Muslim Library

تفسير الطبري - سورة المائدة - الآية 51

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) (المائدة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِهَذِهِ الْآيَة وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِذَلِكَ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ : عُبَادَة بْن الصَّامِت وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول فِي بَرَاءَة عُبَادَة مِنْ حِلْف الْيَهُود , وَفِي تَمَسّك عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول بِحِلْفِ الْيَهُود بَعْد مَا ظَهَرَتْ عَدَاوَتهمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَخْبَرَهُ اللَّه أَنَّهُ إِذَا تَوَلَّاهُمْ وَتَمَسَّكَ بِحِلْفِهِمْ أَنَّهُ مِنْهُمْ فِي بَرَاءَته مِنْ اللَّه وَرَسُوله كَبَرَاءَتِهِمْ مِنْهُمَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9479 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , عَنْ عَطِيَّة بْن سَعْد , قَالَ : جَاءَ عُبَادَة بْن الصَّامِت مِنْ بَنِي الْحَارِث بْن الْخَزْرَج إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ لِي مَوَالِي مِنْ يَهُود كَثِير عَدَدهمْ , وَإِنِّي أَبْرَأ إِلَى اللَّه وَرَسُوله مِنْ وِلَايَة يَهُود وَأَتَوَلَّى اللَّه وَرَسُوله ! فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ : إِنِّي رَجُل أَخَاف الدَّوَائِر , لَا أَبْرَأ مِنْ وِلَايَة مَوَالِيَّ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ : " يَا أَبَا الْحُبَاب مَا بَخِلْت بِهِ مِنْ وِلَايَة يَهُود عَلَى عُبَادَة بْن الصَّامِت فَهُوَ إِلَيْك دُونه " . قَالَ : قَدْ قَبِلْت . فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } إِلَى قَوْله : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } . 9480 حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثني عُثْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : لَمَّا اِنْهَزَمَ أَهْل بَدْر قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنْ يَهُود : آمِنُوا قَبْل أَنْ يُصِيبكُمْ اللَّه بِيَوْمٍ مِثْل يَوْم بَدْر ! فَقَالَ مَالِك بْن صَيْف : غَرَّكُمْ أَنْ أَصَبْتُمْ رَهْطًا مِنْ قُرَيْش لَا عِلْم لَهُمْ بِالْقِتَالِ , أَمَّا لَوْ أَسْرَرْنَا الْعَزِيمَة أَنْ نَسْتَجْمِع عَلَيْكُمْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ يَد أَنْ تُقَاتِلُونَا فَقَالَ عُبَادَة : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنْ الْيَهُود كَانَتْ شَدِيدَة أَنْفُسهمْ كَثِيرًا سِلَاحهمْ شَدِيدَة شَوْكَتهمْ , وَإِنِّي أَبْرَأ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُوله مِنْ وِلَايَتهمْ , وَلَا مَوْلَى لِي إِلَّا اللَّه وَرَسُوله . فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ : لَكِنِّي لَا أَبْرَأ مِنْ وَلَاء يَهُود , إِنِّي رَجُل لَا بُدّ لِي مِنْهُمْ . فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا حُبَاب أَرَأَيْت الَّذِي نَفَسْت بِهِ مِنْ وَلَاء يَهُود عَلَى عُبَادَة , فَهُوَ لَك دُونه " . قَالَ : إِذَن أَقْبَل . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض } إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى قَوْله : { وَاَللَّهُ يَعْصِمك مِنْ النَّاس } . 9481 حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يُونُس , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني وَالِدِي إِسْحَاق بْن يَسَار , عَنْ عُبَادَة بْن الْوَلِيد بْن عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , تَشَبَّثَ بِأَمْرِهِمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَقَامَ دُونهمْ . وَمَشَى عُبَادَة بْن الصَّامِت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ أَحَد بَنِي عَوْف بْن الْخَزْرَج مَنْ لَهُ حِلْفهمْ مِثْل الَّذِي لَهُمْ مِنْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , فَخَلَعَهُمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَبَرَّأَ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُوله مِنْ حِلْفهمْ , وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَتَبَرَّأ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُوله مِنْ حِلْفهمْ وَأَتَوَلَّى اللَّه وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ , وَأَبْرَأ مِنْ حِلْف الْكُفَّار وَوِلَايَتهمْ ! فَفِيهِ وَفِي عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ نَزَلَتْ الْآيَات فِي الْمَائِدَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } الْآيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا هَمُّوا حِين نَالَهُمْ بِأُحُدٍ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَا نَالَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْيَهُود عِصَمًا , فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ , وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9482 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } قَالَ : لَمَّا كَانَتْ وَقْعَة أُحُد , اِشْتَدَّ عَلَى طَائِفَة مِنْ النَّاس وَتَخَوَّفُوا أَنْ يُدَال عَلَيْهِمْ الْكُفَّار , فَقَالَ رَجُل لِصَاحِبِهِ : أَمَّا أَنَا فَأَلْحَق بِدَهْلَكَ الْيَهُودِيّ فَآخُذ مِنْهُ أَمَانًا وَأَتَهَوَّد مَعَهُ , فَإِنِّي أَخَاف أَنْ تُدَال عَلَيْنَا الْيَهُود . وَقَالَ الْآخَر : أَمَّا أَنَا فَأَلْحَق بِفُلَانٍ النَّصْرَانِيّ بِبَعْضِ أَرْض الشَّام فَآخُذ مِنْهُ أَمَانًا وَأَنْتَصِر مَعَهُ . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره يَنْهَاهُمَا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ أَبُو لُبَابَة بْن عَبْد الْمُنْذِر فِي إِعْلَامه بَنِي قُرَيْظَة إِذْ رَضَوْا بِحُكْمِ سَعْد أَنَّهُ الذَّبْح . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9483 حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } قَالَ : بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا لُبَابَة بْن عَبْد الْمُنْذِر مِنْ الْأَوْس , وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف , فَبَعَثَهُ إِلَى قُرَيْظَة حِين نَقَضَتْ الْعَهْد , فَلَمَّا أَطَاعُوا لَهُ بِالنُّزُولِ أَشَارَ إِلَى حَلْقه الذَّبْح الذَّبْح . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَهَى الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا أَنْ يَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَنْصَارًا وَحُلَفَاء عَلَى أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ اِتَّخَذَهُمْ نَصِيرًا وَحَلِيفًا وَوَلِيًّا مِنْ دُون اللَّه وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ , فَإِنَّهُ مِنْهُمْ فِي التَّحَزُّب عَلَى اللَّه وَعَلَى رَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ , وَأَنَّ اللَّه وَرَسُوله مِنْهُ بَرِيئَانِ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِي شَأْن عُبَادَة بْن الصَّامِت وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول وَحُلَفَائِهِمَا مِنْ الْيَهُود , وَيَجُوز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَة بِسَبَبِ فِعْله فِي بَنِي قُرَيْظَة , وَيَجُوز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي شَأْن الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ السُّدِّيّ أَنَّ أَحَدهمَا هَمَّ بِاللَّحَاقِ بِدَهْلَكَ الْيَهُودِيّ وَالْآخَر بِنَصْرَانِيٍّ بِالشَّامِ , وَلَمْ يَصِحّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة خَبَر يَثْبُت بِمِثْلِهِ حُجَّة فَيُسَلَّم لِصِحَّتِهِ الْقَوْل بِأَنَّهُ كَمَا قِيلَ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالصَّوَاب أَنْ يُحْكَم لِظَاهِرِ التَّنْزِيل بِالْعُمُومِ عَلَى مَا عَمَّ , وَيَجُوز مَا قَالَهُ أَهْل التَّأْوِيل فِيهِ مِنْ الْقَوْل الَّذِي لَا عِلْم عِنْدنَا بِخِلَافِهِ ; غَيْر أَنَّهُ لَا شَكّ أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي مُنَافِق كَانَ يُوَالِي يَهُود أَوْ نَصَارَى , خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْ دَوَائِر الدَّهْر , لِأَنَّ الْآيَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَذَلِكَ قَوْله : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة } الْآيَة .

وَأَمَّا قَوْله : { بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ بَعْض الْيَهُود أَنْصَار بَعْضهمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَيَد وَاحِدَة عَلَى جَمِيعهمْ , وَأَنَّ النَّصَارَى كَذَلِكَ بَعْضهمْ أَنْصَار بَعْض عَلَى مَنْ خَالَفَ دِينهمْ وَمِلَّتهمْ , مُعَرِّفًا بِذَلِكَ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ وَلِيًّا فَإِنَّمَا هُوَ وَلِيّهمْ عَلَى مَنْ خَالَفَ مِلَّتهمْ وَدِينهمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , كَمَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَهُمْ حَرْب , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ : فَكُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضكُمْ أَوْلِيَاء بَعْض , وَلِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيّ حَرْبًا كَمَا هُمْ لَكُمْ حَرْب , وَبَعْضهمْ لِبَعْضٍ أَوْلِيَاء ; لِأَنَّ مَنْ وَالَاهُمْ فَقَدْ أَظْهَرَ لِأَهْلِ الْإِيمَان الْحَرْب وَمِنْهُمْ الْبَرَاءَة , وَأَبَانَ قَطْع وِلَايَتهمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } وَمَنْ يَتَوَلَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى دُون الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ , يَقُول : فَإِنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , فَهُوَ مِنْ أَهْل دِينهمْ وَمِلَّتهمْ , فَإِنَّهُ لَا يَتَوَلَّى مُتَوَلٍّ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ بِهِ وَبِدِينِهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ رَاضٍ , وَإِذَا رَضِيَهُ وَرَضِيَ دِينه فَقَدْ عَادَى مَا خَالَفَهُ وَسَخِطَهُ , وَصَارَ حُكْمه حُكْمه , وَلِذَلِكَ حَكَمَ مَنْ حَكَمَ مِنْ أَهْل الْعِلْم لِنَصَارَى بَنِي تَغْلِب فِي ذَبَائِحهمْ وَنِكَاح نِسَائِهِمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُورهمْ بِأَحْكَامِ نَصَارَى بَنِي إِسْرَائِيل , لِمُوَالَاتِهِمْ إِيَّاهُمْ وَرِضَاهُمْ بِمِلَّتِهِمْ وَنُصْرَتهمْ لَهُمْ عَلَيْهَا , وَإِنْ كَانَتْ أَنْسَابهمْ لِأَنْسَابِهِمْ مُخَالِفَة وَأَصْل دِينهمْ لِأَصْلِ دِينهمْ مُفَارِقًا . وَفِي ذَلِكَ الدَّلَالَة الْوَاضِحَة عَلَى صِحَّة مَا نَقُول , مِنْ أَنَّ كُلّ مَنْ كَانَ يَدِين بِدِينٍ فَلَهُ حُكْم أَهْل ذَلِكَ الدِّين كَانَتْ دَيْنُونَته بِهِ قَبْل مَجِيء الْإِسْلَام أَوْ بَعْده , إِلَّا أَنْ يَكُون مُسْلِمًا مِنْ أَهْل دِيننَا اِنْتَقَلَ إِلَى مِلَّة غَيْرهَا , فَإِنَّهُ لَا يُقَرّ عَلَى مَا دَانَ بِهِ فَانْتَقَلَ إِلَيْهِ , وَلَكِنْ يُقْتَل لِرِدَّتِهِ عَنْ الْإِسْلَام وَمُفَارَقَته دِين الْحَقّ , إِلَّا أَنْ يَرْجِع قَبْل الْقَتْل إِلَى الدِّين الْحَقّ , وَفَسَاد مَا خَالَفَهُ مِنْ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُحْكَم بِحُكْمِ أَهْل الْكِتَابَيْنِ لِمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ , إِلَّا أَنْ يَكُون إِسْرَائِيلِيًّا أَوْ مُنْتَقِلًا إِلَى دِينهمْ مِنْ غَيْرهمْ قَبْل نُزُول الْفُرْقَان . فَأَمَّا مَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ بَعْد نُزُول الْفُرْقَان مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مِمَّنْ خَالَفَ نَسَبه نَسَبهمْ وَجِنْسه جِنْسهمْ , فَإِنَّ حُكْمَهُ لِحُكْمِهِمْ مُخَالِفٌ . ذِكْر مَنْ قَالَ بِمَا قُلْنَا مِنْ التَّأْوِيل : 9484 حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن الرُّوَاسِيّ , عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْحَكَم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ ذَبَائِح نَصَارَى الْعَرَب , فَقَرَأَ : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } . 9485 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } أَنَّهَا فِي الذَّبَائِح , مَنْ دَخَلَ فِي دِين قَوْم فَهُوَ مِنْهُمْ . 9486 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كُلُوا مِنْ ذَبَائِح بَنِي تَغْلِب , وَتَزَوَّجُوا مِنْ نِسَائِهِمْ , فَإِنَّ اللَّه يَقُول فِي كِتَابه : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ إِلَّا بِالْوِلَايَةِ لَكَانُوا مِنْهُمْ . 9487 حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حُسَيْن بْن عَلِيّ , عَنْ زَائِدَة , عَنْ هِشَام , قَالَ : . كَانَ الْحَسَن لَا يَرَى بِذَبَائِح نَصَارَى الْعَرَب وَلَا نِكَاح نِسَائِهِمْ بَأْسًا , وَكَانَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } . 9488 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ هَارُون بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : سُئِلَ اِبْن سِيرِينَ عَنْ رَجُل يَبِيع دَاره مِنْ نَصَارَى يَتَّخِذُونَهَا بِيعَة , قَالَ : فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء } .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ , أَنَّ اللَّه لَا يُوَفِّق مَنْ وَضَعَ الْوِلَايَة فِي غَيْر مَوْضِعهَا فَوَالَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَعَ عَدَاوَتهمْ اللَّه وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَكَانَ لَهُمْ ظَهِيرًا وَنَصِيرًا ; لِأَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ فَهُوَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ حَرْب . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْم فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع وَأَنَّهُ وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • التذكرة بأسباب المغفرة

    في هذه الرسالة بيان بعض أسباب المغفرة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209154

    التحميل:

  • الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التيجانية

    الأنوار الرحمانية لهداية الفرقة التيجانية: رسالة في التعريف بالبدع والتحذير منها، ووجوب اتباع الكتاب والسنة، وبيان ما عليه التيجانية من الضلال في العقيدة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1936

    التحميل:

  • الأخوة الإسلامية وآثارها

    في هذه الرسالة المختصرة كلمات يسيرة فيما يتعلق بالأخوة الإسلامية وآثارها وفوائدها وحق المسلم على أخيه المسلم والحب في الله والبغض في الله والحث على الاجتماع والائتلاف والنهي عن التفرق والاختلاف مع ذكر فوائد أخرى تمس الحاجة إليها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209152

    التحميل:

  • الرحمة والعظمة في السيرة النبوية

    الرحمة والعظمة في السيرة النبوية: رسالة جمعت ما تفرَّق من أحاديث وآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عظمته وما تضمَّنته سيرتُه من رحمةٍ ورأفةٍ وأخلاقٍ حسنةٍ وصفاتٍ حميدة، وقد قسم المؤلف - حفظه الله - الرسالة إلى مدخل وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة، وهي كالتالي: - مدخل: في أسرار السيرة النبوية، ومناهج البحث فيها. - تمهيد: وقد جاء مشتملاً على بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلاصة سيرته. - الفصل الأول: من جوانب الرحمة في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وتحه خمسة مباحث. - الفصل الثاني: من جوانب العظمة في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وتحته مدخل وخمسة مباحث. - الفصل الثالث: مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وتحته مدخل وخمسة مباحث. - خاتمة: وتحتوي على ملخص لأهم ما جاء في البحث.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355725

    التحميل:

  • رسالة إلى أئمة المساجد وخطباء الجوامع

    اشتملتْ على نصيحة في الحثِّ على العناية بالصلاة، وعلى مِقدار صلاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى بيان واجباتِ إمام المسجد ومسؤوليته، وما يَنبغي له، وبيان الإمامة الصحيحة، ووظيفة الأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحُكم الجَهْر بالقراءة في المسجد، وعلى ذِكْر حالات المأموم مع إمامة في صلاة الجماعة، وتنبيهات على بعضِ الأخطاء التي يفعلُها بعضُ المصلِّين في صلاتِهم. وعلى ذِكْر مسائلَ في السَّهو في الصلاة، وحُكم القنوت في صلاة الوتر، وصلاة الفَجْر، وحُكم إمامةِ مَن يَشربُ الدُّخان، وحُكم إمامةِ حالِقِ اللِّحية للصلاة، وعلى ذِكْر أسماء بعض الكتب التي تناسب قراءتُها على الجماعة في المساجد والمجالس وغيرها، وذِكْر ما يتعلَّق بصلاة الجُمُعة وخُطبتِها، وحُكمها وحِكمتها، وذِكْر أسماء بعض مراجع خُطب الجُمُعة والعيدين. كما اشتملتْ على ثلاث نصائحَ لم يتخلَّفون عن أداء الصلاةِ مع الجماعة، وعلى ذِكْر الأمور التي ينبغي على الإمام مراعاتُها تجاهَ المأمومين في نُصْحهم وإرشادِهم، كما اشتملتْ على ذِكْر ما تيسَّر من أحكام الإمامة والائتمام، وذكر في آخرِها أسماء المراجع والفهرس.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334999

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة