Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الأحقاف - الآية 12

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ (12) (الأحقاف) mp3
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ قَبْله كِتَاب مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَة وَهَذَا كِتَاب مُصَدِّق لِسَانًا عَرَبِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ قَبْل هَذَا الْكِتَاب , كِتَاب مُوسَى , وَهُوَ التَّوْرَاة , إِمَامًا لِبَنِي إِسْرَائِيل يَأْتَمُّونَ بِهِ , وَرَحْمَة لَهُمْ أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْهِمْ . وَخَرَجَ الْكَلَام مَخْرَج الْخَبَر عَنْ الْكِتَاب بِغَيْرِ ذِكْر تَمَام الْخَبَر اِكْتِفَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى تَمَامه ; وَتَمَامه : وَمِنْ قَبْله كِتَاب مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَة أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْهِ , وَهَذَا كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ لِسَانًا عَرَبِيًّا . اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , وَفِي الْمَعْنَى النَّاصِب { لِسَانًا عَرَبِيًّا } أَهْل الْعَرَبِيَّة , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : نُصِبَ اللِّسَان وَالْعَرَبِيّ , لِأَنَّهُ مِنْ صِفَة الْكِتَاب , فَانْتَصَبَ عَلَى الْحَال , أَوْ عَلَى فِعْل مُضْمَر , كَأَنَّهُ قَالَ : أَعْنِي لِسَانًا عَرَبِيًّا . قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ عَلَى مُصَدِّق جُعِلَ الْكِتَاب مُصَدِّق اللِّسَان , فَعَلَى قَوْل مَنْ جَعَلَ اللِّسَان نَصْبًا عَلَى الْحَال , وَجَعَلَهُ مِنْ صِفَة الْكِتَاب , يَنْبَغِي أَنْ يَكُون تَأْوِيل الْكَلَام , وَهَذَا كِتَاب بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُصَدِّق التَّوْرَاة كِتَاب مُوسَى , بِأَنَّ مُحَمَّدًا لِلَّهِ رَسُول , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه حَقّ . وَأَمَّا الْقَوْل الثَّانِي الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ بَعْضهمْ , أَنَّهُ جُعِلَ النَّاصِب لِلِّسَانِ مُصَدِّق , فَقَوْل لَا مَعْنَى لَهُ , لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِير إِذًا يُؤَوَّل كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُصَدِّق الْقُرْآن نَفْسه , وَلَا مَعْنَى لِأَنْ يُقَال : وَهَذَا كِتَاب يُصَدِّق نَفْسه , لِأَنَّ اللِّسَان الْعَرَبِيّ هُوَ هَذَا الْكِتَاب , إِلَّا أَنْ يُجْعَل اللِّسَان الْعَرَبِيّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَيُوَجَّه تَأْوِيله إِلَى : وَهَذَا كِتَاب وَهُوَ الْقُرْآن يُصَدِّق مُحَمَّدًا , وَهُوَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ , فَيَكُون ذَلِكَ وَجْهًا مِنْ التَّأْوِيل . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : قَوْله : { لِسَانًا عَرَبِيًّا } مِنْ نَعْت الْكِتَاب , وَإِنَّمَا نُصِبَ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ : وَهَذَا كِتَاب يُصَدِّق التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لِسَانًا عَرَبِيًّا , فَخَرَّجَ لِسَانًا عَرَبِيًّا مَنْ يُصَدِّق , لِأَنَّهُ فِعْل , كَمَا تَقُول : مَرَرْت بِرَجُلٍ يَقُوم مُحْسِنًا , وَمَرَرْت بِرَجُلٍ قَائِم مُحْسِنًا , قَالَ : وَلَوْ رُفِعَ لِسَان عَرَبِيّ جَازَ عَلَى النَّعْت لِلْكِتَابِ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " وَهَذَا كِتَاب مُصَدِّق لِمَا بَيْن يَدَيْهِ لِسَانًا عَرَبِيًّا " فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة يَتَوَجَّه النَّصْب فِي قَوْله : { لِسَانًا عَرَبِيًّا } مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا عَلَى مَا بَيَّنْت مِنْ أَنْ يَكُون اللِّسَان خَارِجًا مِنْ قَوْله { مُصَدِّق } وَالْآخَر : أَنْ يَكُون قَطْعًا مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي بَيْن يَدَيْهِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ حَال مِمَّا فِي مُصَدِّق مِنْ ذِكْر الْكِتَاب , لِأَنَّ قَوْله : { مُصَدِّق } فِعْل , فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَهَذَا الْقُرْآن يُصَدِّق كِتَاب مُوسَى بِأَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيّ مُرْسَل لِسَانًا عَرَبِيًّا.

وَقَوْله : { لِيُنْذِر الَّذِينَ ظَلَمُوا } يَقُول : لِيُنْذِر هَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ بِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ بِعِبَادَتِهِمْ غَيْره . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة { لِيُنْذِر } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز " لِتُنْذِر " بِالتَّاءِ بِمَعْنَى : لِتُنْذِر أَنْتَ يَا مُحَمَّد , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْعِرَاق بِالْيَاءِ بِمَعْنَى : لِيُنْذِر الْكِتَاب , وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئ فَمُصِيب .


وَقَوْله : { وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ } يَقُول : وَهُوَ بُشْرَى لِلَّذِينَ أَطَاعُوا اللَّه فَأَحْسَنُوا فِي إِيمَانهمْ وَطَاعَتهمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا , فَحَسُنَ الْجَزَاء مِنْ اللَّه لَهُمْ فِي الْآخِرَة عَلَى طَاعَتهمْ إِيَّاهُ . وَفِي قَوْله : { وَبُشْرَى } وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب : الرَّفْع عَلَى الْعَطْف عَلَى الْكِتَاب بِمَعْنَى : وَهَذَا كِتَاب مُصَدِّق وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ. وَالنَّصْب عَلَى مَعْنَى : لِيُنْذِر الَّذِينَ ظَلَمُوا وَيُبَشِّر , فَإِذَا جُعِلَ مَكَان يُبَشِّر وَبُشْرَى أَوْ وَبِشَارَة , نُصِبَتْ كَمَا تَقُول أَتَيْتُك لِأَزُورَك وَكَرَامَة لَك , وَقَضَاء لِحَقِّك , بِمَعْنَى لِأَزُورَك وَأُكْرِمك , وَأَقْضِي حَقّك , فَتَنْصِب الْكَرَامَة وَالْقَضَاء بِمَعْنًى مُضْمَر .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • أذكار الطهارة والصلاة

    أذكار الطهارة والصلاة: جمع المؤلف - حفظه الله - شرحًا مختصرًا لجملة مباركة من أذكار الطهارة والصلاة; استلَّها من كتابه: «فقه الأدعية والأذكار».

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316774

    التحميل:

  • التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية

    التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية: شرح واضح العبارة كثير الأسئلة والتمرينات، قصد به تيسير فهم المقدمة الآجرومية على صغار الطلبة، فهو منهج تعليمي للمبتدئين في علم النحو وقواعد العربية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/334271

    التحميل:

  • أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة

    أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة : في هذا المؤلّف الوجيز يجد المسلم أصولَ العقيدة الإسلامية وأهـمَّ أسسـها وأبرزَ أصولها ومعالمها ممَّا لا غنى لمسلم عنه، ويجد ذلك كله مقرونا بدليله، مدعَّمًـا بشواهده، فهو كتاب مشتمل على أصول الإيمان، وهي أصول عظيمة موروثة عن الرسل، ظاهرة غاية الظهور، يمكن لكل مميِّز من صغـير وكبير أن يُدركها بأقصر زمان وأوجز مدَّة، والتوفيق بيد الله وحده. • ساهم في إعداد هذا الكتاب: الشيخ صالح بـن سعد السحيمي، والشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، والشيخ إبراهيم بن عامر الرحيلي - حفظهم الله -. • قام بمراجعته وصياغته: الشيخ علي بن محمد ناصر فقيهي، والشيخ أحمد بن عطية الغامدي - حفظهما الله -. • قدم له: معالي الوزير الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشـيخ - حفظه الله -.

    الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف www.qurancomplex.com - موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/79521

    التحميل:

  • كيفية دعوة أهل الكتاب إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

    كيفية دعوة أهل الكتاب إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف: «فهذه رسالة مختصرة في «كيفية دعوة أهل الكتاب إلى الله تعالى»، بيَّنتُ فيها الطرقَ المُثلَى في كيفية دعوتهم بالأساليب والوسائل المناسبة على حسب ما تقتضيه الحكمة في دعوتهم إلى الله تعالى».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/338053

    التحميل:

  • تعبدي لله بهذا

    تعبدي لله بهذا: فإن الله - عز وجل - أمرنا بعبادته وطاعته، حتى ننال الأجر والمثوبة، ندرأ عن أنفسنا العذاب والعقاب. وهذه الرسالة تُقدِّم للأخت المسلمة بعضًا من الأمور التي تحرص على أن تتعبد الله - عز وجل - بها في كل حين.

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/345928

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة