Muslim Library

تفسير الطبري - سورة المائدة - الآية 119

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) (المائدة) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ اللَّه هَذَا يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ صِدْقهمْ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هَذَا يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ } فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْحِجَاز وَالْمَدِينَة : " هَذَا يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ " بِنَصْبِ " يَوْم " . وَقَرَأَ بَعْض أَهْل الْحِجَاز وَبَعْض أَهْل الْمَدِينَة وَعَامَّة قُرَّاء أَهْل الْعِرَاق : { هَذَا يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ } بِرَفْعِ يَوْم . فَمَنْ رَفَعَهُ رَفَعَهُ بِهَذَا , وَجَعَلَ " يَوْم " اِسْمًا , وَإِنْ كَانَتْ إِضَافَته غَيْر مَحْضَة ; لِأَنَّهُ صَارَ كَالْمَنْعُوتِ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَزْعُم أَنَّ الْعَرَب يَعْمَلُونَ فِي إِعْرَاب الْأَوْقَات مِثْل الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَمَلهمْ فِيمَا بَعْدهَا , إِنْ كَانَ مَا بَعْدهَا رَفْعًا رَفَعُوهَا , كَقَوْلِهِمْ : هَذَا يَوْم يَرْكَب الْأَمِير , وَلَيْلَة يَصْدُر الْحَاجّ , وَيَوْم أَخُوك مُنْطَلِق ; وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدهَا نَصْبًا نَصَبُوهَا , وَكَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : هَذَا يَوْم خَرَجَ الْجَيْش وَسَارَ النَّاس , وَلَيْلَة قُتِلَ زَيْد وَنَحْو ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا فِي الْحَالَيْنِ : " إِذْ " , و " إِذَا " . وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ هَذَا هَكَذَا رَفْعًا وَجَّهَ الْكَلَام إِلَى أَنَّهُ مِنْ قِيل اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , وَكَذَلِكَ كَانَ السُّدِّيّ يَقُول فِي ذَلِكَ . 10155 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَالَ اللَّه هَذَا يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ صِدْقهمْ } هَذَا فَصْلٌ مِنْ كَلَام عِيسَى , وَهَذَا يَوْم الْقِيَامَة . يَعْنِي السُّدِّيّ بِقَوْلِهِ : " هَذَا فَصْلٌ مِنْ كَلَام عِيسَى " أَنَّ قَوْله : { سُبْحَانك مَا يَكُون لِي أَنْ أَقُول مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } إِلَى قَوْله : { فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم } مِنْ خَبَر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي الدُّنْيَا بَعْد أَنْ رَفَعَهُ إِلَيْهِ , وَأَنَّ مَا بَعْد ذَلِكَ مِنْ كَلَام اللَّه لِعِبَادِهِ يَوْم الْقِيَامَة . وَأَمَّا النَّصْب فِي ذَلِكَ , فَإِنَّهُ يَتَوَجَّه مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّ إِضَافَة " يَوْم " مَا لَمْ تَكُنْ إِلَى اِسْم تَجْعَلهُ نَصْبًا ; لِأَنَّ الْإِضَافَة غَيْر مَحْضَة , وَإِنَّمَا تَكُون الْإِضَافَة مَحْضَة إِذَا أُضِيفَ إِلَى اِسْم صَحِيح . وَنَظِير الْيَوْم فِي ذَلِكَ الْحِين وَالزَّمَان وَمَا أَشْبَههمَا مِنْ الْأَزْمِنَة , كَمَا قَالَ النَّابِغَة : عَلَى حِين عَاتَبْت الْمَشِيب عَلَى الصِّبَا وَقُلْت أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْب وَازِع وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَكُون مُرَادًا بِالْكَلَامِ هَذَا الْأَمْر وَهَذَا الشَّأْن , " يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ " فَيَكُون الْيَوْم حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا عَلَى الْوَقْت وَالصِّفَة , بِمَعْنَى : هَذَا الْأَمْر فِي يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ صِدْقهمْ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ : " هَذَا يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ " بِنَصْبِ الْيَوْم عَلَى أَنَّهُ مَنْصُوب عَلَى الْوَقْت وَالصِّفَة ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَجَابَ عِيسَى حِين قَالَ : { سُبْحَانك مَا يَكُون أَنْ أَقُول مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ عَلِمْته } إِلَى قَوْله : { فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم } فَقَالَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَذَا الْقَوْل النَّافِع أَوْ هَذَا الصِّدْق النَّافِع يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ صِدْقهمْ ; فَالْيَوْم وَقْت الْقَوْل وَالصِّدْق النَّافِع . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا مَوْضِع " هَذَا " ؟ قِيلَ رَفْع ; فَإِنْ قَالَ : فَأَيْنَ رَافِعه ؟ قِيلَ مُضْمَر , وَكَأَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : هَذَا , هَذَا يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ صِدْقهمْ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَمَا تَرَى السَّحَاب كَيْفَ يَجْرِي هَذَا وَلَا خَيْلُك يَا اِبْن بِشْر يُرِيد : هَذَا هَذَا , وَلَا خَيْلُك . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا لِمَا بَيَّنَّا : قَالَ اللَّه لِعِيسَى : هَذَا الْقَوْل النَّافِع فِي يَوْم يَنْفَع الصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا صِدْقهمْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَة عِنْد اللَّه .

يَقُول : لِلصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار فِي الْآخِرَة ثَوَابًا لَهُمْ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , عَلَى مَا كَانَ مِنْ صِدْقهمْ الَّذِي صَدَقُوا اللَّه فِيمَا وَعَدُوهُ , فَوَفَوْا بِهِ لِلَّهِ , فَوَفَّى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ ثَوَابه .

يَقُول : بَاقِينَ فِي الْجَنَّات الَّتِي أَعْطَاهُمُوهَا أَبَدًا دَائِمًا لَهُمْ فِيهَا نَعِيم لَا يَنْتَقِل عَنْهُمْ وَلَا يَزُول . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى الْخُلُود : الدَّوَام وَالْبَقَاء .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : رَضِيَ اللَّه عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي الْوَفَاء لَهُ بِمَا وَعَدُوهُ مِنْ الْعَمَل بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه , { وَرَضُوا عَنْهُ } يَقُول : وَرَضُوا هُمْ عَنْ اللَّه تَعَالَى فِي وَفَائِهِ لَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتهمْ إِيَّاهُ , فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ مِنْ جَزِيل ثَوَابه .

يَقُول : هَذَا الَّذِي أَعْطَاهُمْ اللَّه مِنْ الْجَنَّات الَّتِي تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار , خَالِدِينَ فِيهَا , مَرْضِيًّا عَنْهُمْ , وَرَاضِينَ عَنْ رَبّهمْ , هُوَ الظَّفَر الْعَظِيم بِالطَّلِبَةِ وَإِدْرَاك الْحَاجَة الَّتِي كَانُوا يَطْلُبُونَهَا فِي الدُّنْيَا , وَلَهَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِيهَا , فَنَالُوا مَا طَلَبُوا وَأَدْرَكُوا مَا أَمَّلُوا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • صلاة الجمعة في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة الجمعة في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في صلاة الجمعة بيَّنت فيها: مفهوم الجمعة، والأصل في وجوبها، وحكم صلاة الجمعة: من تجب عليه ومن لا تجب، وأنها فرض عين على من توفرت فيه ثمانية شروط، ومن حضرها ممن لا تجب عليه من المسلمين العقلاء أجزأته عن صلاة الظهر، وانعقدت به وصح أن يؤم فيها إلا المرأة فلا يصح أن تكون خطيباً، ولا إماماً، ثم بيّنت عقوبة تارك الجمعة، وأوضحت فضائل يوم الجمعة، وفضائل صلاة الجمعة، وآداب الجمعة: الواجبة والمستحبة، ثم ذكرت خصائصها بإيجاز، ثم شروط صحة الجمعة، ثم صفة صلاة الجمعة، وقد استفدت كثيراً من تقريرات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى، ورفع درجاته في جنات النعيم -».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/58442

    التحميل:

  • لماذا تزوج النبي محمد عائشة وهي طفلة؟

    يندهش أغلب الغربيين من زواج نبي الإسلام من عائشة ذات التسع سنوات بينما تجاوز هو سن الخمسين. ويصف كثير من الغربيين هذا الزواج بالاغتصاب وكثير من الاستنكار؛ بل يتعمد كثير منهم تصوير نبي الإسلام بصورة الرجل المكبوت جنسيًّا والمعتدي على الصغيرات ويعتبرون أن هذه هي الصورة الحقيقة للإسلام والمسلمين. وقد تجاهل هؤلاء رواج مثل ذلك الزواج وكونه أمرًا طبيعيّا في تلك الحقبة الزمنية و لا يستوجب النقد. والظاهر أن هؤلاء النقاد لم يهتموا بنقد ظاهرة الزواج المبكر لفتيات في التاسعة برجال تجاوزوا الخمسين بقدر اهتمامهم وحرصهم على نقد نبي الإسلام والتحريض ضده وتشويه صورته، مما يقلل من مصداقيتهم ويكشف الغطاء عن تظاهرهم بالإنسانية والدفاع عن “حقوق المرأة“. ولو كان قصد هؤلاء النقاد استنكار مثل هذا الزواج لتحدثوا عنه كظاهرة عامة حدثت قبل ظهور الإسلام واستمرت بعده ولما ركزوا على فرد واحد وصوروه كأنه هو مخترع هذا الزواج وأول من قام به أو الوحيد الذي قام به. فمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولد في مجتمع تعود على مثل هذا الزواج وتزوج كما تزوج غيره من أبناء مجتمعه؛ بل إن غير المؤمنين برسالته والذين طالما حاربوه وحاولوا قتله لم يستعملوا زواجه بعائشة من أجل تشويه صورته والتحريض ضده؛ لأن ذلك كان أمرًا عاديًّا في ذلك الزمن، ولأنهم هم أنفسهم كانوا يتزوجون بفتيات في سن مبكرة. وفي هذا الكتيب ردٌّ على الشبهات المُثارة حول هذا الموضوع.

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/323898

    التحميل:

  • رسالة في أحكام الطهارة

    كتاب الطهارة : رسالة مختصرة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - بين فيها أحكام الطهارة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/264150

    التحميل:

  • معين الملهوف لمعرفة أحكام صلاة الكسوف

    معين الملهوف لمعرفة أحكام صلاة الكسوف : شرع الله - سبحانه وتعالى - صلاة الكسوف التجاء إليه - سبحانه - عند حدوث الكسوف للشمس أو للقمر، وقد حث على الدعاء والصدقة فيها على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الصلاة فيها من الأحكام ما ينبغي على المسلم معرفتها إذا أداها، ولتكون على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذه الرسالة بيان بعض أحكامها. قدم لها : الشيخ خالد بن علي المشيقح، و الشيخ عبد الله بن مانع العتيبي - حفظهما الله -.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166791

    التحميل:

  • الضياء اللامع من الخطب الجوامع

    الضياء اللامع من الخطب الجوامع : مجموعة منتقاة من خطبة العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - يزيد عددها على مئة وربع المئة، وقد تم تقسيمها على تصنيفاتح حتى يسهل على الخطيب الاستفادة منها.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/111042

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة