Muslim Library

تفسير الطبري - سورة المائدة - الآية 110

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (110) (المائدة) mp3
تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِذْ قَالَ اللَّه يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْك وَعَلَى وَالِدَتك إِذْ أَيَّدْتُك بِرُوحِ الْقُدُس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِعِبَادِهِ : اِحْذَرُوا يَوْم يَجْمَع اللَّه الرُّسُل فَيَقُول لَهُمْ : مَاذَا أَجَابَتْكُمْ أُمَمكُمْ فِي الدُّنْيَا { إِذْ قَالَ اللَّه يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْك وَعَلَى وَالِدَتك إِذْ أَيَّدْتُك بِرُوحِ الْقُدُس } فَ " إِذْ " مِنْ صِلَة " أُجِبْتُمْ " , كَأَنَّ مَعْنَاهَا : مَاذَا أَجَابَتْ عِيسَى الْأُمَم الَّتِي أُرْسِلَ إِلَيْهَا عِيسَى . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ سُئِلَتْ الرُّسُل عَنْ إِجَابَة الْأُمَم إِيَّاهَا فِي عَهْد عِيسَى , وَلَمْ يَكُنْ فِي عَهْد عِيسَى مِنْ الرُّسُل إِلَّا أَقَلّ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : جَائِز أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى عَنَى بِقَوْلِهِ : فَيَقُول مَاذَا أُجِبْتُمْ الرُّسُل الَّذِينَ كَانُوا أُرْسِلُوا فِي عَهْد عِيسَى . فَخَرَجَ الْخَبَر مَخْرَج الْجَمِيع , وَالْمُرَاد مِنْهُمْ مَنْ كَانَ فِي عَهْد عِيسَى , كَمَا قَالَ تَعَالَى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } وَالْمُرَاد : وَاحِد مِنْ النَّاس , وَإِنْ كَانَ مَخْرَج الْكَلَام عَلَى جَمِيع النَّاس . وَمَعْنَى الْكَلَام : { إِذْ قَالَ اللَّه } حِين قَالَ { يَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْك وَعَلَى وَالِدَتك إِذْ أَيَّدْتُك بِرُوحِ الْقُدُس } يَقُول : يَا عِيسَى , اُذْكُرْ أَيَادِيَّ عِنْدك وَعِنْد وَالِدَتك , إِذْ قَوَّيْتُك بِرُوحِ الْقُدُس وَأَعَنْتُك بِهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي أَيَّدْتُك مَا هُوَ مِنْ الْفِعْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ فَعَّلْتُك , كَمَا فِي قَوْلك : قَوَّيْتُك فَعَّلْت مِنْ الْقُوَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ فَاعَلْتُك مِنْ الْأَيْد . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَرَأَ : " إِذْ أَيَّدْتُك " بِمَعْنَى : أَفْعَلْتُك مِنْ الْقُوَّة وَالْأَيْد . وَقَوْله : { بِرُوحِ الْقُدُس } يَعْنِي بِجِبْرِيل , يَقُول : إِذْ أَعَنْتُك بِجِبْرِيل . وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى ذَلِكَ وَمَا مَعْنَى الْقُدُس فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تُكَلِّم النَّاس فِي الْمَهْد وَكَهْلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيله لِعِيسَى : { اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْك وَعَلَى وَالِدَتك إِذْ أَيَّدْتُك بِرُوحِ الْقُدُس } فِي حَال تَكْلِيمك النَّاس فِي الْمَهْد وَكَهْلًا . وَإِنَّمَا هَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ أَيَّدَهُ بِرُوحِ الْقُدُس صَغِيرًا فِي الْمَهْد وَكَهْلًا كَبِيرًا , فَرَدَّ " الْكَهْل " عَلَى قَوْله فِي " الْمَهْد " ; لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : صَغِيرًا , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا }

وَقَوْله : {وَإِذْ عَلَّمْتُك الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَالتَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل } يَقُول : وَاذْكُرْ أَيْضًا نِعْمَتِي عَلَيْك إِذْ عَلَّمْتُك الْكِتَاب : وَهُوَ الْخَطّ , وَالْحِكْمَة : وَهِيَ الْفَهْم بِمَعَانِي الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْته إِلَيْك وَهُوَ الْإِنْجِيل .

{ وَإِذْ تَخْلُق مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر } يَقُول : كَصُورَةِ الطَّيْر , { بِإِذْنِي } ; يَعْنِي بِقَوْلِهِ { تَخْلُق } تَعْمَل وَتُصْلِح مِنْ الطِّين , { كَهَيْئَةِ الطَّيْر بِإِذْنِي } يَقُول : بِعَوْنِي عَلَى ذَلِكَ وَعِلْم مِنِّي . { فَتَنْفُخ فِيهَا } يَقُول : فَتَنْفُخ فِي الْهَيْئَة , فَتَكُون الْهَيْئَة وَالصُّورَة { طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئ الْأَكْمَه } يَقُول : وَتَشْفِي الْأَكْمَه : وَهُوَ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِر شَيْئًا الْمَطْمُوس الْبَصَر , { وَالْأَبْرَص بِإِذْنِي } وَقَدْ بَيَّنْت مَعَانِي هَذِهِ الْحُرُوف فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا مُفَسَّرًا بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .

وَقَوْله { وَإِذْ كَفَفْت بَنِي إِسْرَائِيل عَنْك إِذْ جِئْتهمْ بِالْبَيِّنَاتِ } يَقُول : وَاذْكُرْ أَيْضًا نِعْمَتِي عَلَيْك , بِكَفِّي عَنْك بَنِي إِسْرَائِيل إِذْ كَفَفْتهمْ عَنْك وَقَدْ هَمُّوا بِقَتْلِك , { إِذْ جِئْتهمْ بِالْبَيِّنَاتِ } يَقُول : إِذْ جِئْتهمْ بِالْأَدِلَّةِ وَالْأَعْلَام الْمُعْجِزَة عَلَى نُبُوَّتك وَحَقِّيَّة مَا أَرْسَلْتُك بِهِ إِلَيْهِمْ .

يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَقَالَ الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتك وَكَذَّبُوك مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَبَعْض أَهْل الْبَصْرَة : { إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُبِين } يَعْنِي : يُبَيِّن عَمَّا أَتَى بِهِ لِمَنْ رَآهُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ أَنَّهُ سِحْر لَا حَقِيقَة لَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " إِنْ هَذَا إِلَّا سَاحِر مُبِين " بِمَعْنَى : مَا هَذَا , يَعْنِي بِهِ عِيسَى , إِلَّا سَاحِر مُبِين , يَقُول : يُبَيِّن بِأَفْعَالِهِ وَمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الْعَجِيبَة عَنْ نَفْسه أَنَّهُ سَاحِر لَا نَبِيّ صَادِق . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى مُتَّفِقَتَانِ غَيْر مُخْتَلِفَتَيْنِ , وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِفِعْلِ السِّحْر فَهُوَ مَوْصُوف بِأَنَّهُ سَاحِر , وَمَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ سَاحِر فَإِنَّهُ مَوْصُوف بِفِعْلِ السِّحْر , فَالْفِعْل دَالّ عَلَى فَاعِله وَالصِّفَة تَدُلّ عَلَى مَوْصُوفهَا , وَالْمَوْصُوف يَدُلّ عَلَى صِفَته وَالْفَاعِل يَدُلّ عَلَى فِعْله ; فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيبٌ الصَّوَاب فِي قِرَاءَته .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • حديث: «لا تغضب» دراسة حديثية دعوية نفسية

    حديث: «لا تغضب» دراسة حديثية دعوية نفسية: هذه الدراسة محاولة لتشخيص غريزة الغضب ودراستها دراسة حديثية نبوية؛ لمعالجة من يُصاب بهذا الداء، أو للوقاية منه قبل الإصابة، وكذا محاولة لبيان أثر هذا الغضب في نفسية الإنسان وتدخله في الأمراض العضوية، ومن ثَمَّ استيلاء هذا المرض النفسي على المُصاب به.

    الناشر: شبكة السنة النبوية وعلومها www.alssunnah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330177

    التحميل:

  • 50 زهرة من حقل النصح للمرأة المسلمة

    50 زهرة من حقل النصح للمرأة المسلمة: قال المؤلف: «في هذه الصفحات مجموعة إرشادات، وثلة توجيهات عندما تطبقينها في واقع حياتك وتحرصين على التشبث بها وتندمين على فواتها ستنقلب حياتك من شقاء إلى رحلة، ومن تعاسة إلى سعادة؛ بل ستحسين للحياة طعمًا آخر وتنظرين لها نظرة أخرى، وقد دفعني إلى كتابتها حب الخير، وابتغاء الأجر، والرغبة في الإصلاح».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344603

    التحميل:

  • زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور

    زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور : سئل أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى -: عمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مرض به أو بفرسه أو بعيره، يطلب إزالة المرض الذي بهم، ويقول: يا سيدي! أنا في جيرتك، أنا في حسبك، فلان ظلمني، فلان قصد أذيتي، ويقول: إن المقبور يكون واسطة بينه وبين الله تعالى. وفيمن ينذر للمساجد، والزوايا والمشايخ - حيهم وميتهم - بالدراهم والإبل والغنم والشمع والزيت وغير ذلك، يقول: إن سلم ولدي فللشيخ علي كذا وكذا، وأمثال ذلك. وفيمن يستغيث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذاك الواقع؟ وفيمن يجيء إلى شيخه ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه، ويمسح القبر بيديه، ويمسح بهما وجهه، وأمثال ذلك؟ وفيمن يقصده بحاجته، ويقول: يا فلان! ببركتك، أو يقول: قضيت حاجتي ببركة الله وبركة الشيخ؟ وفيمن يعمل السماع ويجيء إلى القبر فيكشف ويحط وجهه بين يدي شيخه على الأرض ساجدا. وفيمن قال: إن ثم قطبا غوثا جامعا في الوجود؟ أفتونا مأجورين، وابسطوا القول في ذلك.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/104618

    التحميل:

  • الرد على شبهة الحجاب

    يعتبر كثير من الغربيين، أن الحجاب هو رمز اضطهاد المرأة المسلمة، ويقوم كثير من الرسامين الكاريكاتوريين في الغرب بالرمز إلى المرأة المسلمة بصورة امرأة ترتدي عباءة سوداء لا تُرى منها إلا عيناها، وهي غالبا بدينة وحزينة! غرض هؤلاء الرسامين هو انتقاد هذه الملابس وتثبيت صورة المرأة المسلمة المضطهدة في عقول الغربيين! وهو أمر بينَّا عدم صحته في مقال آخر في هذا الموقع تحت عنوان «العربي واستعباد المرأة »، وقد رأينا كيف كانت ردة فعل الطالبات السعوديات على كارن هيوز مبعوثة الإدارة الأمريكية، حيث برهنّ على حبهن الشديد لملابسهن الإسلامية ولحجابهن وأنهن يفخرن به وليست لديهن أية نية في التخلي عنه. ولكن، هل الحجاب اختراع إسلامي؟

    الناشر: موقع رسول الله http://www.rasoulallah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/372699

    التحميل:

  • موارد الظمآن لدروس الزمان

    كتاب ماتع يحتوي على حكم وأَحكام وقواعد ومواعظ وآداب وأَخلاق حسان، سماه مؤلفه « موارد الظمآن لدروس الزمان ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/52462

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة