Muslim Library

تفسير الطبري - سورة المائدة - الآية 60

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) (المائدة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه مَنْ لَعَنَهُ اللَّه وَغَضِبَ عَلَيْهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ وَالْكُفَّار : هَلْ أُنَبِّئكُمْ يَا مَعْشَر أَهْل الْكِتَاب بِشَرٍّ مِنْ ثَوَاب مَا تَنْقِمُونَ مِنَّا مِنْ إِيمَاننَا بِاَللَّهِ , وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ كِتَاب اللَّه , وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلنَا مِنْ كُتُبه ؟ غَيْر أَنَّ الْعَيْن لَمَّا سُكِّنَتْ , نُقِلَتْ حَرَكَتهَا إِلَى الْفَاء , وَهِيَ الثَّاء مِنْ " مَثُوبَة " , فَخَرَجَتْ مَخْرَج مَقُولَة , وَمَحُورَة , وَمَضُوفَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَكُنْت إِذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفَةٍ أُشَمِّر حَتَّى يَنْصُف السَّاقَ مِئْزَرِي وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل : ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9530 حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه } يَقُول : ثَوَابًا عِنْد اللَّه . 9531 حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه } قَالَ : الْمَثُوبَة : الثَّوَاب , مَثُوبَة الْخَيْر وَمَثُوبَة الشَّرّ , وَقَرَأَ : " شَرّ ثَوَابًا " . وَأَمَّا " مَنْ " فِي قَوْله : { مَنْ لَعَنَهُ اللَّه } فَإِنَّهُ فِي مَوْضِع خَفْض رَدًّا عَلَى قَوْله : { بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ } . فَكَأَنَّ تَأْوِيل الْكَلَام إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه بِمَنْ لَعَنَهُ اللَّه . وَلَوْ قِيلَ هُوَ فِي مَوْضِع رَفْع لَكَانَ صَوَابًا عَلَى الِاسْتِئْنَاف , بِمَعْنَى : ذَلِكَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّه , أَوْ هُوَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّه . وَلَوْ قِيلَ هُوَ فِي مَوْضِع نَصْب لَمْ يَكُنْ فَاسِدًا , بِمَعْنَى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّه , فَيُجْعَل " أُنَبِّئكُمْ " عَلَى مَا فِي مَنْ وَاقِعًا عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { مَنْ لَعَنَهُ اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي : مَنْ أَبْعَدَهُ اللَّه وَأَسْحَقَهُ مِنْ رَحْمَته وَغَضِبَ عَلَيْهِ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير } يَقُول : وَغَضِبَ عَلَيْهِ , وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْمُسُوخ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير , غَضَبًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَسُخْطًا , فَعَجَّلَ لَهُمْ الْخِزْي وَالنَّكَال فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا سَبَب مَسْخ اللَّه مَنْ مَسَخَ مِنْهُمْ قِرَدَة فَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضه فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا , وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّته إِنْ شَاءَ اللَّه فِي مَكَان غَيْر هَذَا . وَأَمَّا سَبَب مَسْخ اللَّه مَنْ مَسَخَ مِنْهُمْ خَنَازِير , فَإِنَّهُ كَانَ فِيمَا : 9532 حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن كَثِير بْن أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ , قَالَ : حُدِّثْت أَنَّ الْمَسْخ فِي بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ الْخَنَازِير كَانَ أَنَّ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل كَانَتْ فِي قَرْيَة مِنْ قُرَى بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَانَ فِيهَا مَلِك بَنِي إِسْرَائِيل , وَكَانُوا قَدْ اِسْتَجْمَعُوا عَلَى الْهَلَكَة , إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَة كَانَتْ عَلَى بَقِيَّة مِنْ الْإِسْلَام مُتَمَسِّكَة بِهِ , فَجَعَلَتْ تَدْعُو إِلَى اللَّه حَتَّى إِذَا اِجْتَمَعَ إِلَيْهَا نَاس فَتَابَعُوهَا عَلَى أَمْرهَا , قَالَتْ لَهُمْ : إِنَّهُ لَا بُدّ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُجَاهِدُوا عَنْ دِين اللَّه وَأَنْ تُنَادُوا قَوْمكُمْ بِذَلِكَ , فَاخْرُجُوا فَإِنِّي خَارِجَة ! فَخَرَجَتْ وَخَرَجَ إِلَيْهَا ذَلِكَ الْمَلِك فِي النَّاس , فَقَتَلَ أَصْحَابهَا جَمِيعًا , وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنهمْ . قَالَ : وَدَعَتْ إِلَى اللَّه حَتَّى تَجَمَّعَ النَّاس إِلَيْهَا , حَتَّى إِذَا رَضِيَتْ مِنْهُمْ أَمَرَتْهُمْ بِالْخُرُوجِ , فَخَرَجُوا وَخَرَجَتْ مَعَهُمْ , وَأُصِيبُوا جَمِيعًا وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنهمْ . ثُمَّ دَعَتْ إِلَى اللَّه , حَتَّى إِذَا اِجْتَمَعَ إِلَيْهَا رِجَال اِسْتَجَابُوا لَهَا , أَمَرَتْهُمْ بِالْخُرُوجِ , فَخَرَجُوا وَخَرَجَتْ , فَأُصِيبُوا جَمِيعًا , وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنهمْ . فَرَجَعَتْ وَقَدْ أَيِسَتْ , وَهِيَ تَقُول : سُبْحَان اللَّه لَوْ كَانَ لِهَذَا الدِّين وَلِيّ وَنَاصِر لَقَدْ أَظْهَرَهُ بَعْد ! قَالَ : فَبَاتَتْ مَحْزُونَة , وَأَصْبَحَ أَهْل الْقَرْيَة يَسْعَوْنَ فِي نَوَاحِيهَا خَنَازِير وَقَدْ مَسَخَهُمْ اللَّه فِي لَيْلَتهمْ تِلْكَ , فَقَالَتْ حِين أَصْبَحَتْ وَرَأَتْ مَا رَأَتْ : الْيَوْم أَعْلَم أَنَّ اللَّه قَدْ أَعَزَّ دِينه وَأَمْر دِينه ! قَالَ : فَمَا كَانَ مَسْخ الْخَنَازِير فِي بَنِي إِسْرَائِيل إِلَّا عَلَى يَدَيْ تِلْكَ الْمَرْأَة . 9533 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير } قَالَ : مُسِخَتْ مِنْ يَهُود . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَلِلْمَسْخِ سَبَب فِيمَا ذُكِرَ غَيْر الَّذِي ذَكَرْنَاهُ سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَبَدَ الطَّاغُوت } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْحِجَاز وَالشَّام وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { وَعَبَدَ الطَّاغُوت } بِمَعْنَى : وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوت , بِمَعْنَى : عَابِد , فَجَعَلَ " عَبَدَ " فِعْلًا مَاضِيًا مِنْ صِلَة الْمُضْمَر , وَنَصَبَ " الطَّاغُوت " بِوُقُوعِ عَبَدَ عَلَيْهِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ الْكُوفِيِّينَ : " وَعَبُد الطَّاغُوت " بِفَتْحِ الْعَيْن مِنْ عَبُد وَضَمّ بَائِهَا وَخَفْض " الطَّاغُوت " بِإِضَافَةِ " عَبُد " إِلَيْهِ , وَعَنَوْا بِذَلِكَ : وَخَدَم الطَّاغُوت . 9534 حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد , قَالَ : ثني حَمْزَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ يَحْيَى بْن وَثَّاب أَنَّهُ قَرَأَ : " وَعَبَدَ الطَّاغُوت " يَقُول : خَدَم . قَالَ عَبْد الرَّحْمَن : وَكَانَ حَمْزَة كَذَلِكَ يَقْرَؤُهَا . 9535 حَدَّثَنِي اِبْن وَكِيع وَابْن حُمَيْد , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ . وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : إِنْ يَكُنْ فِيهِ لُغَة مِثْل حَذِر وَحَذُر , وَعَجِل وَعَجُل , فَهُوَ وَجْه وَاَللَّه أَعْلَم . وَإِلَّا فَإِنْ أَرَادَ قَوْل الشَّاعِر : أَبَنِي لُبَيْنَى إِنَّ أُمّكُمْ أَمَة وَإِنَّ أَبَاكُمْ عَبْد فَإِنَّ هَذَا مِنْ ضَرُورَة الشِّعْر . وَهَذَا يَجُوز فِي الشِّعْر لِضَرُورَةِ الْقَوَافِي , وَأَمَّا فِي الْقِرَاءَة فَلَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ " وَعُبُد الطَّاغُوت " ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ الْأَعْمَش , وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ جَمْع الْجَمْع مِنْ الْعَبْد , كَأَنَّهُ جَمَعَ الْعَبْد عَبِيدًا , ثُمَّ جَمَعَ الْعَبِيد عُبُدًا , مِثْل ثِمَار وَثُمُر . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَر الْقَارِئ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ : " عُبُد الطَّاغُوت " . 9536 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : كَانَ أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ يَقْرَؤُهَا : " وَعُبُد الطَّاغُوت " كَمَا يَقُول : ضُرِبَ عَبْد اللَّه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذِهِ قِرَاءَة لَا مَعْنَى لَهَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا اِبْتَدَأَ الْخَبَر بِذَمِّ أَقْوَام , فَكَانَ فِيمَا ذَمَّهُمْ بِهِ عِبَادَتهمْ الطَّاغُوت . وَأَمَّا الْخَبَر عَنْ أَنَّ الطَّاغُوت قَدْ عُبِدَ , فَلَيْسَ مِنْ نَوْع الْخَبَر الَّذِي اِبْتَدَأَ بِهِ الْآيَة , وَلَا مِنْ جِنْس مَا خَتَمَهَا بِهِ , فَيَكُون لَهُ وَجْه يُوَجِّه إِلَيْهِ مِنْ الصِّحَّة . وَذُكِرَ أَنَّ بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ كَانَ يَقْرَؤُهُ : " وَعَابِد الطَّاغُوت " . 9537 حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا شَيْخ بَصْرِيّ : أَنَّ بُرَيْدَة كَانَ يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ . وَلَوْ قُرِئَ ذَلِكَ : " وَعَبَدَ الطَّاغُوت " , بِالْكَسْرِ كَانَ لَهُ مَخْرَج فِي الْعَرَبِيَّة صَحِيح , وَإِنْ لَمْ أَسْتَجِز الْيَوْم الْقِرَاءَة بِهَا , إِذْ كَانَتْ قِرَاءَة الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء بِخِلَافِهَا ; وَوَجْه جَوَازهَا فِي الْعَرَبِيَّة أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهَا وَعَبَدَة الطَّاغُوت , ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَاء مِنْ الْعَبَدَة لِلْإِضَافَةِ , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : قَامَ وُلَاهَا فَسَقَوْهُ صَرْخَدَا يُرِيد : قَامَ وُلَاتهَا , فَحَذَفَ التَّاء مِنْ وُلَاتهَا لِلْإِضَافَةِ . وَأَمَّا قِرَاءَة الْقُرَّاء فَبِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ بَدَأْت بِذِكْرِهِمَا , وَهُوَ : " وَعَبَدَ الطَّاغُوت " بِنَصْبِ الطَّاغُوت وَإِعْمَال " عَبَدَ " فِيهِ , وَتَوْجِيه " عَبَدَ " إِلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ مِنْ الْعِبَادَة . وَالْآخَر : " عَبُد الطَّاغُوت " عَلَى مِثَال فَعُلَ , وَخَفْض " الطَّاغُوت " بِإِضَافَةِ " عَبُد " إِلَيْهِ . فَإِذَا كَانَتْ قِرَاءَة الْقُرَّاء بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ دُون غَيْرهمَا مِنْ الْأَوْجُه الَّتِي هِيَ أَصَحّ مَخْرَجًا فِي الْعَرَبِيَّة مِنْهُمَا , فَأَوْلَاهُمَا بِالصَّوَابِ مِنْ الْقِرَاءَة قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { وَعَبَدَ الطَّاغُوت } بِمَعْنَى : وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير , وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوت ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب وَابْن مَسْعُود : " وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَعَبَدُوا الطَّاغُوت " بِمَعْنَى : وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الطَّاغُوت . فَفِي ذَلِكَ دَلِيل وَاضِح عَلَى صِحَّة الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مُرَاد بِهِ : وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوت , وَأَنَّ النَّصْب بِالطَّاغُوتِ أَوْلَى عَلَى مَا وَصَفْت فِي الْقِرَاءَة لِإِعْمَالِ " عَبَدَ " فِيهِ , إِذْ كَانَ الْوَجْه الْآخَر غَيْر مُسْتَفِيض فِي الْعَرَب وَلَا مَعْرُوف فِي كَلَامهَا ; عَلَى أَنَّ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَسْتَنْكِرُونَ إِعْمَال شَيْء فِي " مَنْ " وَ " الَّذِي " الْمُضْمَرَيْنِ مَعَ " مِنْ " وَ " فِي " إِذَا كَفَتْ " مِنْ " أَوْ " فِي " مِنْهُمَا , وَيَسْتَقْبِحُونَهُ , حَتَّى كَانَ بَعْضهمْ يُحِيل ذَلِكَ وَلَا يُجِيزهُ . وَكَانَ الَّذِي يُحِيل ذَلِكَ يَقْرَؤُهُ : " وَعَبُد الطَّاغُوت " , فَهُوَ عَلَى قَوْله خَطَأ وَلَحْن غَيْر جَائِز . وَكَانَ آخَرُونَ مِنْهُمْ يَسْتَجِيزُونَهُ عَلَى قُبْح , فَالْوَاجِب عَلَى قَوْلهمْ أَنْ تَكُون الْقِرَاءَة بِذَلِكَ قَبِيحَة ; وَهُمْ مَعَ اِسْتِقْبَاحهمْ ذَلِكَ فِي الْكَلَام قَدْ اِخْتَارُوا الْقِرَاءَة بِهَا , وَإِعْمَال وَجَعْل فِي " مَنْ " وَهِيَ مَحْذُوفَة مَعَ " مِنْ " وَلَوْ كُنَّا نَسْتَجِيزُ مُخَالَفَة الْجَمَاعَة فِي شَيْء مِمَّا جَاءَتْ بِهِ مُجْمَعَة عَلَيْهِ , لَاخْتَرْنَا الْقِرَاءَة بِغَيْرِ هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ , غَيْر أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مُسْتَفِيضًا , فَهُمْ لَا يَتَنَاكَرُونَهُ , فَلَا نَسْتَجِيزُ الْخُرُوج مِنْهُ إِلَى غَيْره ; فَلِذَلِكَ لَمْ نَسْتَجِز الْقِرَاءَة بِخِلَافِ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْدُوهُمَا . وَإِذْ كَانَتْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا مَا ذَكَرْنَا , فَتَأْوِيل الْآيَة : قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه : مَنْ لَعَنَهُ , وَغَضِبَ عَلَيْهِ , وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير , وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوت . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطَّاغُوت فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ مِنْ الرِّوَايَات وَغَيْرهَا , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَته هَاهُنَا .

وَأَمَّا قَوْله : { أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاء السَّبِيل } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " أُولَئِكَ " : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْره , وَهُمْ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ , فَقَالَ : مَنْ لَعَنَهُ اللَّه , وَغَضِبَ عَلَيْهِ , وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير , وَعَبَدَ الطَّاغُوت ; وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ صِفَة الْيَهُود مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ شَرّ مَكَانًا فِي عَاجِل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عِنْد اللَّه مِمَّنْ نَقَمْتُمْ عَلَيْهِمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود إِيمَانهمْ بِاَللَّهِ وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ الْكِتَاب وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأَنْبِيَاء , { وَأَضَلّ عَنْ سَوَاء السَّبِيل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ أَيّهَا الْيَهُود , أَشَدّ أَخْذًا عَلَى غَيْر الطَّرِيق الْقَوِيم , وَأَجْوَر عَنْ سَبِيل الرُّشْد وَالْقَصْد مِنْهُمْ . وَهَذَا مِنْ لَحْن الْكَلَام , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا الْخَبَر إِخْبَار الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ فِي الْآيَات قَبْل هَذِهِ بِقَبِيحِ فِعَالهمْ وَذَمِيم أَخْلَاقهمْ وَاسْتِيجَابهمْ سَخَطه بِكَثْرَةِ ذُنُوبهمْ وَمَعَاصِيهمْ , حَتَّى مُسِخَ بَعْضهمْ قِرَدَة وَبَعْضهمْ خَنَازِير , خِطَابًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالْجَمِيلِ مِنْ الْخِطَاب , وَلَحْن لَهُمْ بِمَا عَرَفُوا مَعْنَاهُ مِنْ الْكَلَام بِأَحْسَن اللَّحْن , وَعَلَّمَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَدَب أَحْسَنه , فَقَالَ لَهُ : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد , أَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَبِكُتُبِهِ الَّذِينَ تَسْتَهْزِءُونَ مِنْهُمْ شَرّ أَمْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّه ؟ وَهُوَ يَعْنِي الْمَقُول ذَلِكَ لَهُمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • مصحف المدينة برواية ورش

    تحتوي هذه الصفحة على نسخة مصورة pdf من مصحف المدينة النبوية برواية ورش عن نافع.

    الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف www.qurancomplex.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/5267

    التحميل:

  • تدبر القرآن

    ما الحكمة من كثرة القراءة؟ وأيهما أفضل: كثرة القراءة أم التأني بالقراءة إذا كان وقت القراءة واحدا؟ وهل يكرر المرء الآيات التي أثرت فيه أو يستثمر الوقت في مزيد من القراءة ليختم السورة؟ ولماذا لا يخشع أكثر الناس إلا عند آيات العذاب وذكر النار؟ أسئلة يجيب عنها وعن غيرها الكاتب في بيان أهمية تدبر القرآن.

    الناشر: موقع صيد الفوائد www.saaid.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339892

    التحميل:

  • لباب الإعراب في تيسير علم النحو لعامة الطلاب

    لباب الإعراب في تيسير علم النحو لعامة الطلاب: مختصرٌ وجيز في علم النحو، حوى لُبَّ اللباب في هذا الباب وفصولاً مختصرةً من غُررِه ودُررِه، جرى فيه مؤلفه على طريقة تيسير علم النحو للمبتدئين، مِمَّا يُمَهِّد للمبتدئ الاستزادة من هذا العلم، والترقِّي في مدارجه، بِمواصلة دَرسِ غيره من المتون النحويَّة كالآجرُّوميَّة، وملحة الإعراب، وغيرها من المتون النحْويَّة، ممَّا يجعل هذا المختصرِ بِحَقٍ غُنيةً للمستفيد، وبُغْيةً للمستزيد، وحِليةً للمستعِيد. منهج المؤلف في الرسالة منهجٌ جيِّدٌ ميسَّر: - فقد أدار المؤلف الشرح في المباحث النحويّة حسب البناء والإعراب، وهذه طريقة سلسةٍ تصوغُ المباحث النحويبَّة في منظومةٍ واحدة، كما يتبيَّن للقارئ. - أفـرَدَ المؤلف التوابع بقسم مستقل، ولم يذكرها في بابي المرفوعات ثمَّ في المنصوبات كما في بعض المتون النحويَّة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2570

    التحميل:

  • الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته في الرؤية الاستشراقية [ دراسة نقدية ]

    الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته في الرؤية الاستشراقية : يتكون هذا الكتاب من ثلاثة فصول: - الفصل الأول " التمهيدي " : دراسة وصفية لأهم مصادر المستشرقين عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته. - الفصل الثاني: حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتكوينه العلمي في الرؤية الاستشراقية ونقدها. - الفصل الثالث: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرؤية الاستشراقية ونقدها. - قدم له: معالي الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ - حفظه الله -، وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144872

    التحميل:

  • أولئك مبرؤون

    أولئك مبرؤون: بحث تأصيلي في نقض الشبهات المثارة حول بعض الصحابة.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/260221

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة