخِيصه إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ عَزِيز حَكِيم , وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم فِي الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا مِنْ التَّعْذِيب وَالْغُفْرَان , فَكَانَ الْعَزِيز الْحَكِيم أَلْيَق بِهَذَا الْمَكَان لِعُمُومِهِ ; فَإِنَّهُ يَجْمَع الشَّرْطَيْنِ , وَلَمْ يَصْلُح الْغَفُور الرَّحِيم إِذْ لَمْ يَحْتَمِل مِنْ الْعُمُوم مَا اِحْتَمَلَهُ الْعَزِيز الْحَكِيم , وَمَا شَهِدَ بِتَعْظِيمِ اللَّه تَعَالَى وَعَدْله وَالثَّنَاء عَلَيْهِ فِي الْآيَة كُلّهَا وَالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَوْلَى وَأَثْبَت مَعْنًى فِي الْآيَة مِمَّا يَصْلُح لِبَعْضِ الْكَلَام دُون بَعْض . خَرَّجَ مُسْلِم مِنْ غَيْر طَرِيق عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيم " رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاس فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّك غَفُور رَحِيم " [ إِبْرَاهِيم : 36 ] وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : " إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ أُمَّتِي ) وَبَكَى فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : ( يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد وَرَبّك أَعْلَم فَسَلْهُ مَا يُبْكِيك ) فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَم . فَقَالَ اللَّه : يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد فَقُلْ لَهُ إِنَّا سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا نَسُوءك ) وَقَالَ بَعْضهمْ : فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ , إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك , وَوَجْه الْكَلَام عَلَى نَسَقِهِ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّاهُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • كشف الشبهات في التوحيد

    كشف الشبهات: رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة.

    الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1875

    التحميل:

  • فقر المشاعر

    فقر المشاعر : هذه صفحات حول ظاهرة تحتاج إلى بسط، وإلقاء ضوء، وعلاج، تلكم هي ظاهرة فقر المشاعر. هذه الظاهرة التي عمت، وكثرت الشكوى منها، وصارت من ضمن مايبحث فيه المصلحون، ويسعون إلى علاجه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172592

    التحميل:

  • الحجاب لماذا؟

    الحجاب لماذا؟: فقد لقيت المرأة المسلمة من التشريع الإسلامي عناية فائقة كفيلة بأن تصون عفتها, وتجعلها عزيزة الجانب, سامية المكانة, وإن القيود التي فُرضت عليها في ملبسها وزينتها لم تكن إلا لسد ذريعة الفساد الذي ينتج عن التبرج بالزينة, فما صنعه الإسلام ليس تقيدًا لحرية المرأة, بل هو وقاية لها أن تسقط في دَرَكِ المهانة, وَوَحْل الابتذال, أو تكون مَسْرحًا لأعين الناظرين؛ وفي هذه الرسالة بيان لبعض فضائل الحجاب للترغيب فيه؛ والتبشير بحسن عاقبته, وقبائح التبرج للترهيب منه؛ والتحذير من سوء عاقبته في الدنيا والآخرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339993

    التحميل:

  • المأثورات من الأذكار والدعوات في الصلوات

    المأثورات من الأذكار والدعوات في الصلوات: جملة من الأذكار والدعوات الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة في جميع أركانها وهيئاتها وبعد الصلاة.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330465

    التحميل:

  • فضائل القرآن الكريم

    فضائل القرآن الكريم : فهذه كلمات نفيسة جمعتها، وأزهار عطيرة اقتطفتها، وفوائد لطيفة اختصرتها من كلام الله تعالى ومن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام أهل العلم فيما يهم كل مسلم نحو كتاب ربه الذي أنزله على خير خلقه وخاتم أنبيائه لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209192

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة