Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الفتح - الآية 2

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) (الفتح) mp3
قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : " فَتْحًا مُبِينًا " غَيْر تَامّ ; لِأَنَّ قَوْله : " لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ " مُتَعَلِّق بِالْفَتْحِ . كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا لِكَيْ يَجْمَع اللَّه لَك مَعَ الْفَتْح الْمَغْفِرَة , فَيَجْمَع اللَّه لَك بِهِ مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ : هِيَ لَام الْقَسَم . وَهَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ لَام الْقَسَم لَا تُكْسَر وَلَا يُنْصَب بِهَا , وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ : لِيَقُومَ زَيْد , بِتَأْوِيلِ لَيَقُومَنَّ زَيْد . الزَّمَخْشَرِيّ : فَإِنْ قُلْت كَيْف جُعِلَ فَتْح مَكَّة عِلَّة لِلْمَغْفِرَةِ ؟ قُلْت : لَمْ يُجْعَل عِلَّة لِلْمَغْفِرَةِ , وَلَكِنْ لِاجْتِمَاعِ مَا عُدِّدَ مِنْ الْأُمُور الْأَرْبَعَة , وَهِيَ : الْمَغْفِرَة , وَإِتْمَام النِّعْمَة , وَهِدَايَة الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم , وَالنَّصْر الْعَزِيز . كَأَنَّهُ قَالَ يَسَّرْنَا لَك فَتْح مَكَّة وَنَصَرْنَاك عَلَى عَدُوّك لِيُجْمَع لَك عِزّ الدَّارَيْنِ وَأَعْرَاض الْعَاجِل وَالْآجِل . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فَتْح مَكَّة مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جِهَاد لِلْعَدُوِّ سَبَبًا لِلْغُفْرَانِ وَالثَّوَاب . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ أَنَس قَالَ : أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ " مَرْجِعه مِنْ الْحُدَيْبِيَة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَة أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى وَجْه الْأَرْض ] . ثُمَّ قَرَأَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ , فَقَالُوا : هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُول اللَّه , لَقَدْ بَيَّنَ اللَّه لَك مَاذَا يَفْعَل بِك , فَمَاذَا يَفْعَل بِنَا , فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ : " لِيُدْخِل الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار - حَتَّى بَلَغَ - فَوْزًا عَظِيمًا " قَالَ حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَفِيهِ عَنْ مُجَمِّع بْن جَارِيَة .

وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى " لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ " فَقِيلَ : " مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك " قَبْل الرِّسَالَة . " وَمَا تَأَخَّرَ " بَعْدهَا , قَالَهُ مُجَاهِد . وَنَحْوه قَالَ الطَّبَرِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ , قَالَ الطَّبَرِيّ : هُوَ رَاجِع إِلَى قَوْله تَعَالَى : " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " إِلَى قَوْله " تَوَّابًا " [ النَّصْر : 1 - 3 ] . " لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك " قَبْل الرِّسَالَة " وَمَا تَأَخَّرَ " إِلَى وَقْت نُزُول هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : " لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك " ذَنْبك " مَا عَمِلْته فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْك . " وَمَا تَأَخَّرَ " كُلّ شَيْء لَمْ تَعْمَلهُ , وَقَالَهُ الْوَاحِدِيّ . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي جَرَيَان الصَّغَائِر عَلَى الْأَنْبِيَاء فِي سُورَة " الْبَقَرَة " , فَهَذَا قَوْل . وَقِيلَ : " مَا تَقَدَّمَ " قَبْل الْفَتْح . " وَمَا تَأَخَّرَ " بَعْد الْفَتْح . وَقِيلَ : " مَا تَقَدَّمَ " قَبْل نُزُول هَذِهِ الْآيَة . " وَمَا تَأَخَّرَ " بَعْدهَا . وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : " مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك " يَعْنِي مِنْ ذَنْب أَبَوَيْك آدَم وَحَوَّاء . " وَمَا تَأَخَّرَ " مِنْ ذُنُوب أُمَّتك . وَقِيلَ : مِنْ ذَنْب أَبِيك إِبْرَاهِيم . " وَمَا تَأَخَّرَ " مِنْ ذُنُوب النَّبِيِّينَ . وَقِيلَ : " مَا تَقَدَّمَ " مِنْ ذَنْب يَوْم بَدْر . " وَمَا تَأَخَّرَ " مِنْ ذَنْب يَوْم حُنَيْن . وَذَلِكَ أَنَّ الذَّنْب الْمُتَقَدِّم يَوْم بَدْر , أَنَّهُ جَعَلَ يَدْعُو وَيَقُول : " اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِك هَذِهِ الْعِصَابَة لَا تُعْبَد فِي الْأَرْض أَبَدًا " وَجَعَلَ يُرَدِّد هَذَا الْقَوْل دَفَعَات , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : مِنْ أَيْنَ تَعْلَم أَنِّي لَوْ أَهْلَكْت هَذِهِ الْعِصَابَة لَا أُعْبَد أَبَدًا , فَكَانَ هَذَا الذَّنْب الْمُتَقَدِّم . وَأَمَّا الذَّنْب الْمُتَأَخِّر فَيَوْم حُنَيْن , لَمَّا اِنْهَزَمَ النَّاس قَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاس وَلِابْنِ عَمّه أَبِي سُفْيَان : [ نَاوِلَانِي كَفًّا مِنْ حَصْبَاء الْوَادِي ] فَنَاوَلَاهُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ وَرَمَى بِهِ فِي وُجُوه الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ : [ شَاهَتْ الْوُجُوه . حم . لَا يُنْصَرُونَ ] فَانْهَزَمَ الْقَوْم عَنْ آخِرهمْ , فَلَمْ يَبْقَ أَحَد إِلَّا اِمْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ رَمْلًا وَحَصْبَاء . ثُمَّ نَادَى فِي أَصْحَابه فَرَجَعُوا فَقَالَ لَهُمْ عِنْد رُجُوعهمْ : [ لَوْ لَمْ أَرْمِهِمْ لَمْ يَنْهَزِمُوا ] فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّه رَمَى " [ الْأَنْفَال : 17 ] فَكَانَ هَذَا هُوَ الذَّنْب الْمُتَأَخِّر . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الرُّوذَبَارِيّ : يَقُول لَوْ كَانَ لَك ذَنْب قَدِيم أَوْ حَدِيث لَغَفَرْنَاهُ لَك .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : فِي الْجَنَّة . وَقِيلَ : بِالنُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَة . وَقِيلَ : بِفَتْحِ مَكَّة وَالطَّائِف وَخَيْبَر . وَقِيلَ : بِخُضُوعِ مَنْ اِسْتَكْبَرَ وَطَاعَة مَنْ تَجَبَّرَ .

أَيْ يُثَبِّتك عَلَى الْهُدَى إِلَى أَنْ يَقْبِضك إِلَيْهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فضل تعدد الزوجات

    فضل تعدد الزوجات : بيان بعض الحكم من مشروعية التعدد، مع رد بعض الشبه. - قدم لهذه الرسالة : فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166705

    التحميل:

  • الذكرى [ نصائح عامة ]

    الذكرى [ نصائح عامة ] : فإن وقوع الكثير من الناس في الشرك وهم لا يشعرون، وإن ترك الكثير من الناس للصلوات الخمس، وإن التبرج والاختلاط الذي وقع فيه أكثر النساء، وغير ذلك من المعاصي المتفشية بين الناس: خطر عظيم يستدعي تقديم هذه النصيحة لكافة من يراها أو يسمعها أو تبلغه، إظهارًا للحق، وإبراء للذمة.

    الناشر: موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265562

    التحميل:

  • الترغيب والتحذير في ضوء الكتاب والسنة

    الترغيب والتحذير في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد شرحَ اللهُ صدري لتأليفِ الكتابِ في: «الترغيبِ والتحذيرِ في ضوءِ الكتابِ والسنةِ»، والهدفُ من تأليفِ هذا الكتابِ: هو تربيةُ المسلمين والمسلمات على العملِ بما جاء به نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فما رغَّبَ فيه الهادي البشيرُ - صلى الله عليه وسلم - فعلنا منه ما ساتطَعنا إلى ذلك سبيلاً، وما حذَّرَ منه - عليه الصلاة والسلام - ترَكناه بالكليَّةِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384388

    التحميل:

  • سنبلة قلم [ أوراق أدبية نشرت في المجلات الإسلامية ]

    سنبلة قلم : قال المؤلف - أثابه الله -: « فقد يسر الله - عز وجل - أن كتبت مقالات متفرقة في عدد المجلات الإسلامية كالدعوة والأسرة والشقائق، وغيرها. ورغب بعض الأخوة أن أجمعها في مكان واحد، خاصة أنها مقالات ليست مختصة بوقت معين، فاستعنت بالله وجمعتها بدون حذف أو إضافة. سائلاً الله - عز وجل - أن يجعل أعمالنا صوابًا خالصة لوجهه الكريم ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229629

    التحميل:

  • هذا رسول الله

    هذا رسول الله : كتاب جديد ومتميز، تقوم فكرته على تقديم مجموعة مختارة من نصوص السنة النبوية يتعرَّف من خلالها على الإسلام ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، من خلال النصِّ النبويِّ مباشرة، من غير أن يكون بحاجة إلى شرح أو تفصيل؛ لذا فالكتاب سهلَ التناول، لا يحتاج القارئ غير المتخصص - مسلمٌ أو غير مسلم - إلى غيره معه لتوضيحه وبيانه، وقد قام بإعداده والتقديم له عدد من أهل العلم.

    الناشر: موقع الإسلام اليوم www.islamtoday.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/330618

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة