Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 112

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) (المائدة) mp3
قَوْله تَعَالَى : " إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم " عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِعْرَاب . " هَلْ يَسْتَطِيع رَبّك " . قِرَاءَة الْكِسَائِيّ وَعَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد " هَلْ تَسْتَطِيع " بِالتَّاءِ " رَبَّك " بِالنَّصْبِ , وَأَدْغَمَ الْكِسَائِيّ اللَّام مِنْ " هَلْ " فِي التَّاء , وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ , " رَبُّك " بِالرَّفْعِ , وَهَذِهِ الْقِرَاءَة أَشْكَل مِنْ الْأُولَى ; فَقَالَ السُّدِّيّ : الْمَعْنَى هَلْ يُطِيعك رَبّك إِنْ سَأَلْته " أَنْ يُنَزِّل " فَيَسْتَطِيع بِمَعْنَى يُطِيع ; كَمَا قَالُوا : اِسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ , وَكَذَلِكَ اِسْتَطَاعَ بِمَعْنَى أَطَاعَ , وَقِيلَ الْمَعْنَى : هَلْ يَقْدِر رَبّك وَكَانَ هَذَا السُّؤَال فِي اِبْتِدَاء أَمْرهمْ قَبْل اِسْتِحْكَام مَعْرِفَتهمْ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى فِي الْجَوَاب عِنْد غَلَطهمْ وَتَجْوِيزهمْ عَلَى اللَّه مَا لَا يَجُوز : " اِتَّقُوا اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " أَيْ لَا تَشُكُّوا فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى . قُلْت : وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ الْحَوَارِيِّينَ خُلْصَان الْأَنْبِيَاء وَدُخَلَاؤُهُمْ وَأَنْصَارهمْ كَمَا قَالَ : " مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَار اللَّه " [ الصَّفّ : 14 ] , وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لِكُلِّ نَبِيّ حَوَارِيّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْر ) وَمَعْلُوم أَنَّ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ جَاءُوا بِمَعْرِفَةِ اللَّه تَعَالَى وَمَا يَجِب لَهُ وَمَا يَجُوز وَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ وَأَنْ يُبَلِّغُوا ذَلِكَ أُمَمهمْ ; فَكَيْفَ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَاطَنَهُمْ وَاخْتُصَّ بِهِمْ حَتَّى يَجْهَلُوا قُدْرَة اللَّه تَعَالَى ؟ إِلَّا أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ صَدْر مِمَّنْ كَانَ مَعَهُمْ , كَمَا قَالَ بَعْض جُهَّال الْأَعْرَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِجْعَلْ لَنَا ذَات أَنْوَاط كَمَا لَهُمْ ذَات أَنْوَاط , وَكَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ قَوْم مُوسَى : " اِجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة " [ الْأَعْرَاف : 138 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " الْأَعْرَاف " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقِيلَ : إِنَّ الْقَوْم لَمْ يَشُكُّوا فِي اِسْتِطَاعَة الْبَارِي سُبْحَانه لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ عَارِفِينَ عَالِمِينَ , وَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك لِلرَّجُلِ : هَلْ يَسْتَطِيع فُلَان أَنْ يَأْتِيَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَسْتَطِيع ; فَالْمَعْنَى : هَلْ يَفْعَل ذَلِكَ ؟ وَهَلْ يُجِيبنِي إِلَى ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ كَانُوا عَالِمِينَ بِاسْتِطَاعَةِ اللَّه تَعَالَى لِذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ عِلْم دَلَالَة وَخَبَر وَنَظَر فَأَرَادُوا عِلْم مُعَايَنَة كَذَلِكَ ; كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى " [ الْبَقَرَة : 260 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيم عَلِمَ لِذَلِكَ عِلْم خَبَر وَنَظَر , وَلَكِنْ أَرَادَ الْمُعَايَنَة الَّتِي لَا يَدْخُلهَا رَيْب وَلَا شُبْهَة ; لِأَنَّ عِلْم النَّظَر وَالْخَبَر قَدْ تَدْخُلهُ الشُّبْهَة وَالِاعْتِرَاضَات , وَعِلْم الْمُعَايَنَة لَا يَدْخُلهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَلِذَلِكَ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ : " وَتَطْمَئِنّ قُلُوبنَا " كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم : " وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي " [ الْبَقَرَة : 260 ]

قُلْت : وَهَذَا تَأْوِيل حَسَن ; وَأَحْسَن مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ قَوْل مَنْ كَانَ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه وَقَدْ أَدْخَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ الْمُسْتَطِيع فِي أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى , وَقَالَ : لَمْ يَرِد بِهِ كِتَاب وَلَا سُنَّة اِسْمًا وَقَدْ وَرَدَ فِعْلًا , وَذَكَرَ قَوْل الْحَوَارِيِّينَ : " هَلْ يَسْتَطِيع رَبّك " وَرَدَّهُ عَلَيْهِ اِبْن الْحَصَّار فِي كِتَاب شَرْح السُّنَّة لَهُ وَغَيْرُهُ ; قَالَ اِبْن الْحَصَّار : وَقَوْله سُبْحَانه مُخْبِرًا عَنْ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى : " هَلْ يَسْتَطِيع رَبّك " لَيْسَ بِشَكٍّ فِي الِاسْتِطَاعَة , وَإِنَّمَا هُوَ تَلَطُّف فِي السُّؤَال , وَأَدَب مَعَ اللَّه تَعَالَى ; إِذْ لَيْسَ كُلّ مُمْكِن سَبَقَ فِي عِلْمه وُقُوعه وَلَا لِكُلِّ أَحَد , وَالْحَوَارِيُّونَ هُمْ كَانُوا خِيرَة مَنْ آمَنَ بِعِيسَى , فَكَيْفَ يُظَنّ بِهِمْ الْجَهْل بِاقْتِدَارِ اللَّه تَعَالَى عَلَى كُلّ شَيْء مُمْكِن ؟ ! وَأَمَّا قِرَاءَة " التَّاء " فَقِيلَ الْمَعْنَى هَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تَسْأَل رَبّك , هَذَا قَوْل عَائِشَة وَمُجَاهِد - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ; قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : كَانَ الْقَوْم أَعْلَم بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ يَقُولُوا " هَلْ يَسْتَطِيع رَبّك " قَالَتْ : وَلَكِنْ " هَلْ تَسْتَطِيع رَبَّك " , وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ الْحَوَارِيُّونَ لَا يَشُكُّونَ أَنَّ اللَّه يَقْدِر عَلَى إِنْزَال مَائِدَة وَلَكِنْ قَالُوا : " هَلْ تَسْتَطِيع رَبّك " وَعَنْ مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ : أَقْرَأَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هَلْ تَسْتَطِيع رَبّك " قَالَ مُعَاذ : وَسَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِرَارًا يَقْرَأ بِالتَّاءِ " هَلْ تَسْطِيع رَبّك " وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى هَلْ تَسْتَدْعِي طَاعَة رَبّك فِيمَا تَسْأَلهُ , وَقِيلَ : هَلْ تَسْتَطِيع أَنْ تَدْعُوَ رَبّك أَوْ تَسْأَلهُ ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب , وَلَا بُدّ مِنْ مَحْذُوف , كَمَا قَالَ : " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] وَعَلَى قِرَاءَة الْيَاء لَا يَحْتَاج إِلَى حَذْف .


أَيْ اِتَّقُوا مَعَاصِيه وَكَثْرَة السُّؤَال ; فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَحِلّ بِكُمْ عِنْد اِقْتِرَاح الْآيَات ; إِذْ كَانَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا يَفْعَل الْأَصْلَح لِعِبَادِهِ .



أَيْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِمَا جِئْت بِهِ فَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْ الْآيَات مَا فِيهِ غِنًى .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • القيم الحضارية في رسالة خير البشرية

    هذا الكتاب يثبت أن الإسلام جاء بكل خير، وأن ما من قيمة أو مبدأ تحتاج إليه البشرية إلا وقد جاء به الإسلام.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/351698

    التحميل:

  • دراسة لقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}

    دراسة لقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}: هذه الدراسة في تدبر هذه الآية الكريمة وسبر فقه معانيها، وهي في أربعة مباحث: المبحث الأول: علاقة الآية بسياقها. المبحث الثاني: معاني ألفاظ الآية. المبحث الثالث: دلالات التراكيب في الآية. المبحث الرابع: معنى الآية والأقوال فيه.

    الناشر: الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب www.aqeeda.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/332499

    التحميل:

  • السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

    السياسة الشرعية : رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والآيات النبوية، لا يستغني عنها الراعي والرعية، كتبها - رحمه الله - في ليلة لما سأله الإمام أن يعلق له شيئا من أحكام الرعايا، وما ينبغي للمتولي.

    المدقق/المراجع: علي بن محمد العمران

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com - مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية - دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/104626

    التحميل:

  • جلسة مع مغترب

    جلسة مع مغترب: قال المؤلف - حفظه الله -: «إنه مسلم أقام في بلاد الكفار .. ألقى فيها رحله .. استقرَّ في جَنَباتها .. بعدما عصفت به الرياح .. وضاقت به الأرض .. ففارق الأهل والأوطان .. وسكن في شاسع البلدان .. وهو في شرق الأرض .. وأخوه في غربها .. وأخته في شمالها .. وابنه في جنوبها .. أما ابن عمه فقد انقطعت عنه أخباره فلا يدري إذا ذكره .. هل يقول: حفظه الله! أم يقول: رحمه الله؟!! المغتربون كل واحد منهم له قصة .. وكل أبٍ كسير في صدره مأساة .. وفي وجه كل واحد منهم حكاية .. ولعلنا نقف في هذا الكتاب على شيء من واقعهم .. ونجلس معهم .. نفيدهم ونستفيد منهم».

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333918

    التحميل:

  • العلم والتربية والتعليم

    العلم والتربية والتعليم : في هذه الرسالة بيان طرق التعلم وأسباب فهم الدروس وتربية الأبناء كما يجب أن تكون وبيان مسئولية المدرس وكونه تحمل مسئولية كبرى وأمانة عظمى سيسأل عنها أمام الله يوم القيامة نحو طلبته وبيان واجب الآباء نحو الأبناء من التربية والقدوة الحسنة والتعليم النافع والكلام الطيب والأدب الحسن. وبيان مسئولية الطالب تجاه مدرسية وزملائه ووالديه بالبر والإحسان والأدب والأخلاق الطيبة. كما اشتملت هذه الرسالة على الحث على اختيار الجليس الصالح المطيع لله ورسوله والقائم بحقوق الله وحقوق عباده حيث إن المرء معتبر بقرينه وسوف يكون على دين خليله فلينظر من يخالل.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209117

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة