Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الجاثية - الآية 21

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) (الجاثية) mp3
وَقَوْله : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ ظَنَّ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات مِنْ الْأَعْمَال فِي الدُّنْيَا , وَكَذَّبُوا رُسُل اللَّه , وَخَالَفُوا أَمْر رَبّهمْ , وَعَبَدُوا غَيْره , أَنْ نَجْعَلهُمْ فِي الْآخِرَة , كَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا رُسُله وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , فَأَطَاعُوا اللَّه , وَأَخْلَصُوا لَهُ الْعِبَادَة دُون مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , كَلَّا مَا كَانَ اللَّه لِيَفْعَل ذَلِكَ , لَقَدْ مَيَّزَ بَيْن الْفَرِيقَيْنِ , فَجَعَلَ حِزْب الْإِيمَان فِي الْجَنَّة , وَحِزْب الْكُفْر فِي السَّعِير . كَمَا : 24130 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات } . .. الْآيَة , لَعَمْرِي لَقَدْ تَفَرَّقَ الْقَوْم فِي الدُّنْيَا , وَتَفَرَّقُوا عِنْد الْمَوْت , فَتَبَايَنُوا فِي الْمَصِير .

وَقَوْله : { سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { سَوَاء } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض قُرَّاء الْكُوفَة " سَوَاء " بِالرَّفْعِ , عَلَى أَنَّ الْخَبَر مُتَنَاهٍ عِنْدهمْ عِنْد قَوْله : { كَالَّذِينَ آمَنُوا } وَجَعَلُوا خَبَر قَوْله : { أَنْ نَجْعَلهُمْ } قَوْله : { كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } , ثُمَّ ابْتَدَءُوا الْخَبَر عَنْ اسْتِوَاء حَال مَحْيَا الْمُؤْمِن وَمَمَاته , وَمَحْيَا الْكَافِر وَمَمَاته , فَرَفَعُوا قَوْله : " سَوَاء " عَلَى وَجْه الِابْتِدَاء بِهَذَا الْمَعْنَى , وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَجَّهَ تَأْوِيل ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24131 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : " سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ " قَالَ : الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مُؤْمِن , وَالْكَافِر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَافِر . 24132 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا حُسَيْن , عَنْ شَيْبَان , عَنْ لَيْث , فِي قَوْله : " سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ " قَالَ : بُعِثَ الْمُؤْمِن مُؤْمِنًا حَيًّا وَمَيِّتًا , وَالْكَافِر كَافِرًا حَيًّا وَمَيِّتًا . وَقَدْ يَحْتَمِل الْكَلَام إِذَا قُرِئَ سَوَاء رَفْعًا وَجْهًا آخَر غَيْر هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِد وَلَيْث , وَهُوَ أَنْ يُوَجَّه إِلَى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَنْ نَجْعَلهُمْ وَالْمُؤْمِنِينَ سَوَاء فِي الْحَيَاة وَالْمَوْت , بِمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَا يَسْتَوُونَ , ثُمَّ يُرْفَع سَوَاء عَلَى هَذَا الْمَعْنَى , إِذْ كَانَ لَا يَنْصَرِف , كَمَا يُقَال : مَرَرْت بِرَجُلٍ خَيْر مِنْك أَبُوهُ , وَحَسْبك أَخُوهُ , فَرَفَعَ حَسْبك , وَخَيْر إِذْ كَانَا فِي مَذْهَب الْأَسْمَاء , وَلَوْ وَقَعَ مَوْقِعهمَا فِعْل فِي لَفْظ اسْم لَمْ يَكُنْ إِلَّا نَصْبًا , فَكَذَلِكَ قَوْله : " سَوَاء " , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { سَوَاء } نَصْبًا , بِمَعْنَى : أَحَسِبُوا أَنْ نَجْعَلهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَهْل الْعِلْم بِالْقُرْآنِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب قَوْله : { سَوَاء } وَرَفْعه , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة " سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ " رَفْع , وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْمَحْيَا وَالْمَمَات لِلْكُفَّارِ كُلّه , قَالَ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَنْ نَجْعَلهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } ثُمَّ قَالَ : سَوَاء مَحْيَا الْكُفَّار وَمَمَاتهمْ : أَيْ مَحْيَاهُمْ مَحْيَا سَوَاء , وَمَمَاتهمْ مَمَات سَوَاء , فَرَفَعَ السَّوَاء عَلَى الِابْتِدَاء . قَالَ : وَمَنْ فَسَّرَ الْمَحْيَا وَالْمَمَات لِلْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ , فَقَدْ يَجُوز فِي هَذَا الْمَعْنَى نَصْب السَّوَاء وَرَفْعه ; لِأَنَّ مَنْ جَعَلَ السَّوَاء مُسْتَوِيًا , فَيَنْبَغِي لَهُ فِي الْقِيَاس أَنْ يُجْرِيه عَلَى مَا قَبْله ; لِأَنَّهُ صِفَة , وَمَنْ جَعَلَهُ الِاسْتِوَاء , فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفَعهُ لِأَنَّهُ اسْم , إِلَّا أَنْ يَنْصِب الْمَحْيَا وَالْمَمَات عَلَى الْبَدَل , وَيَنْصِب السَّوَاء عَلَى الِاسْتِوَاء , وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ السَّوَاء إِذَا كَانَ فِي مَعْنَى مُسْتَوٍ , كَمَا تَقُول : مَرَرْت بِرَجُلٍ خَيْر مِنْك أَبُوهُ ; لِأَنَّهُ صِفَة لَا يُصْرَف وَالرَّفْع أَجْوَد , وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة قَوْله : { سَوَاء مَحْيَاهُمْ } بِنَصْبِ سَوَاء وَبِرَفْعِهِ , وَالْمَحْيَا وَالْمَمَات فِي مَوْضِع رَفْع بِمَنْزِلَةِ , قَوْله : رَأَيْت الْقَوْم سَوَاء صِغَارهمْ وَكِبَارهمْ بِنَصْبِ سَوَاء لِأَنَّهُ يَجْعَلهُ فِعْلًا لِمَا عَادَ عَلَى النَّاس مِنْ ذِكْرهمْ , قَالَ : وَرُبَّمَا جَعَلَتِ الْعَرَب سَوَاء فِي مَذْهَب اسْم بِمَنْزِلَةِ حَسْبك , فَيَقُولُونَ : رَأَيْت قَوْمك سَوَاء صِغَارهمْ وَكِبَارهمْ . فَيَكُون كَقَوْلِك : مَرَرْت بِرَجُلٍ حَسْبك أَبُوهُ , قَالَ : وَلَوْ جُعِلَتْ مَكَان سَوَاء مُسْتَوٍ لَمْ يُرْفَع , وَلَكِنْ نَجْعَلهُ مُتَّبِعًا لِمَا قَبْله , مُخَالِفًا لِسَوَاءٍ ; لِأَنَّ مُسْتَوٍ مِنْ صِفَة الْقَوْم ; وَلِأَنَّ سَوَاء كَالْمَصْدَرِ , وَالْمَصْدَر اسْم . قَالَ : وَلَوْ نَصَبْت الْمَحْيَا وَالْمَمَات كَانَ وَجْهًا , يُرِيد أَنْ نَجْعَلهُمْ سَوَاء فِي مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : الْمَعْنَى : أَنَّهُ لَا يُسَاوِي مَنْ اجْتَرَحَ السَّيِّئَات الْمُؤْمِن فِي الْحَيَاة , وَلَا الْمَمَات , عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِع الْخَبَر , فَكَانَ خَبَرًا لِجَعَلْنَا , قَالَ : وَالنَّصْب لِلْأَخْبَارِ كَمَا تَقُول : جَعَلْت إِخْوَتك سَوَاء , صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ , وَيَجُوز أَنْ يُرْفَع ; لِأَنَّ سَوَاء لَا يَنْصَرِف . وَقَالَ : مَنْ قَالَ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَنْ نَجْعَلهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } فَجَعَلَ كَالَّذِينَ الْخَبَر اسْتَأْنَفَ بِسَوَاءٍ وَرَفَعَ مَا بَعْدهَا , وَإِنْ نَصَبَ الْمَحْيَا وَالْمَمَات نَصَبَ سَوَاء لَا غَيْر , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَاننَا الصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ .

وَقَوْله : { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : بِئْسَ الْحُكْم الَّذِي حَسِبُوا أَنَّا نَجْعَل الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • المقتبس من اللهجات العربية والقرآنية

    المقتبس من اللهجات العربية والقرآنية: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «فقد اتَّجه كثيرٌ من الدارسين في العصر الحديثِ إلى دراسةِ اللهجات العربية الحديثة ودراسة اللهجات مبحث جديد من مباحِث علمِ اللغة. لذلك فقد اتَّجَهت إليه جهودُ العلماء، واهتمَّت به مجامِعهم وجامعاتهم حتى أصبحَ عنصرًا مهمًّا في الدراسات اللغوية». ثم ذكرَ - رحمه الله - بعضَ الدراسات في اللهجات العربية الحديثة، وثنَّى بعد ذلك سببَ دراسته لهذا البابِ، ومراحل دراسته، قال: «أما دراستي لهذه اللهجات فهي دراسةٌ لغويةٌ وصفيةٌ تحليليةٌّ تُسجّل أهم الظواهر اللغوية للهجة من النواحي: الصوتية - والصرفية - والنحوية - ثم شرحَها والتعليل لما يُمكِن تعليلُه منها».

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/384384

    التحميل:

  • معجم حفّاظ القرآن عبر التاريخ

    معجم حفّاظ القرآن عبر التاريخ: قال المُصنِّف - رحمه الله -: «بما أن حُفَّاظ القرآن لهم المكانة السامية، والمنزلة الرفيعة في نفسي وفِكري، فقد رأيتُ من الواجبِ عليَّ نحوَهم أن أقومَ بتجليةِ بعض الجوانب المُشرقة على هؤلاء الأعلام ليقتفي آثارهم من شرح الله صدرَهم للإسلام. فأمسكتُ بقلمي - رغم كثرة الأعمال المنُوطَة بي - وطوّفت بفِكري، وعقلي بين المُصنَّفات التي كتَبت شيئًا عن هؤلاء الحُفَّاظ بدءًا من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». والكتاب مُكوَّن من جُزئين: يحتوي الجزء الأول على مائتين وتسعين حافظًا، ويحتوي الثاني على أحد عشر ومائة حافظًا، فيصيرُ المجموعُ واحد وأربعمائة حافظًا.

    الناشر: موقع الدكتور محمد محيسن http://www.mehesen.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/385232

    التحميل:

  • العشق [ حقيقته .. خطره .. أسبابه .. علاجه ]

    فإن العشق مسلكٌ خَطِر، وموْطِئٌ زَلِقٌ، وبَحْرٌ لُجِّيٌّ، وعالم العشاق مليء بالآلام والآمال، محفوف بالمخاطر والأهوال. هذا وإن البلاء بهذا الداء قدْ عمَّ وطم; ذلك أن محركاته كثيرة، والدواعي إليه متنوعة متشعبة; فلا غرو أن يكثر ضحاياه، والمبتلون به; فحق علينا - إذاً - أن نرحم أهل هذا البلاء، ومن الرحمة بهم إراءتُهم هذا البلاءَ على حقيقته، والبحث في سبل علاجه والوقاية منه.

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/172681

    التحميل:

  • التلخيصات لجل أحكام الزكاة

    قال المؤلف - رحمه الله -:- « فالداعي لتأليف هذا الكتاب هو أني رأيت كثيرًا من الناس المؤدين للزكاة يجهلون كثيرًا من أحكامها ويحرصون على تصريف الذي يخرجون في رمضان؛ رغبة منهم في مزيد الأجر لفضيلة الزمان. فرأيت من المناسب أن ألخص من كتب الفقه ما أرى أنه تتناسب قراءته مع عموم الناس، خصوصًا في الوقت الذي يقصدونه غالبًا لإخراجها، وهو شهر رمضان - شرفه الله - وعشر ذي الحجة، لما في ذلك من مضاعفة الأجر. وحرصت على تهذيبه، والاعتناء بذكر دليله من الكتاب أو السنة أو منهما جميعًا ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2564

    التحميل:

  • لا بأس طهور إن شاء الله

    لا بأس طهور إن شاء الله : إن للمريض آداباً ينبغي له أن يتحلى بها حال مرضه، وللزائر آداباً أيضاً، وللمرض أحكاماً، وهو من أسباب التخفيف في العبادات؛ لذا كانت هذه الرسالة التي جمعت جملاً من الآداب والأحكام والفتاوى وبعض القصص التي تهم المريض في نفسه وعبادته وتعامله مع مرضه، وتهم الزائر له وتبين له آداب الزيارة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/307921

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة