Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الجاثية - الآية 24

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) (الجاثية) mp3
هَذَا إِنْكَار مِنْهُمْ لِلْآخِرَةِ وَتَكْذِيب لِلْبَعْثِ وَإِبْطَال لِلْجَزَاءِ . وَمَعْنَى : " نَمُوت وَنَحْيَا " أَيْ نَمُوت نَحْنُ وَتَحْيَا أَوْلَادنَا ; قَالَ الْكَلْبِيّ . وَقُرِئَ " وَنُحْيَا " بِضَمِّ النُّون . وَقِيلَ : يَمُوت بَعْضنَا وَيَحْيَا بَعْضنَا . وَقِيلَ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير ; أَيْ نَحْيَا وَنَمُوت ; وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود .

قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي السِّنِينَ وَالْأَيَّام . وَقَالَ قَتَادَة : إِلَّا الْعُمْر , وَالْمَعْنَى وَاحِد . وَقُرِئَ " إِلَّا دَهْر يَمُرّ " . وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ : الدَّهْر هُوَ الَّذِي يُهْلِكنَا وَهُوَ الَّذِي يُحْيِينَا وَيُمِيتنَا ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ قُطْرُب : وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الْمَوْت ; وَأَنْشَدَ قَوْل أَبِي ذُؤَيْب : أَمِنْ الْمَنُون وَرَيْبهَا تَتَوَجَّع وَالدَّهْر لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَع وَقَالَ عِكْرِمَة : أَيْ وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا اللَّه . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ مَا يُهْلِكنَا إِلَّا اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ الَّذِي يُهْلِكنَا وَيُمِيتنَا وَيُحْيِينَا فَيَسُبُّونَ الدَّهْر قَالَ اللَّه تَعَالَى : يُؤْذِينِي اِبْن آدَم يَسُبّ الدَّهْر وَأَنَا الدَّهْر بِيَدِي الْأَمْر أُقَلِّب اللَّيْل وَالنَّهَار " . قُلْت : قَوْله " قَالَ اللَّه " إِلَى آخِره نَصَّ الْبُخَارِيّ وَلَفْظه . وَخَرَّجَهُ مُسْلِم أَيْضًا وَأَبُو دَاوُدَ . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَقُولَن أَحَدكُمْ يَا خَيْبَة الدَّهْر فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر ) . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ : إِنَّ الدَّهْر مِنْ أَسْمَاء اللَّه . وَقَالَ : مَنْ لَمْ يَجْعَلهُ مِنْ الْعُلَمَاء اِسْمًا إِنَّمَا خَرَجَ رَدًّا عَلَى الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدَّهْر هُوَ الْفَاعِل كَمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة ; فَكَانُوا إِذَا أَصَابَهُمْ ضُرّ أَوْ ضَيْم أَوْ مَكْرُوه نَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى الدَّهْر فَقِيلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ : لَا تَسُبُّوا الدَّهْر فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر ; أَيْ إِنَّ اللَّه هُوَ الْفَاعِل لِهَذِهِ الْأُمُور الَّتِي تُضِيفُونَهَا إِلَى الدَّهْر فَيَرْجِع السَّبّ إِلَيْهِ سُبْحَانه ; فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . وَدَلَّ عَلَى صِحَّة هَذَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُؤْذِينِي , اِبْن آدَم ... ) الْحَدِيث . وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ , وَهُوَ أَبُو عَلِيّ الثَّقَفِيّ : يَا عَاتِب الدَّهْر إِذَا نَابَهُ لَا تَلُمْ الدَّهْر عَلَى غَدْره الدَّهْر مَأْمُور , لَهُ آمِر وَيَنْتَهِي الدَّهْر إِلَى أَمْره كَمْ كَافِر أَمْوَاله جَمَّة تَزْدَاد أَضْعَافًا عَلَى كُفْره وَمُؤْمِن لَيْسَ لَهُ دِرْهَم و يَزْدَاد إِيمَانًا عَلَى فَقْره وَرُوِيَ أَنَّ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ كَثِيرًا مَا يَذْكُر الدَّهْر فَزَجَرَهُ أَبُوهُ وَقَالَ : إِيَّاكَ يَا بُنَيّ وَذِكْر الدَّهْر ! وَأَنْشَدَ : فَمَا الدَّهْر بِالْجَانِي لِشَيْءٍ لِحِينِهِ وَلَا جَالِب الْبَلْوَى فَلَا تَشْتُم الدَّهْرَا وَلَكِنْ مَتَى مَا يَبْعَث اللَّه بَاعِثًا عَلَى مَعْشَر يَجْعَل مَيَاسِيرهمْ عُسْرَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : نَاظَرْت بَعْض الْمَلَاحِدَة فَقَالَ : أَلَا تَرَاهُ يَقُول : " فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر " ؟ فَقُلْت : وَهَلْ كَانَ أَحَد يَسُبّ اللَّه فِي آبَاد الدَّهْر , بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : إِنْ مَحِلًّا وَإِنْ مُرْتَحِلًا وَإِنَّ فِي السَّفَر إِذْ مَضَوْا مَهَلَا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِالْوَفَاءِ وَبِالْعَدْ لِ وَوَلَّى الْمَلَامَة الرَّجُلَا قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَمِنْ شَأْن الْعَرَب أَنْ يَذُمُّوا الدَّهْر عِنْد الْمَصَائِب وَالنَّوَائِب ; حَتَّى ذَكَرُوهُ فِي أَشْعَارهمْ , وَنَسَبُوا الْأَحْدَاث إِلَيْهِ . قَالَ عَمْرو بْن قَمِيئَة : رَمَتْنِي بَنَات الدَّهْر مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى فَكَيْف بِمَنْ يُرْمَى وَلَيْسَ بِرَامِ فَلَوْ أَنَّهَا نَبْل إِذًا لَاتَّقَيْتهَا وَلَكِنَّنِي أُرْمَى بِغَيْرِ سِهَام عَلَى الرَّاحَتَيْنِ مَرَّة وَعَلَى الْعَصَا أَنُوء ثَلَاثًا بَعْدهنَّ قِيَامِي وَمِثْله كَثِير فِي الشِّعْر . يُنْسَبُونَ ذَلِكَ إِلَى الدَّهْر وَيُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ , وَاَللَّه سُبْحَانه الْفَاعِل لَا رَبّ سِوَاهُ .

أَيْ عِلْم . و " مِنْ " زَائِدَة ; أَيْ قَالُوا مَا قَالُوا شَاكِّينَ .

أَيْ مَا هُمْ إِلَّا يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ . وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَصْنَافًا , مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ , وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُثْبِت الصَّانِع وَيُنْكِر الْبَعْث , وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَشُكّ فِي الْبَعْث وَلَا يَقْطَع بِإِنْكَارِهِ . وَحَدَثَ فِي الْإِسْلَام أَقْوَام لَيْسَ يُمْكِنهُمْ إِنْكَار الْبَعْث خَوْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ; فَيَتَأَوَّلُونَ وَيَرَوْنَ الْقِيَامَة مَوْت الْبَدَن , وَيَرَوْنَ الثَّوَاب وَالْعِقَاب إِلَى خَيَالَات تَقَع لِلْأَرْوَاحِ بِزَعْمِهِمْ ; فَشَرّ هَؤُلَاءِ أَضَرّ مِنْ شَرّ جَمِيع الْكُفَّار ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُلَبِّسُونَ عَلَى الْحَقّ , وَيَغْتَرّ بِتَلْبِيسِهِمْ الظَّاهِر . وَالْمُشْرِك الْمُجَاهِر بِشِرْكِهِ يَحْذَرهُ الْمُسْلِم . وَقِيلَ : نَمُوت وَتَحْيَا آثَارنَا ; فَهَذِهِ حَيَاة الذِّكْر . وَقِيلَ : أَشَارُوا إِلَى التَّنَاسُخ ; أَيْ يَمُوت الرَّجُل فَتُجْعَل رُوحه . فِي مَوَات فَتَحْيَا بِهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • من مشاهير المجددين في الإسلام

    من مشاهير المجددين في الإسلام : قال العلامة ابن باز - رحمه الله - في مقدمته للكتاب: « فقد اطلعت على ما كتبه صاحب الفضيلة الدكتور صالح الفوزان المدرس بالمعهد العالي للقضاء بالرياض في ترجمة للإمامين العظيمين شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الحنبلي المجدد لما اندرس من معالم الإسلام في الجزيرة العربية في النصف الثاني من القرن الثاني عشر - رحمهم الله جميعا رحمة واسعة وأسكنهما فسيح جناته وأجزاهما عن دعوتهما إلى الله وعن جهادهما في سبيله أحسن ما جزى به المحسنين -. فألفيتها ترجمة موجزة وافية بالمقصود من التعريف بحال الشيخين وما بذلاه من الجهود العظيمة في بيان حقيقة الإسلام والدعوة إليه والتعريف بالعقيدة الصحيحة التي سار عليها سلف الأمة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي بيان الرد على خصومهما وكشف الشبهات التي أوردوها وإيضاح ذلك بأوضح عبارة وألخص إشارة فجزاه الله خيرا وضاعف مثوبته وجعلنا وإياه وسائر إخواننا من دعاة الهدى وأنصار الحق إنه خير مسئول.

    المدقق/المراجع: عبد العزيز بن عبد الله بن باز

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117072

    التحميل:

  • دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد

    دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد : عبارة عن رسالة حصل بها المؤلف على العالمية - الماجستير - وقد ناقشها عام 1407هـ. لجنة المناقشة: المشرف د/ محمد حرب، د/ عبد ا لعزيز آل الشيخ، د/ عبد الوهاب جعفر. - اشتمل هذا الكتاب على مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة: - الباب الأول: في المفتريات التي ألصقت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. - الباب الثاني: في الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب. - الباب الثالث: في اعتراضات على دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في طريقها في الدعوة وإنكار المنكر، وفيه ثلاثة فصول:

    الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172279

    التحميل:

  • أريد أن أتوب .. ولكن!

    أريد أن أتوب ولكن!: تحتوي هذه الرسالة على مقدمة عن خطورة الاستهانة بالذنوب فشرحاً لشروط التوبة، ثم علاجات نفسية، وفتاوى للتائبين مدعمة بالأدلة من القرآن الكريم والسنة، وكلام أهل العلم وخاتمة.

    الناشر: موقع الإسلام سؤال وجواب http://www.islamqa.info

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/63354

    التحميل:

  • الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

    الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد أحببتُ أن يكون لي الفضلُ الكبير والشرفُ العظيمُ في تصنيفِ كتابٍ أُضمِّنُه دلائلَ نبوَّةِ سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ أي: مُعجزاته الحسيَّة، وأخلاقه الكريمة الفاضِلة، فصنَّفتُ كتابي هذا وجعلتُه تحت عنوان: «الأنوار الساطعة على دلالة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أخلاقه الكريمة الفاضِلة في ضوء الكتاب والسنة»، وقد رتَّبتُ موضوعاتِه حسب حروف الهِجاء ليسهُل الرجوعُ إليها عند اللزومِ».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384397

    التحميل:

  • المسائل المهمة في الأذان والإقامة

    المسائل المهمة في الأذان والإقامة: قال المؤلف - حفظه الله - في مقدمة كتابه: «فهذه جملةٌ من المسائل والأحكام المهمة المتعلقة بالأذان، جمعتها للحاجة إليها، وافتقار كثير ممن تولَّى تلك العبادة الجليلة إلى معرفتها، عُنيت فيها بالدليل، ودرت معه أينما دار، والأصل فيما أذكره مِن أدلةٍ مِنَ السنة والأثر الصحة، وما خالف ذلك بيَّنتُه، وإلا فهو على أصله».

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316725

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة