Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحجرات - الآية 9

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) (الحجرات) mp3
رَوَى الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قُلْت : يَا نَبِيّ اللَّه , لَوْ أَتَيْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ؟ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَكِبَ حِمَارًا وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ , وَهِيَ أَرْض سَبِخَة , فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِلَيْك عَنِّي ! فَوَاَللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْن حِمَارك . فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار : وَاَللَّه لَحِمَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْيَب رِيحًا مِنْك . فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّه رَجُل مِنْ قَوْمه , وَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا أَصْحَابه , فَكَانَ بَيْنهمْ حَرْب بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَال , فَبَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزِلَ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة .

وَقَالَ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي الْأَوْس وَالْخَزْرَج . قَالَ مُجَاهِد : تَقَاتَلَ حَيَّان مِنْ الْأَنْصَار بِالْعِصِيِّ وَالنِّعَال فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَمِثْله عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : أَنَّ الْأَوْس وَالْخَزْرَج كَانَ بَيْنهمْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِتَال بِالسَّعَفِ وَالنِّعَال وَنَحْوه , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة فِيهِمْ .

وَقَالَ قَتَادَة : نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَار كَانَتْ بَيْنهمَا مُدَارَأَة فِي حَقّ بَيْنهمَا ! فَقَالَ أَحَدهمَا : لَآخُذَنَّ حَقِّي عَنْوَة ; لِكَثْرَةِ عَشِيرَته . وَدَعَاهُ الْآخَر إِلَى أَنْ يُحَاكِمهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَى أَنْ يَتْبَعهُ , فَلَمْ يَزَلْ الْأَمْر بَيْنهمَا حَتَّى تَوَاقَعَا وَتَنَاوَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا بِالْأَيْدِي وَالنِّعَال وَالسُّيُوف , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : نَزَلَتْ فِي حَرْب سُمَيْر وَحَاطِب , وَكَانَ سُمَيْر قَتَلَ حَاطِبًا , فَاقْتَتَلَ الْأَوْس وَالْخَزْرَج حَتَّى أَتَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ . وَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصْلِحُوا بَيْنهمَا . وَقَالَ السُّدِّيّ : كَانَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهَا : أُمّ زَيْد تَحْت رَجُل مِنْ غَيْر الْأَنْصَار , فَتَخَاصَمَتْ مَعَ زَوْجهَا , أَرَادَتْ أَنْ تَزُور قَوْمهَا فَحَبَسَهَا زَوْجهَا وَجَعَلَهَا فِي عِلِّيَّة لَا يَدْخُل عَلَيْهَا أَحَد مِنْ أَهْلهَا , وَأَنَّ الْمَرْأَة بَعَثَتْ إِلَى قَوْمهَا , فَجَاءَ قَوْمهَا فَأَنْزَلُوهَا لِيَنْطَلِقُوا بِهَا , فَخَرَجَ الرَّجُل فَاسْتَغَاثَ أَهْله فَخَرَجَ بَنُو عَمّه لِيَحُولُوا بَيْن الْمَرْأَة وَأَهْلهَا , فَتَدَافَعُوا وَتَجَالَدُوا بِالنِّعَالِ , فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَالطَّائِفَة تَتَنَاوَل الرَّجُل الْوَاحِد وَالْجَمْع وَالِاثْنَيْنِ , فَهُوَ مِمَّا حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى دُون اللَّفْظ ; لِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ فِي مَعْنَى الْقَوْم وَالنَّاس . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْر اللَّه فَإِنْ فَاءُوا فَخُذُوا بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ " . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة " اِقْتَتَلَتَا " عَلَى لَفْظ الطَّائِفَتَيْنِ . وَقَدْ مَضَى فِي آخِر " التَّوْبَة " الْقَوْل فِيهِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَلْيَشْهَدْ عَذَابهمَا طَائِفَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " [ الرُّوم : 2 ] قَالَ : الْوَاحِد فَمَا فَوْقه , وَالطَّائِفَة مِنْ الشَّيْء الْقِطْعَة مِنْهُ .

قَالَ الْعُلَمَاء : لَا تَخْلُو الْفِئَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي اِقْتِتَالهمَا , إِمَّا أَنْ يَقْتَتِلَا عَلَى سَبِيل الْبَغْي مِنْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لَا . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّل فَالْوَاجِب فِي ذَلِكَ أَنْ يُمْشَى بَيْنهمَا بِمَا يُصْلِح ذَات الْبَيْن وَيُثْمِر الْمُكَافَّة وَالْمُوَادَعَة . فَإِنْ لَمْ يَتَحَاجَزَا وَلَمْ يَصْطَلِحَا وَأَقَامَتَا عَلَى الْبَغْي صِيرَ إِلَى مُقَاتَلَتهمَا . وَأَمَّا إِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَكُون إِحْدَاهُمَا بَاغِيَة عَلَى الْأُخْرَى , فَالْوَاجِب أَنْ تُقَاتَل فِئَة الْبَغْي إِلَى أَنْ تَكُفّ وَتَتُوب , فَإِنْ فَعَلَتْ أُصْلِحَ بَيْنهَا وَبَيْن الْمَبْغِيّ عَلَيْهَا بِالْقِسْطِ وَالْعَدْل . فَإِنْ اِلْتَحَمَ الْقِتَال بَيْنهمَا لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا وَكِلْتَاهُمَا عِنْد أَنْفُسهمَا مُحِقَّة , فَالْوَاجِب إِزَالَة الشُّبْهَة بِالْحُجَّةِ النَّيِّرَة وَالْبَرَاهِين الْقَاطِعَة عَلَى مَرَاشِد الْحَقّ . فَإِنْ رَكِبَتَا مَتْن اللَّجَاج وَلَمْ تَعْمَلَا عَلَى شَاكِلَة مَا هُدِيَتَا إِلَيْهِ وَنُصِحَتَا بِهِ مِنْ اِتِّبَاع الْحَقّ بَعْد وُضُوحه لَهُمَا فَقَدْ لَحِقَتَا بِالْفِئَتَيْنِ الْبَاغِيَتَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

بِالدُّعَاءِ إِلَى كِتَاب اللَّه لَهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا .

رَوَى الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قُلْت : يَا نَبِيّ اللَّه , لَوْ أَتَيْت عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ؟ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَكِبَ حِمَارًا وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ , وَهِيَ أَرْض سَبِخَة , فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِلَيْك عَنِّي ! فَوَاَللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْن حِمَارك . فَقَالَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار : وَاَللَّه لَحِمَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْيَب رِيحًا مِنْك . فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّه رَجُل مِنْ قَوْمه , وَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا أَصْحَابه , فَكَانَ بَيْنهمْ حَرْب بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَال , فَبَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزِلَ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة .

وَقَالَ مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي الْأَوْس وَالْخَزْرَج . قَالَ مُجَاهِد : تَقَاتَلَ حَيَّان مِنْ الْأَنْصَار بِالْعِصِيِّ وَالنِّعَال فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَمِثْله عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : أَنَّ الْأَوْس وَالْخَزْرَج كَانَ بَيْنهمْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِتَال بِالسَّعَفِ وَالنِّعَال وَنَحْوه , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة فِيهِمْ .

وَقَالَ قَتَادَة : نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَار كَانَتْ بَيْنهمَا مُدَارَأَة فِي حَقّ بَيْنهمَا ! فَقَالَ أَحَدهمَا : لَآخُذَنَّ حَقِّي عَنْوَة ; لِكَثْرَةِ عَشِيرَته . وَدَعَاهُ الْآخَر إِلَى أَنْ يُحَاكِمهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَى أَنْ يَتْبَعهُ , فَلَمْ يَزَلْ الْأَمْر بَيْنهمَا حَتَّى تَوَاقَعَا وَتَنَاوَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا بِالْأَيْدِي وَالنِّعَال وَالسُّيُوف , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : نَزَلَتْ فِي حَرْب سُمَيْر وَحَاطِب , وَكَانَ سُمَيْر قَتَلَ حَاطِبًا , فَاقْتَتَلَ الْأَوْس وَالْخَزْرَج حَتَّى أَتَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ . وَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصْلِحُوا بَيْنهمَا . وَقَالَ السُّدِّيّ : كَانَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهَا : أُمّ زَيْد تَحْت رَجُل مِنْ غَيْر الْأَنْصَار , فَتَخَاصَمَتْ مَعَ زَوْجهَا , أَرَادَتْ أَنْ تَزُور قَوْمهَا فَحَبَسَهَا زَوْجهَا وَجَعَلَهَا فِي عِلِّيَّة لَا يَدْخُل عَلَيْهَا أَحَد مِنْ أَهْلهَا , وَأَنَّ الْمَرْأَة بَعَثَتْ إِلَى قَوْمهَا , فَجَاءَ قَوْمهَا فَأَنْزَلُوهَا لِيَنْطَلِقُوا بِهَا , فَخَرَجَ الرَّجُل فَاسْتَغَاثَ أَهْله فَخَرَجَ بَنُو عَمّه لِيَحُولُوا بَيْن الْمَرْأَة وَأَهْلهَا , فَتَدَافَعُوا وَتَجَالَدُوا بِالنِّعَالِ , فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَالطَّائِفَة تَتَنَاوَل الرَّجُل الْوَاحِد وَالْجَمْع وَالِاثْنَيْنِ , فَهُوَ مِمَّا حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى دُون اللَّفْظ ; لِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ فِي مَعْنَى الْقَوْم وَالنَّاس . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْر اللَّه فَإِنْ فَاءُوا فَخُذُوا بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ " . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة " اِقْتَتَلَتَا " عَلَى لَفْظ الطَّائِفَتَيْنِ . وَقَدْ مَضَى فِي آخِر " التَّوْبَة " الْقَوْل فِيهِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَلْيَشْهَدْ عَذَابهمَا طَائِفَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " [ الرُّوم : 2 ] قَالَ : الْوَاحِد فَمَا فَوْقه , وَالطَّائِفَة مِنْ الشَّيْء الْقِطْعَة مِنْهُ .

قَالَ الْعُلَمَاء : لَا تَخْلُو الْفِئَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي اِقْتِتَالهمَا , إِمَّا أَنْ يَقْتَتِلَا عَلَى سَبِيل الْبَغْي مِنْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لَا . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّل فَالْوَاجِب فِي ذَلِكَ أَنْ يُمْشَى بَيْنهمَا بِمَا يُصْلِح ذَات الْبَيْن وَيُثْمِر الْمُكَافَّة وَالْمُوَادَعَة . فَإِنْ لَمْ يَتَحَاجَزَا وَلَمْ يَصْطَلِحَا وَأَقَامَتَا عَلَى الْبَغْي صِيرَ إِلَى مُقَاتَلَتهمَا . وَأَمَّا إِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَكُون إِحْدَاهُمَا بَاغِيَة عَلَى الْأُخْرَى , فَالْوَاجِب أَنْ تُقَاتَل فِئَة الْبَغْي إِلَى أَنْ تَكُفّ وَتَتُوب , فَإِنْ فَعَلَتْ أُصْلِحَ بَيْنهَا وَبَيْن الْمَبْغِيّ عَلَيْهَا بِالْقِسْطِ وَالْعَدْل . فَإِنْ اِلْتَحَمَ الْقِتَال بَيْنهمَا لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا وَكِلْتَاهُمَا عِنْد أَنْفُسهمَا مُحِقَّة , فَالْوَاجِب إِزَالَة الشُّبْهَة بِالْحُجَّةِ النَّيِّرَة وَالْبَرَاهِين الْقَاطِعَة عَلَى مَرَاشِد الْحَقّ . فَإِنْ رَكِبَتَا مَتْن اللَّجَاج وَلَمْ تَعْمَلَا عَلَى شَاكِلَة مَا هُدِيَتَا إِلَيْهِ وَنُصِحَتَا بِهِ مِنْ اِتِّبَاع الْحَقّ بَعْد وُضُوحه لَهُمَا فَقَدْ لَحِقَتَا بِالْفِئَتَيْنِ الْبَاغِيَتَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

{9} وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
بِالدُّعَاءِ إِلَى كِتَاب اللَّه لَهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا .

{9} وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
" بَغَتْ " تَعَدَّتْ وَلَمْ تُجِبْ إِلَى حُكْم اللَّه وَكِتَابه . وَالْبَغْي : التَّطَاوُل وَالْفَسَاد .

وَقَوْله تَعَالَى : " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي " أَمْر بِالْقِتَالِ . وَهُوَ فَرْض عَلَى الْكِفَايَة إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْض سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ; وَلِذَلِكَ تَخَلَّفَ قَوْم مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الْمَقَامَات , كَسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة وَغَيْرهمْ . وَصَوَّبَ ذَلِكَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب لَهُمْ , وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ بِعُذْرٍ قَبِلَهُ مِنْهُ . وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا أُفْضِيَ إِلَيْهِ الْأَمْر , عَاتَبَ سَعْدًا عَلَى مَا فَعَلَ , وَقَالَ لَهُ : لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ أَصْلَحَ بَيْن الْفِئَتَيْنِ حِين اِقْتَتَلَا , وَلَا مِمَّنْ قَاتَلَ الْفِئَة الْبَاغِيَة . فَقَالَ لَهُ سَعْد : نَدِمْت عَلَى تَرْكِي قِتَال الْفِئَة الْبَاغِيَة . فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْكُلّ دَرَك فِيمَا فَعَلَ , وَإِنَّمَا كَانَ تَصَرُّفًا بِحُكْمِ الِاجْتِهَاد وَإِعْمَالًا بِمُقْتَضَى الشَّرْع . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَلَوْ تَغَلَّبُوا ( أَيْ الْبُغَاة ) عَلَى بَلَد فَأَخَذُوا الصَّدَقَات وَأَقَامُوا الْحُدُود وَحَكَمُوا فِيهِمْ بِالْأَحْكَامِ , لَمْ تُثَنَّ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَات وَلَا الْحُدُود , وَلَا يُنْقَض مِنْ أَحْكَامهمْ إِلَّا مَا كَانَ خِلَافًا لِلْكِتَابِ أَوْ السُّنَّة أَوْ الْإِجْمَاع , كَمَا تُنْقَض أَحْكَام أَهْل الْعَدْل وَالسُّنَّة , قَالَهُ مُطَّرِف وَابْن الْمَاجِشُونِ . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : لَا تَجُوز بِحَالٍ . وَرُوِيَ عَنْ أَصْبَغ أَنَّهُ جَائِز . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوز كَقَوْلِ اِبْن الْقَاسِم . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة ; لِأَنَّهُ عَمَل بِغَيْرِ حَقّ مِمَّنْ لَا تَجُوز تَوْلِيَته . فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُونُوا بُغَاة . وَالْعُمْدَة لَنَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , لَمَّا اِنْجَلَتْ الْفِتْنَة وَارْتَفَعَ الْخِلَاف بِالْهُدْنَةِ وَالصُّلْح , لَمْ يَعْرِضُوا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي حُكْم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الَّذِي عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُح ; لِأَنَّ الْفِتْنَة لَمَّا اِنْجَلَتْ كَانَ الْإِمَام هُوَ الْبَاغِي , وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَرِضهُ وَاَللَّه أَعْلَم .

فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى وُجُوب قِتَال الْفِئَة الْبَاغِيَة الْمَعْلُوم بَغْيهَا عَلَى الْإِمَام أَوْ عَلَى أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَعَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ مَنَعَ مِنْ قِتَال الْمُؤْمِنِينَ , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( قِتَال الْمُؤْمِن كُفْر ) . وَلَوْ كَانَ قِتَال الْمُؤْمِن الْبَاغِي كُفْرًا لَكَانَ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِالْكُفْرِ , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ ! وَقَدْ قَاتَلَ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِسْلَامِ وَامْتَنَعَ مِنْ الزَّكَاة , وَأَمَرَ أَلَّا يُتْبَع مُوَلٍّ , وَلَا يُجْهَز عَلَى جَرِيح , وَلَمْ تُحَلّ أَمْوَالهمْ , بِخِلَافِ الْوَاجِب فِي الْكُفَّار . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : لَوْ كَانَ الْوَاجِب فِي كُلّ اِخْتِلَاف يَكُون بَيْن الْفَرِيقَيْنِ الْهَرَب مِنْهُ وَلُزُوم الْمَنَازِل لَمَا أُقِيمَ حَدّ وَلَا أُبْطِلَ بَاطِل , وَلَوَجَدَ أَهْل النِّفَاق وَالْفُجُور سَبِيلًا إِلَى اِسْتِحْلَال كُلّ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ وَسَبْي نِسَائِهِمْ وَسَفْك دِمَائِهِمْ , بِأَنْ يَتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ , وَيَكُفّ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيهمْ عَنْهُمْ , وَذَلِكَ مُخَالِف لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ ) .

قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي قِتَال الْمُسْلِمِينَ , وَالْعُمْدَة فِي حَرْب الْمُتَأَوِّلِينَ , وَعَلَيْهَا عَوْل الصَّحَابَة , وَإِلَيْهَا لَجَأَ الْأَعْيَان مِنْ أَهْل الْمِلَّة , وَإِيَّاهَا عَنَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( تَقْتُل عَمَّارًا الْفِئَة الْبَاغِيَة ) . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي شَأْن الْخَوَارِج : ( يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْر فُرْقَة أَوْ عَلَى حِين فُرْقَة ] , وَالرِّوَايَة الْأُولَى أَصَحّ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( تَقْتُلهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقّ ) . وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُمْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَمَنْ كَانَ مَعَهُ .

فَتَقَرَّرَ عِنْد عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ وَثَبَتَ بِدَلِيلِ الدِّين أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ إِمَامًا , وَأَنَّ كُلّ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ بَاغٍ وَأَنَّ قِتَاله وَاجِب حَتَّى يَفِيء إِلَى الْحَقّ وَيَنْقَاد إِلَى الصُّلْح ; لِأَنَّ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قُتِلَ وَالصَّحَابَة بُرَآء مِنْ دَمه ; لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ قِتَال مَنْ ثَارَ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَا أَكُون أَوَّل مَنْ خَلَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّته بِالْقَتْلِ , فَصَبَرَ عَلَى الْبَلَاء , وَاسْتَسْلَمَ لِلْمِحْنَةِ وَفَدَى بِنَفْسِهِ الْأُمَّة . ثُمَّ لَمْ يُمْكِن تَرْك النَّاس سُدًى , فَعُرِضَتْ عَلَى بَاقِي الصَّحَابَة الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ عُمَر فِي الشُّورَى , وَتَدَافَعُوهَا , وَكَانَ عَلِيّ كَرَّمَ اللَّه وَجْهه أَحَقّ بِهَا وَأَهْلهَا , فَقِبَلهَا حَوْطَة عَلَى الْأُمَّة أَنْ تُسْفَك دِمَاؤُهَا بِالتَّهَارُجِ وَالْبَاطِل , أَوْ يَتَخَرَّق أَمْرهَا إِلَى مَا لَا يَتَحَصَّل . فَرُبَّمَا تَغَيَّرَ الدِّين وَانْقَضَّ عَمُود الْإِسْلَام . فَلَمَّا بُويِعَ لَهُ طَلَبَ أَهْل الشَّام فِي شَرْط الْبَيْعَة التَّمَكُّن مِنْ قَتَلَة عُثْمَان وَأَخْذ الْقَوَد مِنْهُمْ , فَقَالَ لَهُمْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : اُدْخُلُوا فِي الْبَيْعَة وَاطْلُبُوا الْحَقّ تَصِلُوا إِلَيْهِ . فَقَالُوا : لَا تَسْتَحِقّ بَيْعَة وَقَتَلَة عُثْمَان مَعَك تَرَاهُمْ صَبَاحًا وَمَسَاء . فَكَانَ عَلِيّ فِي ذَلِكَ أَشَدّ رَأْيًا وَأَصْوَب قِيلًا ; لِأَنَّ عَلِيًّا لَوْ تَعَاطَى الْقَوَد مِنْهُمْ لَتَعَصَّبَتْ لَهُمْ قَبَائِل وَصَارَتْ حَرْبًا ثَالِثَة , فَانْتَظَرَ بِهِمْ أَنْ يَسْتَوْثِق الْأَمْر وَتَنْعَقِد الْبَيْعَة , وَيَقَع الطَّلَب مِنْ الْأَوْلِيَاء فِي مَجْلِس الْحُكْم , فَيَجْرِي الْقَضَاء بِالْحَقِّ .

وَلَا خِلَاف بَيْن الْأُمَّة أَنَّهُ يَجُوز لِلْإِمَامِ تَأْخِير الْقِصَاص إِذَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِثَارَة الْفِتْنَة أَوْ تَشْتِيت الْكَلِمَة . وَكَذَلِكَ جَرَى لِطَلْحَة وَالزُّبَيْر , فَإِنَّهُمَا مَا خَلَعَا عَلِيًّا مِنْ وِلَايَة وَلَا اِعْتَرَضَا عَلَيْهِ فِي دِيَانَة , وَإِنَّمَا رَأَيَا أَنَّ الْبُدَاءَة بِقَتْلِ أَصْحَاب عُثْمَان أَوْلَى .

قُلْت : فَهَذَا قَوْل فِي سَبَب الْحَرْب الْوَاقِع بَيْنهمْ . وَقَالَ جِلَّة مِنْ أَهْل الْعِلْم : إِنَّ الْوَقْعَة بِالْبَصْرَةِ بَيْنهمْ كَانَتْ عَلَى غَيْر عَزِيمَة مِنْهُمْ عَلَى الْحَرْب بَلْ فَجْأَة , وَعَلَى سَبِيل دَفْع كُلّ وَاحِد مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ أَنْفُسهمْ لِظَنِّهِ أَنَّ الْفَرِيق الْآخَر قَدْ غَدَرَ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَمْر كَانَ قَدْ اِنْتَظَمَ بَيْنهمْ , وَتَمَّ الصُّلْح وَالتَّفَرُّق عَلَى الرِّضَا . فَخَافَ قَتَلَة عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ التَّمْكِين مِنْهُمْ وَالْإِحَاطَة بِهِمْ , فَاجْتَمَعُوا وَتَشَاوَرُوا وَاخْتَلَفُوا , ثُمَّ اِتَّفَقَتْ آرَاؤُهُمْ عَلَى أَنْ يَفْتَرِقُوا فَرِيقَيْنِ , وَيَبْدَءُوا بِالْحَرْبِ سُحْرَة فِي الْعَسْكَرَيْنِ , وَتَخْتَلِف السِّهَام بَيْنهمْ , وَيَصِيح الْفَرِيق الَّذِي فِي عَسْكَر عَلِيّ : غَدَرَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر . وَالْفَرِيق الَّذِي فِي عَسْكَر طَلْحَة وَالزُّبَيْر : غَدَرَ عَلِيّ . فَتَمَّ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى مَا دَبَّرُوهُ , وَنَشِبَتْ الْحَرْب , فَكَانَ كُلّ فَرِيق دَافِعًا لِمَكْرَتِهِ عِنْد نَفْسه , وَمَانِعًا مِنْ الْإِشَاطَة بِدَمِهِ . وَهَذَا صَوَاب مِنْ الْفَرِيقَيْنِ وَطَاعَة لِلَّهِ تَعَالَى , إِذْ وَقَعَ الْقِتَال وَالِامْتِنَاع مِنْهُمَا عَلَى هَذِهِ السَّبِيل . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور . وَاَللَّه أَعْلَم .

لَا يَجُوز أَنْ يُنْسَب إِلَى أَحَد مِنْ الصَّحَابَة خَطَأ مَقْطُوع بِهِ , إِذْ كَانُوا كُلّهمْ اِجْتَهَدُوا فِيمَا فَعَلُوهُ وَأَرَادُوا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَهُمْ كُلّهمْ لَنَا أَئِمَّة , وَقَدْ تَعَبَّدْنَا بِالْكَفِّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنهمْ , وَأَلَّا نَذْكُرهُمْ إِلَّا بِأَحْسَن الذِّكْر , لِحُرْمَةِ الصُّحْبَة وَلِنَهْيِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبّهمْ , وَأَنَّ اللَّه غَفَرَ لَهُمْ , وَأَخْبَرَ بِالرِّضَا عَنْهُمْ . هَذَا مَعَ مَا قَدْ وَرَدَ مِنْ الْأَخْبَار مِنْ طُرُق مُخْتَلِفَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ طَلْحَة شَهِيد يَمْشِي عَلَى وَجْه الْأَرْض , فَلَوْ كَانَ مَا خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ الْحَرْب عِصْيَانًا لَمْ يَكُنْ بِالْقَتْلِ فِيهِ شَهِيدًا . وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَا خَرَجَ إِلَيْهِ خَطَأ فِي التَّأْوِيل وَتَقْصِيرًا فِي الْوَاجِب عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الشَّهَادَة لَا تَكُون إِلَّا بِقَتْلٍ فِي طَاعَة , فَوَجَبَ حَمْل أَمْرهمْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدْ صَحَّ وَانْتَشَرَ مِنْ أَخْبَار عَلِيّ بِأَنَّ قَاتِل الزُّبَيْر فِي النَّار . وَقَوْله : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( بَشِّرْ قَاتِل اِبْن صَفِيَّة بِالنَّارِ ) . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ طَلْحَة وَالزُّبَيْر غَيْر عَاصِيَيْنِ وَلَا آثِمَيْنِ بِالْقِتَالِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلْحَة : ( شَهِيد ) . وَلَمْ يُخْبِر أَنَّ قَاتِل الزُّبَيْر فِي النَّار . وَكَذَلِكَ مَنْ قَعَدَ غَيْر مُخْطِئ فِي التَّأْوِيل . بَلْ صَوَاب أَرَاهُمْ اللَّه الِاجْتِهَاد . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُوجِب ذَلِكَ لَعْنهمْ وَالْبَرَاءَة مِنْهُمْ وَتَفْسِيقهمْ , وَإِبْطَال فَضَائِلهمْ وَجِهَادهمْ , وَعَظِيم غِنَائِهِمْ فِي الدِّين رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَقَدْ سُئِلَ بَعْضهمْ عَنْ الدِّمَاء الَّتِي أُرِيقَتْ فِيمَا بَيْنهمْ فَقَالَ : " تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " [ الْبَقَرَة : 141 ] . وَسُئِلَ بَعْضهمْ عَنْهَا أَيْضًا فَقَالَ : تِلْكَ دِمَاء طَهَّرَ اللَّه مِنْهَا يَدِي , فَلَا أُخَضِّب بِهَا لِسَانِي . يَعْنِي فِي التَّحَرُّز مِنْ الْوُقُوع فِي خَطَأ , وَالْحُكْم عَلَى بَعْضهمْ بِمَا لَا يَكُون مُصِيبًا فِيهِ . قَالَ اِبْن فَوْرك : وَمِنْ أَصْحَابنَا مَنْ قَالَ : إِنَّ سَبِيل مَا جَرَتْ بَيْن الصَّحَابَة مِنْ الْمُنَازَعَات كَسَبِيلِ مَا جَرَى بَيْن إِخْوَة يُوسُف مَعَ يُوسُف , ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا بِذَلِكَ عَنْ حَدّ الْوِلَايَة وَالنُّبُوَّة , فَكَذَلِكَ الْأَمْر فِيمَا جَرَى بَيْن الصَّحَابَة . وَقَالَ الْمُحَاسِبِيّ : فَأَمَّا الدِّمَاء فَقَدْ أَشْكَلَ عَلَيْنَا الْقَوْل فِيهَا بِاخْتِلَافِهِمْ . وَقَدْ سُئِلَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ قِتَالهمْ فَقَالَ : قِتَال شَهِدَهُ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغِبْنَا , وَعَلِمُوا وَجَهِلْنَا , وَاجْتَمَعُوا فَاتَّبَعْنَا , وَاخْتَلَفُوا فَوَقَفْنَا . قَالَ الْمُحَاسِبِيّ : فَنَحْنُ نَقُول كَمَا قَالَ الْحَسَن , وَنَعْلَم أَنَّ الْقَوْم كَانُوا أَعْلَم بِمَا دَخَلُوا فِيهِ مِنَّا , وَنَتَّبِع مَا اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ , وَنَقِف عِنْد مَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ وَلَا نَبْتَدِع رَأْيًا مِنَّا , وَنَعْلَم أَنَّهُمْ اِجْتَهَدُوا وَأَرَادُوا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , إِذْ كَانُوا غَيْر مُتَّهَمِينَ فِي الدِّين , وَنَسْأَل اللَّه التَّوْفِيق .

أَيْ تَرْجِع إِلَى كِتَابه .

أَيْ فَإِنْ رَجَعَتْ

أَيْ اِحْمِلُوهُمَا عَلَى الْإِنْصَاف .

وَقَوْله تَعَالَى : " فَأَصْلِحُوا بَيْنهمَا بِالْعَدْلِ " وَمِنْ الْعَدْل فِي صُلْحهمْ أَلَّا يُطَالَبُوا بِمَا جَرَى بَيْنهمْ مِنْ دَم وَلَا مَال , فَإِنَّهُ تَلَف عَلَى تَأْوِيل . وَفِي طَلَبهمْ تَنْفِير لَهُمْ عَنْ الصُّلْح وَاسْتِشْرَاء فِي الْبَغْي . وَهَذَا أَصْل فِي الْمَصْلَحَة . وَقَدْ قَالَ لِسَان الْأُمَّة : إِنَّ حِكْمَة اللَّه تَعَالَى فِي حَرْب الصَّحَابَة التَّعْرِيف مِنْهُمْ لِأَحْكَامِ قِتَال أَهْل التَّأْوِيل , إِذْ كَانَ أَحْكَام قِتَال أَهْل الشِّرْك قَدْ عُرِفَتْ عَلَى لِسَان الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْله .

إِذَا خَرَجَتْ عَلَى الْإِمَام الْعَدْل خَارِجَة بَاغِيَة وَلَا حُجَّة لَهَا , قَاتَلَهُمْ الْإِمَام بِالْمُسْلِمِينَ كَافَّة أَوْ مَنْ فِيهِ كِفَايَة , وَيَدْعُوهُمْ قَبْل ذَلِكَ إِلَى الطَّاعَة وَالدُّخُول فِي الْجَمَاعَة , فَإِنْ أَبَوْا مِنْ الرُّجُوع وَالصُّلْح قُوتِلُوا . وَلَا يُقْتَل أَسِيرهُمْ وَلَا يُتْبَع مُدْبِرهمْ وَلَا يُذَفَّف عَلَى جَرِيحهمْ , وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيّهمْ وَلَا أَمْوَالهمْ . وَإِذَا قَتَلَ الْعَادِل الْبَاغِي , أَوْ الْبَاغِي الْعَادِل وَهُوَ وَلِيّه لَمْ يَتَوَارَثَا . وَلَا يَرِث قَاتِل عَمْدًا عَلَى حَال . وَقِيلَ : إِنَّ الْعَادِل يَرِث الْبَاغِي , قِيَاسًا عَلَى الْقِصَاص .

وَمَا اِسْتَهْلَكَهُ الْبُغَاة وَالْخَوَارِج مِنْ دَم أَوْ مَال ثُمَّ تَابُوا لَمْ يُؤَاخَذُوا بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَضْمَنُونَ . وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ . وَجْه قَوْل أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ إِتْلَاف بِعُدْوَانٍ فَيَلْزَم الضَّمَان . وَالْمُعَوِّل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنَّ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي حُرُوبهمْ لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرًا وَلَا ذَفَّفُوا عَلَى جَرِيح وَلَا قَتَلُوا أَسِيرًا وَلَا ضَمِنُوا نَفْسًا وَلَا مَالًا , وَهُمْ الْقُدْوَة .

وَقَالَ اِبْن عُمَر : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا عَبْد اللَّه أَتَدْرِي كَيْف حُكْم اللَّه فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة ) ؟ قَالَ : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم . فَقَالَ : ( لَا يُجْهَز عَلَى جَرِيحهَا وَلَا يُقْتَل أَسِيرهَا وَلَا يُطْلَب هَارِبهَا وَلَا يُقْسَم فَيْؤُهَا ) . فَأَمَّا مَا كَانَ قَائِمًا رُدَّ بِعَيْنِهِ .

هَذَا كُلّه فِيمَنْ خَرَجَ بِتَأْوِيلٍ يُسَوِّغ لَهُ . وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِيره : إِنْ كَانَتْ الْبَاغِيَة مِنْ قِلَّة الْعَدَد بِحَيْثُ لَا مَنَعَة لَهَا ضَمِنَتْ بَعْد الْفَيْئَة مَا جَنَتْ , وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَة ذَات مَنَعَة وَشَوْكَة لَمْ تَضْمَن , إِلَّا عِنْد مُحَمَّد بْن الْحَسَن رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِأَنَّ الضَّمَان يَلْزَمهَا إِذَا فَاءَتْ . وَأَمَّا قَبْل التَّجَمُّع وَالتَّجَنُّد أَوْ حِين تَتَفَرَّق عِنْد وَضْع الْحَرْب أَوْزَارهَا , فَمَا جَنَتْهُ ضَمِنَتْهُ عِنْد الْجَمِيع . فَحَمْل الْإِصْلَاح بِالْعَدْلِ فِي قَوْله : " فَأَصْلِحُوا بَيْنهمَا بِالْعَدْلِ " عَلَى مَذْهَب مُحَمَّد وَاضِح مُنْطَبِق عَلَى لَفْظ التَّنْزِيل . وَعَلَى قَوْل غَيْره وَجْهه أَنْ يُحْمَل عَلَى كَوْن الْفِئَة الْبَاغِيَة قَلِيلَة الْعَدَد . وَاَلَّذِي ذَكَرُوا أَنَّ الْغَرَض إِمَاتَة الضَّغَائِن وَسَلّ الْأَحْقَاد دُون ضَمَان الْجِنَايَات لَيْسَ بِحُسْنِ الطِّبَاق الْمَأْمُور بِهِ مِنْ أَعْمَال الْعَدْل وَمُرَاعَاة الْقِسْط . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : فَإِنْ قُلْت : لِمَ قَرَنَ بِالْإِصْلَاحِ الثَّانِي الْعَدْل دُون الْأَوَّل ؟ قُلْت : لِأَنَّ الْمُرَاد بِالِاقْتِتَالِ فِي أَوَّل الْآيَة أَنْ يَقْتَتِلَا بَاغِيَتَيْنِ أَوْ رَاكِبَتَيْ شُبْهَة , وَأَيَّتهمَا كَانَتْ فَاَلَّذِي يَجِب عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ فِي شَأْنهمَا إِصْلَاح ذَات الْبَيْن وَتَسْكِين الدَّهْمَاء بِإِرَاءَة الْحَقّ وَالْمَوَاعِظ الشَّافِيَة وَنَفْي الشُّبْهَة , إِلَّا إِذَا أَصَرَّتَا فَحِينَئِذٍ تَجِب الْمُقَاتَلَة , وَأَمَّا الضَّمَان فَلَا يَتَّجِه . وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا بَغَتْ إِحْدَاهُمَا , فَإِنَّ الضَّمَان مُتَّجِه عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ .

أَقْسِطُوا أَيّهَا النَّاس فَلَا تَقْتَتِلُوا . وَقِيلَ : أَقْسِطُوا أَيْ اِعْدِلُوا .

أَيْ الْعَادِلِينَ الْمُحِقِّينَ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • عقيدة المؤمن

    من خصائص هذا الكتاب: احتواؤه على كل أجزاء العقيدة الإسلامية، وبحثها بالتفصيل. ومن مميزاته: جمعه - في إثبات مسائله - بين الدليلين العقلي والسمعى، وكتابته بروح العصر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2428

    التحميل:

  • السبحة تاريخها وحكمها

    قال المؤلف: أحتسب عند الله تعالى تحرير القول في السبحة من جميع جوانبه، بجمع المرويات، وبيان درجتها، وجمع كلام العلماء في تاريخها، وتاريخ حدوثها في المسلمين، وأن العرب لم تعرف في لغتها شيئاً اسمه: ((السُّبْحَة)) في هذا المعنى، وفي ((خلاصة التحقيق)) بيان حكمها في التعبد لِعَدِّ الذِّكر، أو في العادة واللَّهْو، حتى يُعلم أنها وسيلة محدثة لِعَدِّ الذِّكر، ومجاراة لأهل الأهواء، فَتَشَبُّهٌ بأهل الملل الأخرى، وَمِنِ اسْتِبْدَالِ الأَدْنَى بالذي هو خير، وقاعدة الشرع المطهر: تحريم التشبه بالكفار في تعبداتهم وفيما هو من خصائصهم من عاداتهم.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385302

    التحميل:

  • وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود

    وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري : الرحلة في طلب العلم رحلة مليئة بالذكريات والمواقف، تبتدئ من المحبرة وتنتهي في المقبرة، يُستقى فيها من معين الكتاب والسنة علوم شتى، ولما كان طلاب العلم يتشوقون إلى معرفة سير علمائهم؛ فقد حرصنا على توفير بعض المواد التي ترجمت لهم، ومنها كتاب وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود التويجري، للشيخ عبد العزيز السدحان.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307940

    التحميل:

  • المفاهيم الصحيحة للجهاد في سبيل الله في ضوء الكتاب والسنة

    المفاهيم الصحيحة للجهاد في سبيل الله في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فقد كثر الكلام في هذه الأيام عن الجهاد في سبيل الله - عز وجل -؛ ولأهمية الأمر، وخطورته، أحببت أن أذكر لإخواني بعض المفاهيم الصحيحة التي ينبغي معرفتها وفقهها قبل أن يتكلم المسلم عن الجهاد، ولا شك أن باب الجهاد، وأحكامه باب واسع يحتاج إلى عناية فائقة، ولكني أقتصر من ذلك على كلمات مختصرات تُبيِّن الحق - إن شاء الله تعالى - في الأمور الآتية: مفهوم الجهاد في سبيل الله تعالى، وحكمه، ومراتبه، والحكمة من مشروعيته، وأنواعه، وشروط وجوب الجهاد، ووجوب استئذان الوالدين في الخروج إلى جهاد التطوع في سبيل الله تعالى، وأنَّ أمر الجهاد موكول إلى الإمام المسلم، واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك ما لم يأمر بمعصية، ووجوب الاعتصام بالكتاب والسنة وخاصة أيام الفتن».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272698

    التحميل:

  • المستطاب في أسباب نجاح دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    المستطاب في أسباب نجاح دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : بيان أسباب نجاح هذه الدعوة، مع بيان لماذا نحب هذه الدعوة ولماذا نجحت واستمرت؟!!

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/144868

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة