Muslim Library

تفسير الطبري - سورة المائدة - الآية 26

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) (المائدة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي النَّاصِب لِلْأَرْبَعِينَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : النَّاصِب لَهُ قَوْله : { مُحَرَّمَة } وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ عَلَى الْقَوْم الَّذِينَ عَصَوْهُ وَخَالَفُوا أَمْره مِنْ قَوْم مُوسَى وَأَبَوْا حَرْب الْجَبَّارِينَ , دُخُول مَدِينَتهمْ أَرْبَعِينَ سَنَة , ثُمَّ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ , وَأُسْكِنُوهَا , وَأَهْلَكَ الْجَبَّارِينَ بَعْد حَرْب مِنْهُمْ لَهُمْ , بَعْد أَنْ قُضِيَتْ الْأَرْبَعُونَ سَنَة , وَخَرَجُوا مِنْ التِّيه . 9126 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : لَمَّا قَالَ لَهُمْ الْقَوْم مَا قَالُوا وَدَعَا مُوسَى عَلَيْهِمْ , أَوْحَى اللَّه إِلَى مُوسَى : { إِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقِينَ } وَهُمْ يَوْمئِذٍ فِيمَا ذُكِرَ سِتّمِائَةِ أَلْف مُقَاتِل فَجَعَلَهُمْ فَاسْقِينَ بِمَا عَصَوْا , فَلَبِثُوا أَرْبَعِينَ سَنَة فِي فَرَاسِخ سِتَّة , أَوْ دُون ذَلِكَ , يَسِيرُونَ كُلّ يَوْم جَادِّينَ لِكَيْ يَخْرُجُوا مِنْهَا , حَتَّى يُمْسُوا وَيَنْزِلُوا , فَإِذَا هُمْ فِي الدَّار الَّتِي مِنْهَا اِرْتَحَلُوا . وَإِنَّهُمْ اِشْتَكَوْا إِلَى مُوسَى مَا فَعَلَ بِهِمْ , فَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى , وَأُعْطُوا مِنْ الْكِسْوَة مَا هِيَ قَائِمَة لَهُمْ , يَنْشَأ النَّاشِئ فَتَكُون مَعَهُ عَلَى هَيْئَته . وَسَأَلَ مُوسَى رَبّه أَنْ يَسْقِيهِمْ , فَأَتَى بِحَجَرِ الطُّور , وَهُوَ حَجَر أَبْيَض , إِذَا مَا نَزَلَ الْقَوْم ضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَخْرُج مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَة عَيْنًا لِكُلِّ سِبْط مِنْهُمْ عَيْن , قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاس مَشْرَبهمْ . حَتَّى إِذَا خَلَتْ أَرْبَعُونَ سَنَة , وَكَانَتْ عَذَابًا بِمَا اِعْتَدَوْا وَعَصَوْا , أَوْحَى إِلَى مُوسَى أَنْ مُرْهُمْ أَنْ يَسِيرُوا إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , فَإِنَّ اللَّه قَدْ كَفَاهُمْ عَدُوّهُمْ , وَقُلْ لَهُمْ إِذَا أَتَوْا الْمَسْجِد أَنْ يَأْتُوا الْبَاب وَيَسْجُدُوا إِذَا دَخَلُوا , وَيَقُولُوا حِطَّة . وَإِنَّمَا قَوْلهمْ حِطَّة , أَنْ يَحُطّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ . فَأَبَى عَامَّة الْقَوْم , وَعَصَوْا , وَسَجَدُوا عَلَى خَدّهمْ , وَقَالُوا حِنْطَة , فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْر الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } إِلَى : { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ النَّاصِب لِلْأَرْبَعِينَ : { يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض } قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَام : قَالَ : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَبَدًا يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض أَرْبَعِينَ سَنَة . قَالُوا : وَلَمْ يَدْخُل مَدِينَة الْجَبَّارِينَ أَحَد مِمَّنْ قَالَ : { إِنَّا لَنْ نَدْخُلهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ . قَالُوا : وَإِنَّمَا دَخَلَهَا مِنْ أُولَئِكَ الْقَوْم : يُوشَع وَكِلَاب اللَّذَانِ قَالَا لَهُمْ : { اُدْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ } وَأَوْلَاد الَّذِينَ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ دُخُولهَا , فَتَيَّهَهُمْ اللَّه فَلَمْ يَدْخُلهَا مِنْهُمْ أَحَد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9127 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان بْن حَرْب , قَالَ : ثنا أَبُو هِلَال , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْل اللَّه : { إِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ } قَالَ : أَبَدًا . 9128 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار قَالَ : ثنا سُلَيْمَان بْن حَرْب قَالَ : ثنا أَبُو هِلَال , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْل اللَّه : { يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ : أَرْبَعِينَ سَنَة . 9129 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هَارُون النَّحْوِيّ , قَالَ : ثني الزُّبَيْر بْن الْخِرِّيت , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ : التَّحْرِيم لَا مُنْتَهَى لَهُ . 9130 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : غَضِبَ مُوسَى عَلَى قَوْمه , فَدَعَا عَلَيْهِمْ , فَقَالَ : { رَبّ إِنِّي لَا أَمْلِك إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي } الْآيَة , فَقَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض } فَلَمَّا ضَرَبَ عَلَيْهِمْ التِّيه , نَدِمَ مُوسَى , وَأَتَاهُ قَوْمه الَّذِينَ كَانُوا يُطِيعُونَهُ , فَقَالَ لَهُ : مَا صَنَعْت بِنَا يَا مُوسَى ؟ فَمَكَثُوا فِي التِّيه ; فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ التِّيه , رُفِعَ الْمَنّ وَالسَّلْوَى , وَأَكَلُوا مِنْ الْبُقُول . وَالْتَقَى مُوسَى وعوج , فَوَثَبَ مُوسَى فِي السَّمَاء عَشَرَة أَذْرُع , وَكَانَتْ عَصَاهُ عَشَرَة أَذْرُع , وَكَانَ طُوله عَشَرَة أَذْرُع , فَأَصَابَ كَعْب عوج فَقَتَلَهُ . وَلَمْ يَبْقَ أَحَد مِمَّنْ أَبَى أَنْ يَدْخُل قَرْيَة الْجَبَّارِينَ مَعَ مُوسَى إِلَّا مَاتَ , وَلَمْ يَشْهَد الْفَتْح . ثُمَّ إِنَّ اللَّه لَمَّا اِنْقَضَتْ الْأَرْبَعُونَ سَنَة بَعَثَ يُوشَع بْن نُون نَبِيًّا , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ نَبِيّ , وَأَنَّ اللَّه قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِل الْجَبَّارِينَ , فَبَايَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ , فَهَزَمَ الْجَبَّارِينَ , وَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِمْ يُقَاتِلُونَهُمْ , فَكَانَتْ الْعِصَابَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل يَجْتَمِعُونَ عَلَى عُنُق الرَّجُل يَضْرِبُونَهَا لَا يَقْطَعُونَهَا . 9131 - حَدَّثَنِي عَبْد الْكَرِيم بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : قَالَ أَبُو سَعِيد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا دَعَا مُوسَى , قَالَ اللَّه : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ : فَدَخَلُوا التِّيه , فَكُلّ مَنْ دَخَلَ التِّيه مِمَّنْ جَاوَزَ الْعِشْرِينَ سَنَة مَاتَ فِي التِّيه . قَالَ : فَمَاتَ مُوسَى فِي التِّيه , وَمَاتَ هَارُون قَبْله . قَالَ : فَلَبِثُوا فِي تِيههمْ أَرْبَعِينَ سَنَة , فَنَاهَضَ يُوشَع بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مَدِينَة الْجَبَّارِينَ , فَافْتَتَحَ يُوشَع الْمَدِينَة . 9132 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ اللَّه : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة } حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الْقُرَى , وَكَانُوا لَا يَهْبِطُونَ قَرْيَة , وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ , إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ الْأَطْوَاء أَرْبَعِينَ سَنَة . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ فِي الْأَرْبَعِينَ سَنَة , وَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُل بَيْت الْمَقْدِس مِنْهُمْ إِلَّا أَبْنَاؤُهُمْ وَالرَّجُلَانِ اللَّذَانِ قَالَا مَا قَالَا . 9133 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني بَعْض أَهْل الْعِلْم بِالْكِتَابِ الْأَوَّل , قَالَ : لَمَّا فَعَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيل مَا فَعَلَتْ , مِنْ مَعْصِيَتهمْ نَبِيّهمْ , وَهَمّهمْ بِكَالِب وَيُوشَع , إِذْ أَمَرَاهُمْ بِدُخُولِ مَدِينَة الْجَبَّارِينَ , وَقَالَا لَهُمْ مَا قَالَا , ظَهَرَتْ عَظَمَة اللَّه بِالْغَمَامِ عَلَى نَار فِيهِ الرَّمْز عَلَى كُلّ بَنِي إِسْرَائِيل , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُوسَى : إِلَى مَتَى يَعْصِينِي هَذَا الشَّعْب وَإِلَى مَتَى لَا يُصَدِّقُونَ بِالْآيَاتِ كُلّهَا الَّتِي وَضَعْت بَيْنهمْ ؟ أَضْرِبهُمْ بِالْمَوْتِ فَأُهْلِكهُمْ , وَأَجْعَل لَك شَعْبًا أَشَدّ مِنْهُمْ . فَقَالَ مُوسَى يَسْمَع أَهْل الْمِصْر الَّذِينَ أَخْرَجْت هَذَا الشَّعْب بِقُوَّتِك مِنْ بَيْنهمْ , وَيَقُول سَاكِنُو هَذِهِ الْبِلَاد الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا إِنَّك أَنْتَ اللَّه فِي هَذَا الشَّعْب , فَلَوْ أَنَّك قَتَلْت هَذَا الشَّعْب كُلّهمْ كَرَجُلٍ وَاحِد , لَقَالَتْ الْأُمَم الَّذِينَ سَمِعُوا بِاسْمِك : إِنَّمَا قَتَلَ هَذَا الشَّعْب مِنْ أَجْل لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُدْخِلهُمْ الْأَرْض الَّتِي خَلَقَ لَهُمْ , فَقَتَلَهُمْ فِي الْبَرِّيَّة , وَلَكِنْ لِتَرْتَفِع أَيَادِيك , وَيَعْظُم جَزَاؤُك يَا رَبّ كَمَا كُنْت تَكَلَّمْت وَقُلْت لَهُمْ , فَإِنَّهُ طَوِيلٌ صَبْرُك , كَثِيرَةٌ نِعَمُك , وَأَنْتَ تَغْفِرُ الذُّنُوبَ فَلَا تُوبِقُ , وَإِنَّك تَحْفَظُ الْآبَاءَ عَلَى الْأَبْنَاء وَأَبْنَاءَ الْأَبْنَاء إِلَى ثَلَاثَة أَجْيَال وَأَرْبَعَة , فَاغْفِرْ أَيْ رَبّ آثَام هَذَا الشَّعْب , بِكَثْرَةِ نِعَمك , كَمَا غَفَرْت لَهُمْ مُنْذُ أَخْرَجْتهمْ مِنْ أَرْض مِصْر إِلَى الْآن ! فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ غَفَرْت لَهُمْ بِكَلِمَتِك , وَلَكِنْ قَدْ أَتَى أَنِّي أَنَا اللَّه , وَقَدْ مَلَأَتْ الْأَرْض مَحْمَدَتِي كُلّهَا , أَلَا يَرَى الْقَوْم الَّذِينَ قَدْ رَأَوْا مَحْمَدَتِي وَآيَاتِي الَّتِي فَعَلْت فِي أَرْض مِصْر وَفِي الْقِفَار , سَأَلُونِي عَشْر مَرَّات وَلَمْ يُطِيعُونِي , لَا يَرَوْنَ الْأَرْض الَّتِي خَلَقْت لِآبَائِهِمْ , وَلَا يَرَاهَا مَنْ أَغْضَبَنِي ; فَأَمَّا عَبْدِي كَالِب الَّذِي كَانَ رُوحه مَعِي وَاتَّبَعَ هَوَايَ , فَإِنِّي مُدْخِلُهُ الْأَرْض الَّتِي دَخَلَهَا , وَيَرَاهَا خَلْفه . وَكَانَ الْعَمَالِيق وَالْكَنْعَانِيُّونَ جُلُوسًا فِي الْجِبَال , ثُمَّ غَدَوْا فَارْتَحَلُوا فِي الْقِفَار فِي طَرِيق يَحْرُسُونَ , وَكَلَّمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى وَهَارُون , وَقَالَ لَهُمَا : إِلَى مَتَى تُوَسْوِس عَلَيَّ هَذِهِ الْجَمَاعَة جَمَاعَة السُّوء ؟ قَدْ سَمِعْت وَسْوَسَة بَنِي إِسْرَائِيل . وَقَالَ : لَأَفْعَلَنَّ بِكُمْ كَمَا قُلْت لَكُمْ , وَلَتُلْقَيَنَّ جِيَفكُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَار , وَحِسَابكُمْ مِنْ بَنِي عِشْرِينَ سَنَة فَمَا فَوْق ذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّكُمْ وَسْوَسْتُمْ عَلَيَّ , فَلَا تَدْخُلُوا الْأَرْض الَّتِي دَفَعْت إِلَيْهَا , وَلَا يَنْزِل فِيهَا أَحَد مِنْكُمْ غَيْر كَالِب بْن يوفنا وَيُوشَع بْن نُون , وَتَكُون أَثْقَالكُمْ كَمَا كُنْتُمْ الْغَنِيمَة . وَأَمَّا بَنُوكُمْ الْيَوْم الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا مَا بَيْن الْخَيْر وَالشَّرّ , فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْأَرْض , وَإِنِّي بِهِمْ عَارِف لَهُمْ الْأَرْض الَّتِي أَرَدْت لَهُمْ وَتَسْقُط جِيَفكُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَار , وَتَتِيهُونَ فِي هَذِهِ الْقِفَار عَلَى حِسَاب الْأَيَّام الَّتِي جَسَسْتُمْ الْأَرْض أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَكَان كُلّ يَوْم سَنَة وَتُقْتَلُونَ بِخَطَايَاكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَة , وَتَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ وَسْوَسْتُمْ : قَدْ أَتَى أنِّي أَنَا اللَّه فَاعِل بِهَذِهِ الْجَمَاعَة , جَمَاعَة بَنِي إِسْرَائِيل , الَّذِينَ وُعِدُوا بِأَنْ يَتِيهُوا فِي الْقِفَار , فِيهَا يَمُوتُونَ ! فَأَمَّا الرَّهْط الَّذِينَ كَانَ مُوسَى بَعَثَهُمْ يَتَجَسَّسُونَ الْأَرْض , ثُمَّ حَرَّشُوا الْجَمَاعَة , فَأَفْشَوْا فِيهِمْ خَبَر الشَّرّ , فَمَاتُوا كُلّهمْ بَغْتَة , وَعَاشَ يُوشَع وَكَالِب بْن يوفنا مِنْ الرَّهْط الَّذِينَ اِنْطَلَقُوا يَتَحَسَّسُونَ الْأَرْض . فَلَمَّا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام هَذَا الْكَلَام كُلّه لِبَنِي إِسْرَائِيل , حَزِنَ الشَّعْب حُزْنًا شَدِيدًا , وَغَدَوْا فَارْتَفَعُوا عَلَى رَأْس الْجَبَل , وَقَالُوا : نَرْتَقِي الْأَرْض الَّتِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ أَجْل أَنَّا قَدْ أَخْطَأْنَا . فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : لِمَ تَعْتَدُونَ فِي كَلَام اللَّه مِنْ أَجْل ذَلِكَ , لَا يَصْلُح لَكُمْ عَمَل , وَلَا تَصْعَدُوا مِنْ أَجْل أَنَّ اللَّه لَيْسَ مَعَكُمْ , فَالْآن تَنْكَسِرُونَ مِنْ قُدَّام أَعْدَائِكُمْ مِنْ أَجْل الْعَمَالِقَة وَالْكَنْعَانِيِّينَ أَمَامكُمْ , فَلَا تَقَعُوا فِي الْحَرْب مِنْ أَجْل أَنَّكُمْ اِنْقَلَبْتُمْ عَلَى اللَّه فَلَمْ يَكُنْ اللَّه مَعَكُمْ ! فَأَخَذُوا يَرْقُونَ فِي الْجَبَل , وَلَمْ يَبْرَح التَّابُوت الَّذِي فِيهِ مَوَاثِيق اللَّه جَلَّ ذِكْره وَمُوسَى مِنْ الْمَحَلَّة ; يَعْنِي مِنْ الْحِكْمَة , حَتَّى هَبَطَ الْعَمَالِيق وَالْكَنْعَانِيُّونَ فِي ذَلِكَ الْحَائِط , فَحَرَّقُوهُمْ وَطَرَدُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ . فَتَيَّهَهُمْ اللَّه عَزَّ ذِكْره فِي التِّيه أَرْبَعِينَ سَنَة بِالْمَعْصِيَةِ , حَتَّى هَلَكَ مَنْ كَانَ اِسْتَوْجَبَ الْمَعْصِيَة مِنْ اللَّه فِي ذَلِكَ . قَالَ : فَلَمَّا شَبَّ النَّوَاشِئ مِنْ ذَرَارِيّهمْ , وَهَلَكَ آبَاؤُهُمْ , وَانْقَضَتْ الْأَرْبَعُونَ سَنَة الَّتِي تَتَيَّهُوا فِيهَا وَسَارَ بِهِمْ مُوسَى وَمَعَهُ يُوشَع بْن نُون وَكَالِب بْن يوفنا , وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَلَى مَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان أُخْت مُوسَى وَهَارُون , وَكَانَ لَهُمَا صِهْرًا ; قَدِمَ يُوشَع بْن نُون إِلَى أَرِيحَاء فِي بَنِي إِسْرَائِيل , فَدَخَلَهَا بِهِمْ , وَقَتَلَ الْجَبَابِرَة الَّذِينَ كَانُوا فِيهَا , ثُمَّ دَخَلَهَا مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيل , فَأَقَامَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يُقِيم , ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّه إِلَيْهِ لَا يَعْلَم قَبْره أَحَد مِنْ الْخَلَائِق . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَرْبَعِينَ مَنْصُوبَة بِالتَّحْرِيمِ , وَإِنَّ قَوْله : { مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة } مَعْنِيّ بِهِ جَمِيع قَوْم مُوسَى لَا بَعْض دُون بَعْض مِنْهُمْ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره عَمَّ بِذَلِكَ الْقَوْم , وَلَمْ يُخَصِّص مِنْهُمْ بَعْضًا دُون بَعْض . وَقَدْ وَفَّى اللَّه بِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ الْعُقُوبَة , فَتَيَّهَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَة , وَحَرَّمَ عَلَى جَمِيعهمْ فِي الْأَرْبَعِينَ سَنَة الَّتِي مَكَثُوا فِيهَا تَائِهِينَ دُخُول الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , فَلَمْ يَدْخُلهَا مِنْهُمْ أَحَد , لَا صَغِير وَلَا كَبِير وَلَا صَالِح وَلَا طَالِح , حَتَّى اِنْقَضَتْ السُّنُونَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ فِيهَا دُخُولهَا . ثُمَّ أَذِنَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَذَرَارِيّهمْ بِدُخُولِهَا مَعَ نَبِيّ اللَّه مُوسَى , وَالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . وَافْتَتَحَ قَرْيَة الْجَبَّارِينَ إِنْ شَاءَ اللَّه نَبِيّ اللَّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى مُقَدِّمَته يُوشَع , وَذَلِكَ لِإِجْمَاعِ أَهْل الْعِلْم بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ عوج بْن عنق قَتَلَهُ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَوْ كَانَ قَتْله إِيَّاهُ قَبْل مَصِيره فِي التِّيه وَهُوَ مِنْ أَعْظَم الْجَبَّارِينَ خَلْقًا لَمْ تَكُنْ بَنُو إِسْرَائِيل تَجْزَع مِنْ الْجَبَّارِينَ الْجَزَع الَّذِي ظَهَرَ مِنْهَا , وَلَكِنْ ذَلِكَ كَانَ إِنْ شَاءَ اللَّه بَعْد فَنَاء الْأُمَّة الَّتِي جَزِعَتْ وَعَصَتْ رَبّهَا وَأَبَتْ الدُّخُول عَلَى الْجَبَّارِينَ مَدِينَتهمْ . وَبَعْد : فَإِنَّ أَهْل الْعِلْم بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ بلعم بْن باعوراء كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ الْجَبَّارِينَ بِالدُّعَاءِ عَلَى مُوسَى ; وَمُحَال أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ وَقَوْم مُوسَى مُمْتَنِعُونَ مِنْ حَرْبهمْ وَجِهَادهمْ ; لِأَنَّ الْمَعُونَة إِنَّمَا يَحْتَاج إِلَيْهَا مَنْ كَانَ مَطْلُوبًا , فَأَمَّا وَلَا طَالِب فَلَا وَجْه لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا . 9134 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ نَوْف , قَالَ : كَانَ سَرِير عوج ثَمَانمِائَةِ ذِرَاع , وَكَانَ طُول مُوسَى عَشَرَة أَذْرُع وَعَصَاهُ عَشَرَة أَذْرُع وَوَثَبَ فِي السَّمَاء عَشَرَة أَذْرُع , فَضَرَبَ عوجا فَأَصَابَ كَعْبه , فَسَقَطَ مَيِّتًا , فَكَانَ جِسْرًا لِلنَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ . 9135 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَتْ عَصَا مُوسَى عَشَرَة أَذْرُع وَوَثْبَته عَشَرَة أَذْرُع وَطُوله عَشَرَة أَذْرُع , فَوَثَبَ فَأَصَابَ كَعْب عوج فَقَتَلَهُ , فَكَانَ جِسْرًا لِأَهْلِ النِّيل سَنَة . وَمَعْنَى : { يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض } يَحَارُونَ فِيهَا وَيَضِلُّونَ , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلرَّجُلِ الضَّالّ عَنْ سَبِيل الْحَقّ تَائِهٌ . وَكَانَ تِيههمْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصْبِحُونَ أَرْبَعِينَ سَنَة كُلّ سَنَة يَوْم جَادِّينَ فِي قَدْر سِتَّة فَرَاسِخ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ , فَيُمْسُونَ فِي الْمَوْضِع الَّذِي اِبْتَدَءُوا السَّيْر مِنْهُ . 9136 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع . 9137 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيل أَرْبَعِينَ سَنَة , يُصْبِحُونَ حَيْثُ أَمْسَوْا , وَيُمْسُونَ حَيْثُ أَصْبَحُوا فِي تِيههمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقِينَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَلَا تَأْسَ } فَلَا تَحْزَن , يُقَال مِنْهُ : أَسِيَ فُلَان عَلَى كَذَا يَأْسَى أَسًى , وَقَدْ أَسَيْت مِنْ كَذَا : أَيْ حَزِنْت , وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقِيس : وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهُمْ يَقُولُونَ لَا تَهْلِك أَسًى وَتَجَمَّل يَعْنِي : لَا تَهْلِك حُزْنًا . وَبِاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9138 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَلَا تَأْسَ } يَقُول : فَلَا تَحْزَن . 9139 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقِينَ } قَالَ : لَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمْ التِّيه , نَدِمَ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا نَدِمَ أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : { فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقِينَ } لَا تَحْزَن عَلَى الْقَوْم الَّذِينَ سَمَّيْتهمْ فَاسْقِينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • ما قاله الثقلان في أولياء الرحمن

    ما قاله الثقلان في أولياء الرحمن: هذه الورقات فيها بيان شافٍ - بإذن الله - و إظهار لمكانة أولئك النفر من الرجال والنساء من الصحابة، لأن من أحب إنساناً أحب أحبابه وتقبلهم بقبول حسن وأبغض أعداءهم ومبغضيهم، وهذه سنة ماضية في الخلق

    المدقق/المراجع: راشد بن سعد الراشد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/60716

    التحميل:

  • سؤال وجواب حول فقه الواقع

    سؤال وجواب حول فقه الواقع : هذه رسالة ضمنها المؤلف جواباً على سؤال وَرَدَ إلَيَّه حولَ ما يُسمى بـ (( فقه ِ الواقع )) وحُكمهِ ، ومَدى حاجةِ المُسلمينَ إليهِ ، مَعَ بيان ِ صورَتِهِ الشرعيَّةِ الصَّحيحة .

    الناشر: دار الجلالين للنشر والتوزيع - الرياض - السعودية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/46134

    التحميل:

  • رسالة رمضان

    رسالة رمضان: عبارة عن دراسة عامة شاملة لركن عظيم من أركان الإسلام: ألا وهو صوم رمضان المعظم، فهي دراسة علمية تتبع جزئيات هذه العبادة وكلياتها، فلا تغفل ناحية من نواحيها الحكمية والعلمية، بل تتناولها بإسلوب سهل، وعبارة مبسطة واضحة، تدركها العقول على تفاوتها، وتتناولها الأفهام على أختلافها بحيث يتصفحها المسلم - ومهما كانت ثقافته - فيعرف عن هذه العبادة ما ينبغي أن يعرفه كل مسلم عنها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2608

    التحميل:

  • لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد : رسالة مختصرة للعلامة ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بين فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، والقدر، واليوم الآخر، وما يجب تجاه الصحابة، والموقف من أهل البدع.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111041

    التحميل:

  • صحيح مسلم

    صحيح مسلم: في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الحديث من كتاب صحيح مسلم والذي يلي صحيحَ البخاري في الصحة، وقد اعتنى مسلمٌ - رحمه الله - بترتيبه، فقام بجمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد فأثبتها في موضع واحد، ولَم يُكرِّر شيئاً منها في مواضع أخرى، إلاَّ في أحاديث قليلة بالنسبة لحجم الكتاب، ولَم يضع لكتابه أبواباً، وهو في حكم المُبوَّب؛ لجمعه الأحاديث في الموضوع الواحد في موضع واحد. قال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: " ومن حقق نظره في صحيح مسلم - رحمه الله - واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها وكثرة إطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيَّات علم أنَّه إمام لا يلحقه من بَعُد عصره وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ". وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: " قلت: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله ٍ بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ من غير تقطيع ولا رواية بمعنى وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه وحفظت منهم أكثر من عشرين إماما ممن صنف المستخرج على مسلم، فسبحان المعطي الوهاب ".

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140676

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة