Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة المائدة - الآية 101

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) (المائدة) mp3
فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : رَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا - وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ - عَنْ أَنَس قَالَ , قَالَ رَجُل : يَا نَبِيّ اللَّه , مَنْ أَبِي ؟ قَالَ : ( أَبُوك فُلَان ) قَالَ فَنَزَلَتْ " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " الْآيَة , وَخَرَّجَ أَيْضًا عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ : ( فَوَاَللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْء إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْت فِي مَقَامِي هَذَا ) فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل فَقَالَ : أَيْنَ مَدْخَلِي يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( النَّار ) . فَقَامَ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة فَقَالَ : مَنْ أَبِي يَا رَسُول اللَّه فَقَالَ : ( أَبُوك حُذَافَة ) وَذَكَرَ الْحَدِيث قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة أَسْلَمَ قَدِيمًا , وَهَاجَرَ إِلَى أَرْض الْحَبَشَة الْهِجْرَة الثَّانِيَة , وَشَهِدَ بَدْرًا وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَة , وَكَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَرْسَلَهُ إِلَى كِسْرَى بِكِتَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ سَلَّمَ ; وَلَمَّا قَالَ مَنْ أَبِي يَا رَسُول اللَّه ; قَالَ : ( أَبُوك حُذَافَة ) قَالَتْ لَهُ أُمّه : مَا سَمِعْت بِابْنٍ أَعَقّ مِنْك آمَنْت أَنْ تَكُون أُمّك قَارَفَتْ مَا يُقَارِف نِسَاء الْجَاهِلِيَّة فَتَفْضَحهَا عَلَى أَعْيُن النَّاس ! فَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَد لَلَحِقْت بِهِ , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حِجّ الْبَيْت مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا " [ آل عِمْرَان : 97 ] . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَفِي كُلّ عَام ؟ فَسَكَتَ , فَقَالُوا : أَفِي كُلّ عَام ؟ قَالَ : ( لَا وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ ) , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " إِلَى آخِر الْآيَة . وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيِّ سُئِلَ الْبُخَارِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : هُوَ حَدِيث حَسَن إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَل ; أَبُو الْبَخْتَرِيّ لَمْ يُدْرِك عَلِيًّا , وَاسْمه سَعِيد , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا عَنْ أَبِي عِيَاض عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ ) فَقَامَ رَجُل فَقَالَ : فِي كُلّ عَام يَا رَسُول اللَّه ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ , ثُمَّ عَادَ فَقَالَ : فِي كُلّ عَام يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ : ( وَمَنْ الْقَائِل ) ؟ قَالُوا : فُلَان ; قَالَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ مَا أَطَقْتُمُوهَا وَلَوْ لَمْ تُطِيقُوهَا لَكَفَرْتُمْ ) فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " الْآيَة , وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي هَذِهِ الْآيَة : سَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُمُور الْجَاهِلِيَّة الَّتِي عَفَا اللَّه عَنْهَا وَلَا وَجْه لِلسُّؤَالِ عَمَّا عَفَا اللَّه عَنْهُ , وَرَوَى مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْم سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْحَام ; وَهُوَ قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر ; وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْده : " مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَة وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ " [ الْمَائِدَة : 103 ] . قُلْت : وَفِي الصَّحِيح وَالْمُسْنَد كِفَايَة . وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْجَمِيعِ , فَيَكُون السُّؤَال قَرِيبًا بَعْضه مِنْ بَعْض , وَاللَّه أَعْلَمُ . و " أَشْيَاء " وَزْنه أَفْعَال ; وَلَمْ يُصْرَف لِأَنَّهُ مُشَبَّه بِحَمْرَاء ; قَالَهُ الْكِسَائِيّ وَقِيلَ : وَزْنه أَفْعِلَاء ; كَقَوْلِك : هَيْن وَأَهْوِنَاء ; عَنْ الْفَرَّاء وَالْأَخْفَش وَيُصَغَّر فَيُقَال : أُشَيَّاء ; قَالَ الْمَازِنِيّ : يَجِب أَنْ يُصَغَّر شُيَيْآت كَمَا يُصَغَّر أَصْدِقَاء ; فِي الْمُؤَنَّث صُدَيْقَات وَفِي الْمُذَكَّر صُدَيْقُونَ . الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن عَوْن : سَأَلْت نَافِعًا عَنْ قَوْله تَعَالَى " لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ " فَقَالَ : لَمْ تَزَلْ الْمَسَائِل مُنْذُ قَطُّ تُكْرَه . رَوَى مُسْلِم عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوق الْأُمَّهَات وَوَأْد الْبَنَات وَمَنْعًا وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا : قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَة السُّؤَال وَإِضَاعَة الْمَال ) . قَالَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ ( وَكَثْرَة السُّؤَال ) التَّكْثِير مِنْ السُّؤَال فِي الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّة تَنَطُّعًا , وَتَكَلُّفًا فِيمَا لَمْ يُنَزَّل , وَالْأُغْلُوطَات وَتَشْقِيق الْمُوَلَّدَات , وَقَدْ كَانَ السَّلَف يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَرَوْنَهُ مِنْ التَّكْلِيف , وَيَقُولُونَ : إِذَا نَزَلَتْ النَّازِلَة وُفِّقَ الْمَسْئُول لَهَا . قَالَ مَالِك : أَدْرَكْت أَهْل هَذَا الْبَلَد وَمَا عِنْدهمْ عِلْم غَيْر الْكِتَاب وَالسُّنَّة , فَإِذَا نَزَلَتْ نَازِلَة جَمَعَ الْأَمِير لَهَا مَنْ حَضَرَ مِنْ الْعُلَمَاء فَمَا اِتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنْفَذَهُ , وَأَنْتُمْ تُكْثِرُونَ الْمَسَائِل وَقَدْ كَرِهَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِكَثْرَةِ الْمَسَائِل كَثْرَة سُؤَال النَّاس الْأَمْوَال وَالْحَوَائِج إِلْحَاحًا وَاسْتِكْثَارًا ; وَقَالَهُ أَيْضًا مَالِك وَقِيلَ : الْمُرَاد بِكَثْرَةِ الْمَسَائِل السُّؤَال عَمَّا لَا يَعْنِي مِنْ أَحْوَال النَّاس بِحَيْثُ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى كَشْف عَوْرَاتهمْ وَالِاطِّلَاع عَلَى مَسَاوِئِهِمْ . وَهَذَا مِثْل قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا " [ الْحُجُرَات : 12 ] قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا مَتَى قُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَام لَمْ يَسْأَل عَنْهُ مِنْ أَيْنَ هَذَا أَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ شَيْء يَشْتَرِيه لَمْ يَسْأَل مِنْ أَيْنَ هُوَ وَحَمَلَ أُمُور الْمُسْلِمِينَ عَلَى السَّلَامَة وَالصِّحَّة . قُلْت : وَالْوَجْه حَمْل الْحَدِيث عَلَى عُمُومه فَيَتَنَاوَل جَمِيع تِلْكَ الْوُجُوه كُلّهَا , وَاللَّه أَعْلَمُ . الثَّالِثَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِعْتَقَدَ قَوْم مِنْ الْغَافِلِينَ تَحْرِيم أَسْئِلَة النَّوَازِل حَتَّى تَقَع تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَة مُصَرِّحَة بِأَنَّ السُّؤَال الْمَنْهِيّ عَنْهُ إِنَّمَا كَانَ فِيمَا تَقَع الْمَسَاءَة فِي جَوَابه وَلَا مَسَاءَة فِي جَوَاب نَوَازِل الْوَقْت فَافْتَرَقَا . قُلْت قَوْله : اِعْتَقَدَ قَوْم مِنْ الْغَافِلِينَ فِيهِ قُبْح , وَإِنَّمَا كَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَقُول : ذَهَبَ قَوْم إِلَى تَحْرِيم أَسْئِلَة النَّوَازِل , لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَته , وَإِنَّمَا قُلْنَا كَانَ أَوْلَى بِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَوْم مِنْ السَّلَف يَكْرَههَا , وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَلْعَن مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ ; ذَكَرَهُ الدَّارِمِيّ فِي مُسْنَده ; وَذُكِرَ عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ زَيْد بْن ثَابِت الْأَنْصَارِيّ كَانَ يَقُول إِذَا سُئِلَ عَنْ الْأَمْر : أَكَانَ هَذَا ؟ فَإِنْ قَالُوا : نَعَمْ قَدْ كَانَ حَدَّثَ فِيهِ بِاَلَّذِي يَعْلَم , وَإِنْ قَالُوا : لَمْ يَكُنْ قَالَ فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُون , وَأَسْنَدَ عَنْ عَمَّار بْن يَاسِر وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَة فَقَالَ : هَلْ كَانَ هَذَا بَعْد ؟ قَالُوا : لَا ; قَالَ : دَعُونَا حَتَّى يَكُون , فَإِذَا كَانَ تَجَشَّمْنَاهَا لَكُمْ . قَالَ الدَّارِمِيّ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي شَيْبَة , قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن فُضَيْل عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَا رَأَيْت قَوْمًا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَا سَأَلُوهُ إِلَّا عَنْ ثَلَاث عَشْرَة مَسْأَلَة حَتَّى قُبِضَ , كُلّهنَّ فِي الْقُرْآن ; مِنْهُنَّ " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام " [ الْبَقَرَة : 217 ] , " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيض " [ الْبَقَرَة : 222 ] وَشِبْهُهُ مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إِلَّا عَمَّا يَنْفَعهُمْ . الرَّابِعَة : قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : السُّؤَال الْيَوْم لَا يُخَاف مِنْهُ أَنْ يَنْزِل تَحْرِيم وَلَا تَحْلِيل مِنْ أَجْله , فَمَنْ سَأَلَ مُسْتَفْهِمًا رَاغِبًا فِي الْعِلْم وَنَفْي الْجَهْل عَنْ نَفْسه , بَاحِثًا عَنْ مَعْنًى يَجِب الْوُقُوف فِي الدِّيَانَة عَلَيْهِ , فَلَا بَأْس بِهِ , فَشِفَاء الْعِيّ السُّؤَال ; وَمَنْ سَأَلَ مُتَعَنِّتًا غَيْر مُتَفَقِّه وَلَا مُتَعَلِّم فَهُوَ الَّذِي لَا يَحِلّ قَلِيل سُؤَاله وَلَا كَثِيره ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَشْتَغِل بِهِ هُوَ بَسْط الْأَدِلَّة , وَإِيضَاح سُبُل النَّظَر , وَتَحْصِيل مُقَدِّمَات الِاجْتِهَاد , وَإِعْدَاد الْآلَة الْمُعِينَة عَلَى الِاسْتِمْدَاد ; فَإِذَا عَرَضَتْ نَازِلَة أُتِيَتْ مِنْ بَابهَا , وَنُشِدَتْ فِي مَظَانّهَا , وَاَللَّه يَفْتَح فِي صَوَابهَا .



فِيهِ غُمُوض , وَذَلِكَ أَنَّ فِي أَوَّل الْآيَة النَّهْي عَنْ السُّؤَال , ثُمَّ قَالَ : " وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِين يُنَزَّل الْقُرْآن تُبْدَ لَكُمْ " فَأَبَاحَهُ لَهُمْ ; فَقِيلَ : الْمَعْنَى وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ غَيْرهَا فِيمَا مَسَّتْ الْحَاجَة إِلَيْهِ , فَحَذَفَ الْمُضَاف , وَلَا يَصِحّ حَمْله عَلَى غَيْر الْحَذْف . قَالَ الْجُرْجَانِيّ : الْكِنَايَة فِي " عَنْهَا " تَرْجِع إِلَى أَشْيَاء أُخَر ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين " [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 ] يَعْنِي آدَم , ثُمَّ قَالَ : " ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة " [ الْمُؤْمِنُونَ : 13 ] أَيْ اِبْن آدَم ; لِأَنَّ آدَم لَمْ يُجْعَل نُطْفَة فِي قَرَار مَكِين , لَكِنْ لَمَّا ذُكِرَ الْإِنْسَان وَهُوَ آدَم دَلَّ عَلَى إِنْسَان مِثْله , وَعُرِفَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الْحَال ; فَالْمَعْنَى وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء حِين يُنَزَّل الْقُرْآن مِنْ تَحْلِيل أَوْ تَحْرِيم أَوْ حُكْم , أَوْ مَسَّتْ حَاجَتكُمْ إِلَى التَّفْسِير , فَإِذَا سَأَلْتُمْ فَحِينَئِذٍ تُبْدَ لَكُمْ ; فَقَدْ أَبَاحَ هَذَا النَّوْع مِنْ السُّؤَال : وَمِثَاله أَنَّهُ بَيَّنَ عِدَّة الْمُطَلَّقَة وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا وَالْحَامِل , وَلَمْ يَجْرِ ذِكْر عِدَّة الَّتِي لَيْسَتْ بِذَاتِ قُرْء وَلَا حَامِل , فَسَأَلُوا عَنْهَا فَنَزَلَ " وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيض " [ الطَّلَاق : 4 ] . فَالنَّهْي إِذًا فِي شَيْء لَمْ يَكُنْ بِهِمْ حَاجَة إِلَى السُّؤَال فِيهِ ; فَأَمَّا مَا مَسَّتْ الْحَاجَة إِلَيْهِ فَلَا .



أَيْ عَنْ الْمَسْأَلَة الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ , وَقِيلَ : عَنْ الْأَشْيَاء الَّتِي سَأَلُوا عَنْهَا مِنْ أُمُور الْجَاهِلِيَّة وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا , وَقِيلَ : الْعَفْو بِمَعْنَى التَّرْك ; أَيْ تَرَكَهَا وَلَمْ يُعَرِّف بِهَا فِي حَلَال وَلَا حَرَام فَهُوَ مَعْفُوّ عَنْهَا فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهُ فَلَعَلَّهُ إِنْ ظَهَرَ لَكُمْ حُكْمه سَاءَكُمْ , وَكَانَ عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : إِنَّ اللَّه أَحَلَّ وَحَرَّمَ , فَمَا أَحَلَّ فَاسْتَحِلُّوهُ , وَمَا حَرَّمَ فَاجْتَنِبُوهُ , وَتَرَكَ بَيْن ذَلِكَ أَشْيَاء لَمْ يُحَلِّلهَا وَلَمْ يُحَرِّمهَا , فَذَلِكَ عَفْو مِنْ اللَّه , ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة . وَخَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِض فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَات فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّدَ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاء مِنْ غَيْر نِسْيَان فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا ) وَالْكَلَام عَلَى هَذَا التَّقْدِير فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير ; أَيْ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء عَفَا اللَّه عَنْهَا إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ , أَيْ أَمْسَكَ عَنْ ذِكْرهَا فَلَمْ يُوجِب فِيهَا حُكْمًا , وَقِيلَ : لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير ; بَلْ الْمَعْنَى قَدْ عَفَا اللَّه عَنْ مَسْأَلَتكُمْ الَّتِي سَلَفَتْ وَإِنْ كَرِهَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَا تَعُودُوا لِأَمْثَالِهَا . فَقَوْله : " عَنْهَا " أَيْ عَنْ الْمَسْأَلَة , أَوْ عَنْ السُّؤَالَات كَمَا ذَكَرْنَاهُ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة

    أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة : ما أحرانا - معاشر المسلمين - أن تكون أحاديثنا ومجالسنا عامرة بالجد والحكمة، حافلة بما يعود علينا بالفائدة والمتعة، بعيدة عما ينافي الآداب والمروءة. وإن مما يعين على ذلك أن تلقى الأضواء على مايدور في مجالسنا وأحاديثنا من أخطاء؛ كي تُتلافى ويُسعى في علاجها، وفي مايلي من صفحات ذكرٌ لبعض تلك الأخطاء؛ تنبيهاً عليها، وحفزاً لمن وقع فيها أن يتخلص منها.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172579

    التحميل:

  • قيام الليل في ضوء الكتاب والسنة

    قيام الليل في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «قيام الليل» أوضحت فيها: مفهوم التهجد، وفضل قيام الليل، وأفضل أوقاته، وعدد ركعاته، وآداب قيام الليل، والأسباب المعينة عليه، وبيّنت مفهوم صلاة التراويح، وحكمها، وفضلها، ووقتها، وعدد ركعاتها، ومشروعية الجماعة فيها، ثم أوضحت الوتر، وحكمه، وفضله، ووقته، وأنواعه، وعدده، والقراءة فيه، والقنوت في الوتر، والدعاء بعد السلام من الوتر، وأن الوتر من صلاة الليل وهو آخره، وحكم قضاء سنة الوتر لمن نام عنها أونسيها، وكل مسألة قرنتها بدليلها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1919

    التحميل:

  • قول الصحابي في التفسير الأندلسي حتى القرن السادس

    قول الصحابي في التفسير الأندلسي حتى القرن السادس: قُدِّم هذا البحث للمشاركة به في: الندوة العلمية الدولية التي تُنظِّمها شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - بتطوان المغرب، جامعة عبد المالك السعدي، وموضوعها: الدراسات الحديثية في الغرب الإسلامي من القرن الثاني إلى السادس الهجري، بتاريخ: (23: 25 شعبان 1420 - 1: 3 ديسمبر 1999 م). وقد عرَّف المصنف - حفظه الله - الصحابي وبيَّن عدالة الصحابة، وموقف العلماء من قول الصحابي وتفسيره للقرآن، في مباحث أخرى مهمة

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364161

    التحميل:

  • الفروسية المحمدية

    فهذا كتاب الفروسية المحمدية للإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية، ألفه بعد ما وقع له امتحان من بعض علماء عصره بسبب ماكان يفتي به من عدم اشتراط المحلل في السباق والنضال، فأظهر الموافقة للجمهور إخماداً ودرءاً للفتنة. فألف هذا الكتاب وأورد فيه مسألة اشتراط المحلل في السباق، واستوفى أدلة الفريقين، ثم أشار إلى من أنكر عليه هذا القول والإفتاء به، وأن سبب ذلك الركون إلى التقليد، ثم ذكر أحكام الرهن في مسائل كثيرة تتعلق بالرمي والسبق كما سيأتي بيانه. وكل هذا إحقاقاً للحق - فيما يعتقده - وبياناً بعدم رجوعه عن القول بذلك، والله أعلم.

    المدقق/المراجع: زائد بن أحمد النشيري

    الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265614

    التحميل:

  • شرح منظومة القلائد البرهانية في علم الفرائض

    منظومة القلائد البرهانية : منظومة للشيخ محمد بن حجازي بن محمد الحلبي الشافعي المعروف بابن برهان المتوفي سنة (1205هـ) - رحمه الله تعالى -، وذلك في علم المواريث.

    الناشر: دار الوطن http://www.madaralwatan.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/280415

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة