Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الفتح - الآية 25

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) (الفتح) mp3
" هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا " يَعْنِي قُرَيْشًا , مَنَعُوكُمْ دُخُول الْمَسْجِد الْحَرَام عَام الْحُدَيْبِيَة حِين أَحْرَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابه بِعُمْرَةٍ , وَمَنَعُوا الْهَدْي وَحَبَسُوهُ عَنْ أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . وَهَذَا كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهُ ; وَلَكِنَّهُ حَمَلَتْهُمْ الْأَنَفَة وَدَعَتْهُمْ حَمِيَّة الْجَاهِلِيَّة إِلَى أَنْ يَفْعَلُوا مَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ دِينًا , فَوَبَّخَهُمْ اللَّه عَلَى ذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ , وَأَدْخَلَ الْأُنْس عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيَانِهِ وَوَعْده .

أَيْ مَحْبُوسًا . وَقِيلَ مَوْقُوفًا . وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء : مَجْمُوعًا . الْجَوْهَرِيّ : عَكْفه أَيْ حَبْسه وَوَقْفه , يَعْكِفُهُ وَيَعْكُفهُ عَكْفًا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَالْهَدْي مَعْكُوفًا " , يُقَال مَا عَكَفَك عَنْ كَذَا . وَمِنْهُ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد وَهُوَ الِاحْتِبَاس .

" وَالْهَدْي " الْهَدْي وَالْهَدِيّ لُغَتَانِ . وَقُرِئَ " حَتَّى يَبْلُغ الْهَدْي مَحِلّه " [ الْبَقَرَة : 196 ] بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد , الْوَاحِدَة هَدِيَّة . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " أَيْضًا . وَهُوَ مَعْطُوف عَلَى الْكَاف وَالْمِيم مِنْ " صَدُّوكُمْ " . وَ " مَعْكُوفًا " حَال , وَمَوْضِع " أَنْ " مِنْ قَوْله : " أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه " نُصِبَ عَلَى تَقْدِير الْحَمْل عَلَى " صَدُّوكُمْ " أَيْ صَدُّوكُمْ وَصَدُّوا الْهَدْي عَنْ أَنْ يَبْلُغ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَفْعُولًا لَهُ , كَأَنَّهُ قَالَ : وَصَدُّوا الْهَدْي كَرَاهِيَة أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . أَبُو عَلِيّ : لَا يَصِحّ حَمْله عَلَى الْعَكْف ; لِأَنَّا لَا نَعْلَم " عَكَفَ " جَاءَ مُتَعَدِّيًا , وَمَجِيء " مَعْكُوفًا " فِي الْآيَة يَجُوز أَنْ يَكُون مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى , كَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَبْسًا حُمِلَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ , كَمَا حُمِلَ الرَّفَث عَلَى مَعْنَى الْإِفْضَاء فَعُدِّيَ بِإِلَى , فَإِنْ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مَوْضِعه نَصْبًا عَلَى قِيَاس قَوْل سِيبَوَيْهِ , وَجَرًّا عَلَى قِيَاس قَوْل الْخَلِيل . أَوْ يَكُون مَفْعُولًا لَهُ , كَأَنَّهُ قَالَ : مَحْبُوسًا كَرَاهِيَة أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . وَيَجُوز تَقْدِير الْجَرّ فِي " أَنْ " لِأَنَّ عَنْ تَقَدَّمَتْ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَصَدُّوا الْهَدْي " عَنْ " أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه . وَمِثْله مَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ عَنْ يُونُس : مَرَرْت بِرَجُلٍ إِنْ زَيْد وَإِنْ عَمْرو , فَأُضْمِرَ الْجَارّ لِتَقَدُّمِ ذِكْره .

أَيْ مَنْحَره , قَالَهُ الْفَرَّاء . وَقَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْحَرَم . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , الْمُحْصَر مَحِلّ هَدْيه الْحَرَم . وَالْمَحِلّ ( بِكَسْرِ الْحَاء ) : غَايَة الشَّيْء . ( وَبِالْفَتْحِ ) : هُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَحِلّهُ النَّاس . وَكَانَ الْهَدْي سَبْعِينَ بَدَنَة ; وَلَكِنَّ اللَّه بِفَضْلِهِ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِع لَهُ مَحِلًّا .

وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ " وَالصَّحِيح مَا ذَكَرْنَاهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : نَحَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْحُدَيْبِيَة الْبَدَنَة عَنْ سَبْعَة , وَالْبَقَرَة عَنْ سَبْعَة . وَعَنْهُ قَالَ : اِشْتَرَكْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة كُلّ سَبْعَة فِي بَدَنَة . فَقَالَ رَجُل لِجَابِرٍ : أَيَشْتَرِكُ فِي الْبَدَنَة مَا يَشْتَرِك فِي الْجَزُور ؟ قَالَ : مَا هِيَ إِلَّا مِنْ الْبُدْن . وَحَضَرَ جَابِر الْحُدَيْبِيَة قَالَ : وَنَحَرْنَا يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَة , اِشْتَرَكْنَا كُلّ سَبْعَة فِي بَدَنَة . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَمِرِينَ , فَحَالَ كُفَّار قُرَيْش دُون الْبَيْت , فَنَحَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَنَة وَحَلَقَ رَأْسه . قِيلَ : إِنَّ الَّذِي حَلَقَ رَأْسه يَوْمئِذٍ خِرَاش بْن أُمَيَّة بْن أَبِي الْعِيص الْخُزَاعِيّ , وَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحِلُّوا , فَفَعَلُوا بَعْد تَوَقُّف كَانَ مِنْهُمْ أَغْضَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَتْ لَهُ أُمّ سَلَمَة : لَوْ نَحَرْت لَنَحَرُوا , فَنَحَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيه وَنَحَرُوا بِنَحْرِهِ , وَحَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه وَدَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّة . وَرَأَى كَعْب بْن عُجْرَة وَالْقَمْل يَسْقُط عَلَى وَجْهه , فَقَالَ : [ أَيُؤْذِيك هَوَامّك ] ؟ قَالَ نَعَمْ , فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِق وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " .

يَعْنِي الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّة وَسَط الْكُفَّار , كَسَلَمَة بْن هِشَام وَعَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة وَأَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل , وَأَشْبَاههمْ . " لَمْ تَعْلَمُوهُمْ " أَيْ تَعْرِفُوهُمْ . وَقِيلَ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ . " أَنْ تَطَئُوهُمْ " بِالْقَتْلِ وَالْإِيقَاع بِهِمْ , يُقَال : وَطِئْت الْقَوْم , أَيْ أَوْقَعْت بِهِمْ . وَ " أَنْ " يَجُوز أَنْ يَكُون رَفْعًا عَلَى الْبَدَل مِنْ رِجَال , وَنِسَاء كَأَنَّهُ قَالَ وَلَوْلَا وَطْؤُكُمْ رِجَالًا مُؤْمِنِينَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات . وَيَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى الْبَدَل مِنْ الْهَاء وَالْمِيم فِي " تَعْلَمُوهُمْ " , فَيَكُون التَّقْدِير : لَمْ تَعْلَمُوا وَطْأَهُمْ , وَهُوَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَدَل الِاشْتِمَال . " لَمْ تَعْلَمُوهُمْ " نَعْت لِ " رِجَال " وَ " نِسَاء " . وَجَوَاب " لَوْلَا " مَحْذُوف , وَالتَّقْدِير : وَلَوْ أَنْ تَطَئُوا رِجَالًا مُؤْمِنِينَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوهُمْ لَأَذِنَ اللَّه لَكُمْ فِي دُخُول مَكَّة , وَلَسَلَّطَكُمْ عَلَيْهِمْ ; وَلَكِنَّا صُنَّا مَنْ كَانَ فِيهَا يَكْتُم إِيمَانه . وَقَالَ الضَّحَّاك : لَوْلَا مَنْ فِي أَصْلَاب الْكُفَّار وَأَرْحَام نِسَائِهِمْ مِنْ رِجَال مُؤْمِنِينَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوا أَنْ تَطَئُوا آبَاءَهُمْ فَتُهْلَك أَبْنَاؤُهُمْ .

الْمَعَرَّة الْعَيْب , وَهِيَ مَفْعَلَة مِنْ الْعُرّ وَهُوَ الْجَرَب , أَيْ يَقُول الْمُشْرِكُونَ : قَدْ قَتَلُوا أَهْل دِينهمْ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى يُصِيبكُمْ مِنْ قَتْلهمْ مَا يَلْزَمكُمْ مِنْ أَجْله كَفَّارَة قَتْل الْخَطَأ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى قَاتِل الْمُؤْمِن فِي دَار الْحَرْب إِذَا لَمْ يَكُنْ هَاجَرَ مِنْهَا وَلَمْ يُعْلَم بِإِيمَانِهِ الْكَفَّارَة دُون الدِّيَة فِي قَوْله : " فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤْمِنَة " [ النِّسَاء : 92 ] قَالَهُ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل وَغَيْرهمَا . وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء " الْقَوْل فِيهِ . وَقَالَ اِبْن زَيْد : " مَعَرَّة " إِثْم . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ وَابْن إِسْحَاق : غُرْم الدِّيَة . قُطْرُب : شِدَّة . وَقِيلَ غَمّ .

تَفْضِيل لِلصَّحَابَةِ وَإِخْبَار عَنْ صِفَتهمْ الْكَرِيمَة مِنْ الْعِفَّة عَنْ الْمَعْصِيَة وَالْعِصْمَة عَنْ التَّعَدِّي , حَتَّى لَوْ أَنَّهُمْ أَصَابُوا مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا لَكَانَ عَنْ غَيْر قَصْد . وَهَذَا كَمَا وَصَفَتْ النَّمْلَة عَنْ جُنْد سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْلهَا : " لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَان وَجُنُوده وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " [ النَّمْل : 18 ] .

اللَّام فِي " لِيُدْخِل " مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ , أَيْ لَوْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَأَدْخَلَهُمْ اللَّه فِي رَحْمَته . وَيَجُوز أَنْ تَتَعَلَّق بِالْإِيمَانِ . وَلَا تُحْمَل عَلَى مُؤْمِنِينَ دُون مُؤْمِنَات وَلَا عَلَى مُؤْمِنَات دُون مُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْجَمِيع يَدْخُلُونَ فِي الرَّحْمَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَمْ يَأْذَن اللَّه لَكُمْ فِي قِتَال الْمُشْرِكِينَ لِيُسْلِم بَعْد الصُّلْح مَنْ قَضَى أَنْ يُسْلِم مِنْ أَهْل مَكَّة , وَكَذَلِكَ كَانَ أَسْلَمَ الْكَثِير مِنْهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامه , وَدَخَلُوا فِي رَحْمَته , أَيْ جَنَّته .

أَيْ تَمَيَّزُوا , قَالَهُ الْقُتَبِيّ . وَقِيلَ : لَوْ تَفَرَّقُوا , قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَقِيلَ : لَوْ زَالَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَيْن أَظْهُر الْكُفَّار لَعُذِّبَ الْكُفَّار بِالسَّيْفِ , قَالَهُ الضَّحَّاك وَلَكِنَّ اللَّه يَدْفَع بِالْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْكُفَّار . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة " لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا " فَقَالَ : [ هُمْ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَجْدَاد نَبِيّ اللَّه وَمَنْ كَانَ بَعْدهمْ وَفِي عَصْرهمْ كَانَ فِي أَصْلَابهمْ قَوْم مُؤْمِنُونَ فَلَوْ تَزَيَّلَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْ أَصْلَاب الْكَافِرِينَ لَعَذَّبَ اللَّه تَعَالَى الْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ] .

هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى مُرَاعَاة الْكَافِر فِي حُرْمَة الْمُؤْمِن , إِذْ لَا يُمْكِن أَذِيَّة الْكَافِر إِلَّا بِأَذِيَّةِ الْمُؤْمِن . قَالَ أَبُو زَيْد قُلْت لِابْنِ الْقَاسِم : أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي حِصْن مِنْ حُصُونهمْ , حَصَرَهُمْ أَهْل الْإِسْلَام وَفِيهِمْ قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُسَارَى فِي أَيْدِيهمْ , أَيُحْرَقُ هَذَا الْحِصْن أَمْ لَا ؟ قَالَ : سَمِعْت مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ قَوْم مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي مَرَاكِبهمْ : أَنَرْمِي فِي مَرَاكِبهمْ بِالنَّارِ وَمَعَهُمْ الْأُسَارَى فِي مَرَاكِبهمْ ؟ قَالَ : فَقَالَ مَالِك لَا أَرَى ذَلِكَ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِأَهْلِ مَكَّة : " لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " . وَكَذَلِكَ لَوْ تَتَرَّسَ كَافِر بِمُسْلِمٍ لَمْ يَجُزْ رَمْيه . وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَاعِل فَأَتْلَفَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ الدِّيَة وَالْكَفَّارَة . فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا , فَإِذَا فَعَلُوهُ صَارُوا قَتَلَة خَطَأ وَالدِّيَة عَلَى عَوَاقِلهمْ . فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا فَلَهُمْ أَنْ يَرْمُوا . وَإِذَا أُبِيحُوا الْفِعْل لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِمْ فِيهَا تِبَاعَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ قَالَ جَمَاعَة إِنَّ مَعْنَاهُ لَوْ تَزَيَّلُوا عَنْ بُطُون النِّسَاء وَأَصْلَاب الرِّجَال . وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّ مَنْ فِي الصُّلْب أَوْ فِي الْبَطْن لَا يُوطَأ وَلَا تُصِيب مِنْهُ مَعَرَّة . وَهُوَ سُبْحَانه قَدْ صَرَّحَ فَقَالَ : " وَلَوْلَا رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُؤْمِنَات لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ " وَذَلِكَ لَا يَنْطَلِق عَلَى مَنْ فِي بَطْن الْمَرْأَة وَصُلْب الرِّجَال , وَإِنَّمَا يَنْطَلِق عَلَى مِثْل الْوَلِيد بْن الْوَلِيد , وَسَلَمَة بْن هِشَام , وَعَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة , وَأَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل . وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك : وَقَدْ حَاصَرْنَا مَدِينَة الرُّوم فَحُبِسَ عَنْهُمْ الْمَاء , فَكَانُوا يُنْزِلُونَ الْأُسَارَى يَسْتَقُونَ لَهُمْ الْمَاء , فَلَا يَقْدِر أَحَد عَلَى رَمْيهمْ بِالنَّبْلِ , فَيَحْصُل لَهُمْ الْمَاء بِغَيْرِ اِخْتِيَارنَا . وَقَدْ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ الرَّمْي فِي حُصُون الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ أُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَطْفَالهمْ . وَلَوْ تَتَرَّسَ كَافِر بِوَلَدِ مُسْلِم رُمِيَ الْمُشْرِك , وَإِنْ أُصِيبَ أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا دِيَة فِيهِ وَلَا كَفَّارَة . وَقَالَ الثَّوْرِيّ : فِيهِ الْكَفَّارَة وَلَا دِيَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ بِقَوْلِنَا . وَهَذَا ظَاهِر , فَإِنَّ التَّوَصُّل إِلَى الْمُبَاح بِالْمَحْظُورِ لَا يَجُوز , سِيَّمَا بِرُوحِ الْمُسْلِم , فَلَا قَوْل إِلَّا مَا قَالَهُ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .

قُلْت : قَدْ يَجُوز قَتْل التُّرْس , وَلَا يَكُون فِيهِ اِخْتِلَاف إِنْ شَاءَ اللَّه , وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَة ضَرُورِيَّة كُلِّيَّة قَطْعِيَّة . فَمَعْنَى كَوْنهَا ضَرُورِيَّة : أَنَّهَا لَا يَحْصُل الْوُصُول إِلَى الْكُفَّار إِلَّا بِقَتْلِ التُّرْس . وَمَعْنَى أَنَّهَا كُلِّيَّة : أَنَّهَا قَاطِعَة لِكُلِّ الْأُمَّة , حَتَّى يَحْصُل مِنْ قَتْل التُّرْس مَصْلَحَة كُلّ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ لَمْ يُفْعَل قَتَلَ الْكُفَّار التُّرْس وَاسْتَوْلَوْا عَلَى كُلّ الْأُمَّة . وَمَعْنَى كَوْنهَا قَطْعِيَّة : أَنَّ تِلْكَ الْمَصْلَحَة حَاصِلَة مِنْ قَتْل التُّرْس قَطْعًا . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذِهِ الْمَصْلَحَة بِهَذِهِ الْقُيُود لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَف فِي اِعْتِبَارهَا ; لِأَنَّ الْفَرْض أَنَّ التُّرْس مَقْتُول قَطْعًا , فَإِمَّا بِأَيْدِي الْعَدُوّ فَتَحْصُل الْمَفْسَدَة الْعَظِيمَة الَّتِي هِيَ اِسْتِيلَاء الْعَدُوّ عَلَى كُلّ الْمُسْلِمِينَ . وَإِمَّا بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَيَهْلِك الْعَدُوّ وَيَنْجُو الْمُسْلِمُونَ أَجْمَعُونَ . وَلَا يَتَأَتَّى لِعَاقِلٍ أَنْ يَقُول : لَا يُقْتَل التُّرْس فِي هَذِهِ الصُّورَة بِوَجْهٍ ; لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ ذَهَاب التُّرْس وَالْإِسْلَام وَالْمُسْلِمِينَ , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَة غَيْر خَالِيَة مِنْ الْمَفْسَدَة , نَفَرَتْ مِنْهَا نَفْس مَنْ لَمْ يُمْعِن النَّظَر فِيهَا , فَإِنَّ تِلْكَ الْمَفْسَدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَحْصُل مِنْهَا عَدَم أَوْ كَالْعَدَمِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

قِرَاءَة الْعَامَّة " لَوْ تَزَيَّلُوا " إِلَّا أَبَا حَيْوَة فَإِنَّهُ قَرَأَ " تَزَايَلُوا " وَهُوَ مِثْل " تَزَيَّلُوا " فِي الْمَعْنَى . وَالتَّزَايُل : التَّبَايُن . وَ " تَزَيَّلُوا " تَفَعَّلُوا , مِنْ زِلْت . وَقِيلَ : هِيَ تَفَيْعَلُوا . " لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا " قِيلَ : اللَّام جَوَاب لِكَلَامَيْنِ , أَحَدهمَا : " لَوْلَا رِجَال " وَالثَّانِي : " لَوْ تَزَيَّلُوا " . وَقِيلَ جَوَاب " لَوْلَا " مَحْذُوف , وَقَدْ تَقَدَّمَ . " وَلَوْ تَزَيَّلُوا " اِبْتِدَاء كَلَام .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • شبهات حول الصحابة والرد عليها : أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها [ من كلام ابن تيمية ]

    هذه الرسالة جمعها الشيخ محمد مال الله من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - والتي بين فيها فضائل أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - مع رد بعض الشبهات التي أثيرت حولها من قبل أعداء الدين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/273074

    التحميل:

  • نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

    هذا الكتاب يحتوي على بيان كيفية نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116943

    التحميل:

  • تفسير الطبري [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]

    تفسير الطبري [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]: في هذه الصفحة نسخة الكترونية مفهرسة، تتميز بسهولة التصفح والوصول إلى الآية من كتاب تفسير الطبري، وهو من أجلِّ التفاسير وأعظمها شأناً, وقد حُكِي الإجماع على أنه ما صُنِّف مثله، وذلك لما تميَّز به من: • جمع المأثور عن الصحابة وغيرهم في التفسير. • الاهتمام بالنحو والشواهد الشعرية. • تعرضه لتوجيه الأقوال. • الترجيح بين الأقوال والقراءات. • الاجتهاد في المسائل الفقهية مع دقة في الاستنباط. • خلوه من البدع, وانتصاره لمذهب أهل السنة. - يقول الحافظ ابن حجر ملخصاً مزاياه: (وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء...كاستيعاب القراءات, والإعراب, والكلام في أكثر الآيات على المعاني, والتصدي لترجيح بعض الأقوال على بعض). ومنهجه في كتابه أنه يصدر تفسيره للآيات بذكر المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ومن دونهم بقوله: (القول في تأويل قوله تعالى....) بعد أن يستعرض المعنى الإجمالي للآية، فإن كان فيها أقوال سردها, وأتبع كل قول بحجج قائليه رواية ودراية, مع التوجيه للأقوال, والترجيح بينها بالحجج القوية.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2480

    التحميل:

  • بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية [ طبعة المجمع ]

    بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية : كتاب موسوعي ضخم في نقض مذهب الأشاعرة، متمثلاً في الرد على كتاب مهم لإمام مهم عند الأشاعرة هو تأسيس التقديس لأبي عبدالله الرازي - رحمه الله -، والذي قعد فيه الرازي لجملة من الأصول في مسلك الأشاعرة في مسائل أسماء الله وصفاته، ثم ساق جملة واسعة من وجوه التأويل والتحريف لهذه الأسماء والصفات ، فجاء رد ابن تيمية - رحمه الله - هذا ليعتني بالأصول الكلية في هذا المبحث المهم، تأصيلاً لمعتقد أهل السنة، ورداً على المخالف، وليعتني كذلك بجملة واسعة من الجزئيات المتعلقة بهذه الأصول تجلية لها وتوضيحاً للحق فيها وبيانا لخطأ المخالفين ، وذلك وفق منهج أهل السنة في التعاطي مع هذه المباحث باعتماد الكتاب والسنة وفق فهم سلف الأمة، بالإضافة إلى النظر العقلي في إقامة الحجة واستعمال أدوات الخصوم في الجدل والمناظرة. والكتاب يجمع شتات ما تفرق من كلام ابن تيمية في مسائل الأسماء والصفات ويزيد عليها، ففيه من نفيس المباحث ما لا يجده طالب العلم في كتاب آخر، كمسألة الصورة، ورؤية النبي - صلى الله عليه وسلم لربه -، والحد والجهة والتركيب والجسم وغيرها من المباحث التي تبلغ مئات الصفحات. - الكتاب عبارة عن ثمان رسائل علمية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بإشراف الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي - حفظه الله -، إضافة إلى مجلد تام في دراسة ما يتعلق بالكتاب ومؤلفه، والكتاب المردود عليه ومؤلفه، ومجلد للفهارس العلمية. - للكتاب طبعة سابقة مشهورة متداولة بتحقيق الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن قاسم - رحمه الله - لكنها ناقصة إذ هي تقارب نصف ما هو موجود في هذه الطبعة. - وقد أضفنا نسخة مصورة من إصدار مجمع الملك فهد - رحمه الله - لطباعة المصحف الشريف.

    المدقق/المراجع: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

    الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف www.qurancomplex.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272825

    التحميل:

  • هذه مفاهيمنا

    هذه مفاهيمنا : رسالة رد فيها المصنف - حفظه الله تعالى - على كتاب مفاهيم ينبغي أن تصحح لمحمد بن علوي المالكي.

    الناشر: الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض http://www.alifta.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/167485

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة