Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة محمد - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) (محمد) mp3
لَمَّا مَيَّزَ بَيْن الْفَرِيقَيْنِ أَمَرَ بِجِهَادِ الْكُفَّار . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْكُفَّار الْمُشْرِكُونَ عَبَدَة الْأَوْثَان . وَقِيلَ : كُلّ مَنْ خَالَفَ دِين الْإِسْلَام مِنْ مُشْرِك أَوْ كِتَابِيّ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِب عَهْد وَلَا ذِمَّة , ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَاخْتَارَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ وَقَالَ : وَهُوَ الصَّحِيح لِعُمُومِ الْآيَة فِيهِ .

مَصْدَر . قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ فَاضْرِبُوا الرِّقَاب ضَرْبًا . وَخَصَّ الرِّقَاب بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْقَتْل أَكْثَر مَا يَكُون بِهَا . وَقِيلَ : نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاء . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ كَقَوْلِك يَا نَفْس صَبْرًا . وَقِيلَ : التَّقْدِير اِقْصِدُوا ضَرْب الرِّقَاب . وَقَالَ : " فَضَرْب الرِّقَاب " وَلَمْ يَقُلْ فَاقْتُلُوهُمْ ; لِأَنَّ فِي الْعِبَارَة بِضَرْبِ الرِّقَاب مِنْ الْغِلْظَة وَالشِّدَّة مَا لَيْسَ فِي لَفْظ الْقَتْل , لِمَا فِيهِ مِنْ تَصْوِير الْقَتْل بِأَشْنَع صُوَره , وَهُوَ حَزّ الْعُنُق وَإِطَارَة الْعُضْو الَّذِي هُوَ رَأْس الْبَدَن وَعُلُوّهُ وَأَوْجَه أَعْضَائِهِ .

أَيْ أَكْثَرْتُمْ الْقَتْل . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَنْفَال " عِنْد قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى يُثْخِن فِي الْأَرْض " [ الْأَنْفَال : 67 ] .

أَيْ إِذَا أَسَرْتُمُوهُمْ . وَالْوَثَاق اِسْم مِنْ الْإِيثَاق , وَقَدْ يَكُون مَصْدَرًا , يُقَال : أَوْثَقْته إِيثَاقًا وَوَثَاقًا . وَأَمَّا الْوِثَاق ( بِالْكَسْرِ ) فَهُوَ اِسْم الشَّيْء الَّذِي يُوثَق بِهِ كَالرِّبَاطِ ; قَالَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَأَوْثَقَهُ فِي الْوَثَاق أَيْ شَدَّهُ , وَقَالَ تَعَالَى : " فَشُدُّوا الْوَثَاق " . وَالْوِثَاق ( بِكَسْرِ الْوَاو ) لُغَة فِيهِ . وَإِنَّمَا أَمَرَ بِشَدِّ الْوَثَاق لِئَلَّا يَفْلِتُوا .

" فَإِمَّا مَنًّا " عَلَيْهِمْ بِالْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْر فِدْيَة " وَإِمَّا فِدَاء " . وَلَمْ يَذْكُر الْقَتْل هَاهُنَا اِكْتِفَاء بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَتْل فِي صَدْر الْكَلَام , وَ " مَنًّا " وَ " فِدَاء " نُصِبَ بِإِضْمَارِ فِعْل . وَقُرِئَ " فَدًى " بِالْقَصْرِ مَعَ فَتْح الْفَاء , أَيْ فَإِمَّا أَنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ مَنًّا , وَإِمَّا أَنْ تُفَادُوهُمْ فِدَاء .

رُوِيَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَالَ : كُنْت وَاقِفًا عَلَى رَأْس الْحَجَّاج حِين أُتِيَ بِالْأَسْرَى مِنْ أَصْحَاب عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَشْعَث وَهُمْ أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَةٍ فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْو مِنْ ثَلَاثَة آلَاف حَتَّى قُدِّمَ إِلَيْهِ رَجُل مِنْ كِنْدَة فَقَالَ : يَا حَجَّاج , لَا جَازَاك اللَّه عَنْ السُّنَّة وَالْكَرَم خَيْرًا قَالَ : وَلِمَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْب الرِّقَاب حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْد وَإِمَّا فِدَاء " فِي حَقّ الَّذِينَ كَفَرُوا , فَوَاَللَّهِ مَا مَنَنْت وَلَا فَدَيْت ؟ وَقَدْ قَالَ شَاعِركُمْ فِيمَا وَصَفَ بِهِ قَوْمه مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق : وَلَا نَقْتُل الْأَسْرَى وَلَكِنْ نَفُكّهُمْ إِذَا أَثْقَلَ الْأَعْنَاق حِمْل الْمَغَارِم فَقَالَ الْحَجَّاج : أُفّ لِهَذِهِ الْجِيَف أَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِن مِثْل هَذَا الْكَلَام ؟ خَلُّوا سَبِيل مَنْ بَقِيَ . فَخُلِّيَ يَوْمئِذٍ عَنْ بَقِيَّة الْأَسْرَى , وَهُمْ زُهَاء أَلْفَيْنِ , بِقَوْلِ ذَلِكَ الرَّجُل .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة عَلَى خَمْسَة أَقْوَال :

الْأَوَّل : أَنَّهَا مَنْسُوخَة , وَهِيَ فِي أَهْل الْأَوْثَان , لَا يَجُوز أَنْ يُفَادُوا وَلَا يُمَنّ عَلَيْهِمْ . وَالنَّاسِخ لَهَا عِنْدهمْ قَوْله تَعَالَى : " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] وَقَوْله : " فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْب فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفهمْ " [ الْأَنْفَال : 57 ] وَقَوْله : " وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة " [ التَّوْبَة : 36 ] الْآيَة , قَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ وَابْن جُرَيْج وَالْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَهُ كَثِير مِنْ الْكُوفِيِّينَ . وَقَالَ عَبْد الْكَرِيم الْجَوْزِيّ : كُتِبَ إِلَى أَبِي بَكْر فِي أَسِير أُسِرَ , فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ اِلْتَمَسُوهُ بِفِدَاءِ كَذَا وَكَذَا , فَقَالَ اُقْتُلُوهُ , لَقَتْل رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا .

الثَّانِي : أَنَّهَا فِي الْكُفَّار جَمِيعًا . وَهِيَ مَنْسُوخَة عَلَى قَوْل جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء وَأَهْل النَّظَر , مِنْهُمْ قَتَادَة وَمُجَاهِد . قَالُوا : إِذَا أُسِرَ الْمُشْرِك لَمْ يَجُزْ أَنْ يُمَنّ عَلَيْهِ , وَلَا أَنْ يُفَادَى بِهِ فَيُرَدّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ , وَلَا يَجُوز أَنْ يُفَادَى عِنْدهمْ إِلَّا بِالْمَرْأَةِ ; لِأَنَّهَا لَا تُقْتَل . وَالنَّاسِخ لَهَا : " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] إِذْ كَانَتْ بَرَاءَة آخِر مَا نَزَلَتْ بِالتَّوْقِيفِ , فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَل كُلّ مُشْرِك إِلَّا مَنْ قَامَتْ الدَّلَالَة عَلَى تَرْكه مِنْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَمَنْ يُؤْخَذ مِنْهُ الْجِزْيَة . وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة , خِيفَة أَنْ يَعُودُوا حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ . ذَكَرَ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة " فَإِمَّا مَنًّا بَعْد وَإِمَّا فِدَاء " قَالَ : نَسَخَهَا " فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفهمْ " . وَقَالَ مُجَاهِد : نَسَخَهَا " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] . وَهُوَ قَوْل الْحَكَم .

الثَّالِث : أَنَّهَا نَاسِخَة , قَالَ الضَّحَّاك وَغَيْره رَوَى الثَّوْرِيّ عَنْ جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك : " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] قَالَ : نَسَخَهَا " فَإِمَّا مَنًّا بَعْد وَإِمَّا فِدَاء " . وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء : " فَإِمَّا مَنًّا بَعْد وَإِمَّا فِدَاء " فَلَا يُقْتَل الْمُشْرِك وَلَكِنْ يُمَنّ عَلَيْهِ وَيُفَادَى , كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ أَشْعَث : كَانَ الْحَسَن يَكْرَه أَنْ يُقْتَل الْأَسِير , وَيَتْلُو " فَإِمَّا مَنًّا بَعْد وَإِمَّا فِدَاء " . وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير , فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَضَرْب الرِّقَاب حَتَّى تَضَع الْحَرْب أَوْزَارهَا . ثُمَّ قَالَ : " حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاق " . وَزُعِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ إِذَا حَصَلَ الْأَسِير فِي يَدَيْهِ أَنْ يَقْتُلهُ ; لَكِنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي ثَلَاثَة مَنَازِل : إِمَّا أَنْ يَمُنّ , أَوْ يُفَادِي , أَوْ يَسْتَرِقّ .

الرَّابِع : قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر : لَا يَكُون فِدَاء وَلَا أَسْر إِلَّا بَعْد الْإِثْخَان وَالْقَتْل بِالسَّيْفِ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُون لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِن فِي الْأَرْض " [ الْأَنْفَال : 67 ] . فَإِذَا أُسِرَ بَعْد ذَلِكَ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُم بِمَا رَآهُ مِنْ قَتْل أَوْ غَيْره .

الْخَامِس : أَنَّ الْآيَة مُحْكَمَة , وَالْإِمَام مُخَيَّر فِي كُلّ حَال , رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَهُ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ اِبْن عُمَر وَالْحَسَن وَعَطَاء , وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبِي عُبَيْد وَغَيْرهمْ . وَهُوَ الِاخْتِيَار ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ فَعَلُوا كُلّ ذَلِكَ , قَتَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَالنَّضْر بْن الْحَارِث يَوْم بَدْر صَبْرًا , وَفَادَى سَائِر أُسَارَى بَدْر , وَمَنَّ عَلَى ثُمَامَة بْن أُثَال الْحَنَفِيّ وَهُوَ أَسِير فِي يَده , وَأَخَذَ مِنْ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع جَارِيَة فَفَدَى بِهَا أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَهَبَطَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَام قَوْم مِنْ أَهْل مَكَّة فَأَخَذَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ مَنَّ عَلَى سَبْي هَوَازِن . وَهَذَا كُلّه ثَابِت فِي الصَّحِيح , وَقَدْ مَضَى جَمِيعه فِي ( الْأَنْفَال ) وَغَيْرهَا .

قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْآيَتَيْنِ مُحْكَمَتَانِ مَعْمُول بِهِمَا , وَهُوَ قَوْل حَسَن ; لِأَنَّ النَّسْخ إِنَّمَا يَكُون لِشَيْءٍ قَاطِع , فَإِذَا أَمْكَنَ الْعَمَل بِالْآيَتَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِالنَّسْخِ , إِذَا كَانَ يَجُوز أَنْ يَقَع التَّعَبُّد إِذَا لَقِينَا الَّذِينَ كَفَرُوا قَتَلْنَاهُمْ , فَإِذَا كَانَ الْأَسْر جَازَ الْقَتْل وَالِاسْتِرْقَاق وَالْمُفَادَاة وَالْمَنّ , عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاح لِلْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا الْقَوْل يُرْوَى عَنْ أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي عُبَيْد , وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ مَذْهَبًا عَنْ أَبِي حَنِيفَة , وَالْمَشْهُور عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ , وَبِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيق .

قَالَ مُجَاهِد وَابْن جُبَيْر : هُوَ خُرُوج عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا : أَنَّ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يَكُون دِين إِلَّا دِين الْإِسْلَام , فَيُسْلِم كُلّ يَهُودِيّ وَنَصْرَانِيّ وَصَاحِب مِلَّة , وَتَأْمَن الشَّاة مِنْ الذِّئْب . وَنَحْوه عَنْ الْحَسَن وَالْكَلْبِيّ وَالْفَرَّاء وَالْكِسَائِيّ . قَالَ الْكِسَائِيّ : حَتَّى يُسْلِم الْخَلْق . وَقَالَ الْفَرَّاء : حَتَّى يُؤْمِنُوا وَيَذْهَب الْكُفْر . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : حَتَّى يَظْهَر الْإِسْلَام عَلَى الدِّين كُلّه . وَقَالَ الْحَسَن : حَتَّى لَا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه .

وَقِيلَ : مَعْنَى الْأَوْزَار السِّلَاح , فَالْمَعْنَى شُدُّوا الْوَثَاق حَتَّى تَأْمَنُوا وَتَضَعُوا السِّلَاح . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ حَتَّى تَضَع الْحَرْب , أَيْ الْأَعْدَاء الْمُحَارَبُونَ أَوْزَارهمْ , وَهُوَ سِلَاحهمْ بِالْهَزِيمَةِ أَوْ الْمُوَادَعَة . وَيُقَال لِلْكُرَاعِ أَوْزَار . قَالَ الْأَعْشَى : وَأَعْدَدْت لِلْحَرْبِ أَوْزَارهَا رِمَاحًا طِوَالًا وَخَيْلًا ذُكُورَا وَمِنْ نَسْج دَاوُد يُحْدَى بِهَا عَلَى أَثَر الْحَيّ عِيرًا فَعِيرَا وَقِيلَ : " حَتَّى تَضَع الْحَرْب أَوْزَارهَا " أَيْ أَثْقَالهَا . وَالْوِزْر الثِّقَل , وَمِنْهُ وَزِير الْمَلِك لِأَنَّهُ يَتَحَمَّل عَنْهُ الْأَثْقَال . وَأَثْقَالهَا السِّلَاح لِثِقَلِ حَمْلهَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالَ الْحَسَن وَعَطَاء : فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير , الْمَعْنَى فَضَرْب الرِّقَاب حَتَّى تَضَع الْحَرْب أَوْزَارهَا فَإِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاق , وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُل الْأَسِير . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَجَّاج أَنَّهُ دَفَعَ أَسِيرًا إِلَى عَبْد اللَّه بْن عُمَر لِيَقْتُلهُ فَأَبَى وَقَالَ : لَيْسَ بِهَذَا أَمَرَنَا اللَّه , وَقَرَأَ " حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاق " . قُلْنَا : قَدْ قَالَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَعَلَهُ , وَلَيْسَ فِي تَفْسِير اللَّه لِلْمَنِّ وَالْفِدَاء مَنْع مِنْ غَيْره , فَقَدْ بَيَّنَ اللَّه فِي الزِّنَى حُكْم الْجَلْد , وَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْم الرَّجْم , وَلَعَلَّ اِبْن عُمَر كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ يَد الْحَجَّاج فَاعْتَذَرَ بِمَا قَالَ , وَرَبّك أَعْلَم .

" ذَلِكَ " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى مَا تَقَدَّمَ , أَيْ الْأَمْر ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْت وَبَيَّنْت . وَقِيلَ : هُوَ مَنْصُوب عَلَى مَعْنَى اِفْعَلُوا ذَلِكَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُبْتَدَأ , الْمَعْنَى ذَلِكَ حُكْم الْكُفَّار . وَهِيَ كَلِمَة يَسْتَعْمِلهَا الْفَصِيح عِنْد الْخُرُوج مِنْ كَلَام إِلَى كَلَام , وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : " هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرّ مَآب " [ ص : 55 ] . أَيْ هَذَا حَقّ وَأَنَا أُعَرِّفكُمْ أَنَّ لِلظَّالِمِينَ كَذَا . وَمَعْنَى : " لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ " أَيْ أَهْلَكَهُمْ بِغَيْرِ قِتَال . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَأَهْلَكَهُمْ بِجُنْدٍ مِنْ الْمَلَائِكَة .

أَيْ أَمَرَكُمْ بِالْحَرْبِ لِيَبْلُوَ وَيَخْتَبِر بَعْضكُمْ بِبَعْضٍ فَيَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ وَالصَّابِرِينَ , كَمَا فِي السُّورَة نَفْسهَا .


يُرِيد قَتْلَى أُحُد مِنْ الْمُؤْمِنِينَ

قِرَاءَة الْعَامَّة " قَاتَلُوا " وَهِيَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَفْص " قُتِلُوا " بِضَمِّ الْقَاف وَكَسْر التَّاء , وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْحَسَن إِلَّا أَنَّهُ شَدَّدَ التَّاء عَلَى التَّكْثِير . وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ وَعِيسَى بْن عُمَر وَأَبُو حَيْوَة " قَتَلُوا " بِفَتْحِ الْقَاف وَالتَّاء مِنْ غَيْر أَلِف , يَعْنِي الَّذِينَ قَتَلُوا الْمُشْرِكِينَ . قَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ يَوْم أُحُد وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْب , وَقَدْ فَشَتْ فِيهِمْ الْجِرَاحَات وَالْقَتْل , وَقَدْ نَادَى الْمُشْرِكُونَ : اعْلُ هُبَل . وَنَادَى الْمُسْلِمُونَ : اللَّه أَعْلَى وَأَجَلّ . وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : يَوْم بِيَوْمِ بَدْر وَالْحَرْب سِجَال . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُولُوا لَا سَوَاء . قَتْلَانَا أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّار يُعَذَّبُونَ ) . فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ . فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : اللَّه مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر ذَلِكَ فِي ( آل عِمْرَان ) .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أثر الأذكار الشرعية في طرد الهم والغم

    أثر الأذكار الشرعية في طرد الهم والغم: رسالةٌ نافعةٌ جمعت بين طيَّاتها طائفةً عطرةً; ونخبةً مباركةً من الدعوات والأذكار العظيمة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -; والتي يُشرع للمسلم أن يقولها عندما يُصيبه الهمُّ أو الكربُ أو الحزنُ أو نحو ذلك.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316771

    التحميل:

  • حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين

    حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين : قال العلامة الكبير ابن باز - رحمه الله - في تقريظه لهذه الرسالة « .. فهذه الرسالة مهمة في حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد أهل الإسلام، جمعها العلامة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري الباحث في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - جزاه الله خيرا وزاده علما وتوفيقا - ردا على ما نشرته بعض الجرائد المصرية في جواز إحداث الكنائس في البلاد الإسلامية. وقد قرأت هذه الرسالة من أولها إلى آخرها فألفيتها رسالة قيمة، قد ذكر فيها مؤلفها ما ورد في بناء الكنائس والبيع وسائر المعابد الكفرية من الأحاديث النبوية والآثار وكلام أهل العلم في المذاهب الأربعة، وقد أجاد وأفاد وختمها برسالتين جليلتين عظيمتي الفائدة للإمام العلامة أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -. ولا ريب أن موضوع الرسالة مهم جداً ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه اختلاط الكفار بالمسلمين ونشاط النصارى في بناء الكنائس في بعض البلاد الإسلامية ولا سيما بعض دول الجزيرة العربية. وقد أجمع العلماء - رحمهم الله - على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية، وعلى وجوب هدمها إذا أُحدثت، وعلى أن بناءها في الجزيرة العربية كنجد والحجاز وبلدان الخليج واليمن أشد إثما وأعظم جرما؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، ونهى أن يجتمع فيها دينان، وتبعه أصحابه في ذلك. ولما استخلف عمر - رضي الله عنه - أجلى اليهود من خيبر عملا بهذه السنة؛ ولأن الجزيرة العربية هي مهد الإسلام ومنطلق الدعاة إليه ومحل قبلة المسلمين فلا يجوز أن ينشأ فيها بيت لعبادة غير الله سبحانه كما لا يجوز أن يقر فيها من يعبد غيره. ولما حصل من التساهل في هذا الأمر العظيم رأيت أن نشر هذه الرسالة مفيد جدا إن شاء الله، بل من أهم المهمات ولهذا أمرت بطبعها ونشرها وتوزيعها على حساب رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد نصحا للأمة وبراءة للذمة ومساهمة في إنكار هذا المنكر العظيم والدعوة إلى إنكاره والتحذير منه، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يطهر بلاد المسلمين عموما والجزيرة العربية خصوصا من جميع المعابد الشركية، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين إلى إزالتها والقضاء عليها طاعة لله سبحانه وامتثالا لأمر رسوله عليه الصلاة والسلام وسيرا على منهج سلف الأمة وتحقيقا لما دعا إليه علماء الإسلام من إزالة الكنائس والمعابد الشركية المحدثة في بلاد المسلمين، إنه جواد كريم ».

    المدقق/المراجع: عبد العزيز بن عبد الله بن باز

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107604

    التحميل:

  • قصة عقيدة [ أحاديث إذاعية ومقالات صحفية ]

    قصة عقيدة [ أحاديث إذاعية ومقالات صحفية ]: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه مجموعة من الأحاديث الإذاعية والمقالات الصحفية أُذيعت متفرقة، ونُشرت مُشتتة. فلعل في نشرها مجتمعة فائدة. وقد آثرتُ أن أُقدِّمها للقارئ كما قدَّمتُها للسامع على ما بينها من فرقٍ، مُحافظًا على الأسلوب، وحتى صيغ النداء، وكان فيها اقتباس معنوي لفكرةٍ لا تمكن الإشارة إليه إذاعةً، وعزَّ إدراكه وتحديده من بعد، فأبقيتُه غفلاً من الإشارة».

    الناشر: مكتبة التوبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364179

    التحميل:

  • المسبوك على منحة السلوك في شرح تحفة الملوك

    قال المؤلف - أثابه الله - « فإن كتاب منحة السلوك في شرح تحفة الملوك للإمام بدر الدين أبي محمد محمود العيني - رحمه الله -، شرح فيه المتن الموسوم بتحفة الملوك لزين الدين أبي بكر الرازي، والذي تسابق إليه طلبة العلم في عصره بالحفظ والمدارسة، وقد اتسم شرحه بحل ألفاظ المتن، وتفصيل مسائله ومقارنتها بالمذاهب الأخرى في كثير من المواضع معلاً ومستدلاً لها بأكثر من ستمائة حديث وأثر. ولأهمية الكتاب جعلت عليه حاشية وافية سميتها المسبوك على منحة السلوك في شرح تحفة الملوك.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203877

    التحميل:

  • السيرة النبوية لابن هشام

    السيرة النبوية لابن هشام : هذا الكتاب من أوائل كتب السيرة، وأكثرها انتشاراً، اختصره المصنف من سيرة ابن اسحاق بعد أن نقحها وحذف من أشعارها جملة مما لا تعلق له بالسيرة، ونظراً لمكانة هذا الكتاب؛ فقد حرصنا على توفير نسخة مصورة من إصدار دار الصحابة للتراث بطنطا، وهذه النسخة تحتوي على مجلد للفهارس؛ حتى يسهل الوصول إلى المعلومة.

    المدقق/المراجع: مجدي فتحي السيد

    الناشر: دار الصحابة للتراث بطنطا

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/57662

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة