Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الحجرات - الآية 6

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) (الحجرات) mp3
قِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْوَلِيد بْن عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط . وَسَبَب ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيد عَنْ قَتَادَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ الْوَلِيد بْن عُقْبَة مُصَدِّقًا إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِق , فَلَمَّا أَبْصَرُوهُ أَقْبَلُوا نَحْوه فَهَابَهُمْ - فِي رِوَايَة : لِإِحْنَةٍ كَانَتْ بَيْنه وَبَيْنهمْ - , فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ قَدْ اِرْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام . فَبَعَثَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِد بْن الْوَلِيد وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّت وَلَا يَعْجَل , فَانْطَلَقَ خَالِد حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلًا , فَبَعَثَ عُيُونه فَلَمَّا جَاءُوا أَخْبَرُوا خَالِدًا أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ , وَسَمِعُوا أَذَانهمْ وَصَلَاتهمْ , فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ خَالِد وَرَأَى صِحَّة مَا ذَكَرُوهُ , فَعَادَ إِلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , فَكَانَ يَقُول نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( التَّأَنِّي مِنْ اللَّه وَالْعَجَلَة مِنْ الشَّيْطَان ) .

وَفِي رِوَايَة : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِق بَعْد إِسْلَامهمْ , فَلَمَّا سَمِعُوا بِهِ رَكِبُوا إِلَيْهِ , فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ خَافَهُمْ , فَرَجَعَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْقَوْم قَدْ هَمُّوا بِقَتْلِهِ , وَمَنَعُوا صَدَقَاتهمْ . فَهَمَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَزْوِهِمْ , فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ قَدِمَ وَفْدهمْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , سَمِعْنَا بِرَسُولِك فَخَرَجْنَا إِلَيْهِ لِنُكْرِمهُ , وَنُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا قِبَلنَا مِنْ الصَّدَقَة , فَاسْتَمَرَّ رَاجِعًا , وَبَلَغَنَا أَنَّهُ يَزْعُم لِرَسُولِ اللَّه أَنَّا خَرَجْنَا لِنُقَاتِلهُ , وَاَللَّه مَا خَرَجْنَا لِذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة .

وَسُمِّيَ الْوَلِيد فَاسِقًا أَيْ كَاذِبًا . قَالَ اِبْن زَيْد وَمُقَاتِل وَسَهْل بْن عَبْد اللَّه : الْفَاسِق الْكَذَّاب . وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْوَرَّاق : هُوَ الْمُعْلِن بِالذَّنْبِ . وَقَالَ اِبْن طَاهِر : الَّذِي لَا يَسْتَحِي مِنْ اللَّه . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " فَتَثَبَّتُوا " مِنْ التَّثَبُّت . الْبَاقُونَ " فَتَبَيَّنُوا " مِنْ التَّبْيِين

فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى قَبُول خَبَر الْوَاحِد إِذَا كَانَ عَدْلًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ فِيهَا بِالتَّثَبُّتِ عِنْد نَقْل خَبَر الْفَاسِق . وَمَنْ ثَبَتَ فِسْقه بَطَلَ قَوْله فِي الْأَخْبَار إِجْمَاعًا ; لِأَنَّ الْخَبَر أَمَانَة وَالْفِسْق قَرِينَة يُبْطِلهَا . وَقَدْ اِسْتَثْنَى الْإِجْمَاع مِنْ جُمْلَة ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّق بِالدَّعْوَى وَالْجُحُود , وَإِثْبَات حَقّ مَقْصُود عَلَى الْغَيْر , مِثْل أَنْ يَقُول : هَذَا عَبْدِي , فَإِنَّهُ يُقْبَل قَوْله . وَإِذَا قَالَ : قَدْ أَنْفَذَ فُلَان هَذَا لَك هَدِيَّة , فَإِنَّهُ يُقْبَل ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ يُقْبَل فِي مِثْله خَبَر الْكَافِر . وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ عَلَى نَفْسه فَلَا يَبْطُل إِجْمَاعًا . وَأَمَّا فِي الْإِنْشَاء عَلَى غَيْره فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَغَيْره : لَا يَكُون وَلِيًّا فِي النِّكَاح . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك : يَكُون وَلِيًّا لِأَنَّهُ يَلِي مَالهَا فَيَلِي بُضْعهَا . كَالْعَدْلِ , وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فِي دِينه إِلَّا أَنَّ غَيْرَته مُوَفَّرَة وَبِهَا يَحْمِي الْحَرِيم , وَقَدْ يَبْذُل الْمَال وَيَصُون الْحُرْمَة , وَإِذَا وَلِيَ الْمَال فَالنِّكَاح أَوْلَى .

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمِنْ الْعَجَب أَنْ يُجَوِّز الشَّافِعِيّ وَنُظَرَاؤُهُ إِمَامَة الْفَاسِق . وَمَنْ لَا يُؤْتَمَن عَلَى حَبَّة مَال كَيْف يَصِحّ أَنْ يُؤْتَمَن عَلَى قِنْطَار دِين . وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ أَصْله أَنَّ الْوُلَاة الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِالنَّاسِ لَمَّا فَسَدَتْ أَدْيَانهمْ وَلَمْ يُمْكِن تَرْك الصَّلَاة وَرَاءَهُمْ , وَلَا اُسْتُطِيعَتْ إِزَالَتهمْ صُلِّيَ مَعَهُمْ وَوَرَاءَهُمْ , كَمَا قَالَ عُثْمَان : الصَّلَاة أَحْسَن مَا يَفْعَل النَّاس , فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ , وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتهمْ . ثُمَّ كَانَ مِنْ النَّاس مَنْ إِذَا صَلَّى مَعَهُمْ تَقِيَّة أَعَادُوا الصَّلَاة لِلَّهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجْعَلهَا صَلَاته . وَبِوُجُوبِ الْإِعَادَة أَقُول , فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُك الصَّلَاة مَعَ مَنْ لَا يَرْضَى مِنْ الْأَئِمَّة , وَلَكِنْ يُعِيد سِرًّا فِي نَفْسه , وَلَا يُؤْثِر ذَلِكَ عِنْد غَيْره .

وَأَمَّا أَحْكَامه إِنْ كَانَ وَالِيًا فَيُنَفَّذ مِنْهَا مَا وَافَقَ الْحَقّ وَيُرَدّ مَا خَالَفَهُ , وَلَا يُنْقَض حُكْمه الَّذِي أَمْضَاهُ بِحَالٍ , وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْر هَذَا الْقَوْل مِنْ رِوَايَة تُؤْثَر أَوْ قَوْل يُحْكَى , فَإِنَّ الْكَلَام كَثِير وَالْحَقّ ظَاهِر .

لَا خِلَاف فِي أَنَّهُ يَصِحّ أَنْ يَكُون رَسُولًا عَنْ غَيْره فِي قَوْل يُبَلِّغهُ أَوْ شَيْء يُوَصِّلهُ , أَوْ إِذْن يُعْلِمهُ , إِذَا لَمْ يَخْرُج عَنْ حَقّ الْمُرْسِل , وَالْمُبَلَّغ , فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقّ لِغَيْرِهِمَا لَمْ يُقْبَل قَوْله . وَهَذَا جَائِز لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَة إِلَيْهِ , فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَصَرَّف بَيْن الْخَلْق فِي هَذِهِ الْمَعَانِي إِلَّا الْعُدُول لَمْ يَحْصُل مِنْهَا شَيْء لِعَدَمِهِمْ فِي ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى فَسَاد مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلّهمْ عُدُول حَتَّى تَثْبُت الْجُرْحَة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّثَبُّتِ قَبْل الْقَبُول , وَلَا مَعْنَى لِلتَّثَبُّتِ بَعْد إِنْفَاذ الْحُكْم , فَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِم قَبْل التَّثَبُّت فَقَدْ أَصَابَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ بِجَهَالَةٍ .

فَإِنْ قَضَى بِمَا يَغْلِب عَلَى الظَّنّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلًا بِجَهَالَةٍ , كَالْقَضَاءِ بِالشَّاهِدَيْنِ الْعَدْلِيَّيْنِ , وَقَبُول قَوْل الْعَالِم الْمُجْتَهِد . وَإِنَّمَا الْعَمَل بِالْجَهَالَةِ قَبُول قَوْل مَنْ لَا يَحْصُل غَلَبَة الظَّنّ بِقَبُولِهِ . ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَة الْقُشَيْرِيّ , وَاَلَّذِي قَبْلهَا الْمَهْدَوِيّ .

أَيْ لِئَلَّا تُصِيبُوا , فـ " أَنْ " فِي مَحَلّ نَصْب بِإِسْقَاطِ الْخَافِض .

أَيْ بِخَطَإٍ .

عَلَى الْعَجَلَة وَتَرْك التَّأَنِّي .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار

    بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار : من تأمل هذا الكتاب على اختصاره ووضوحه رآه مشتملا من جميع العلوم النافعة على: علم التوحيد، والأصول، والعقائد، وعلم السير والسلوك إلى الله، وعلم الأخلاق والآداب الدينية، والدنيوية، والطبية وعلم الفقه والأحكام في كل أبواب الفقه: من عبادات ومعاملات، وأنكحة، وغيرها وبيان حكمها، ومأخذها وأصولها وقواعدها، وعلوم الإصلاحات المتنوعة والمواضيع النافعة، والتوجيهات إلى جلب المنافع الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية، ودفع المضار. وهي كلها مأخوذة ومستفادة من كلماته - صلوات الله وسلامه عليه - حيث اختير فيه شرح أجمع الأحاديث وأنفعها، كما ستراه. وذلك كله من فضل الله ورحمته . . والله هو المحمود وحده.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/79493

    التحميل:

  • التحصين من كيد الشياطين

    التحصين من كيد الشياطين : دراسة تأصيلية مستفيضة لقضايا العين والحسد والسحر والمس وغيرها، مع بيان المشروع من التحصين والرقى، وأصول التداوي.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166698

    التحميل:

  • منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في: منزلة الصلاة في الإسلام، بيّن فيها المؤلف - حفظه الله - بإيجاز مفهوم الصلاة، وحكمها، ومنزلتها، وخصائصها، وحكم تاركها، وفضلها، بالأدلة من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1915

    التحميل:

  • كيف تنمي أموالك؟

    كيف تنمي أموالك؟ : يحتوي هذا الكتاب على فصلين، وهما: الأول: فضائل الصدقة. الثاني: رسائل إلى المتصدقين.

    الناشر: مجلة البيان http://www.albayan-magazine.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205806

    التحميل:

  • شرح القواعد الأربع [ الراجحي ]

    القواعد الأربع: رسالة مختصرة كتبها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وقد اشتملت على تقرير ومعرفة قواعد التوحيد، وقواعد الشرك، ومسألة الحكم على أهل الشرك، والشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة، وقد شرحها فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي - حفظه الله تعالى -.

    الناشر: موقع الشيخ الراجحي http://www.shrajhi.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2417

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة