Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الدخان - الآية 4

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) (الدخان) mp3
وَقُرِئَ " نُفَرِّق " بِالتَّشْدِيدِ , و " يُفَرِّق " كُلّ عَلَى بِنَائِهِ لِلْفَاعِلِ وَنُصِبَ " كُلّ " , وَالْفَارِق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَرَأَ زَيْد بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " نُفَرَّق " بِالنُّونِ . " وَكُلّ أَمْر حَكِيم " كُلّ شَأْن ذِي حِكْمَة ; أَيْ مَفْعُول عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة " قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَحْكُم اللَّه أَمْر الدُّنْيَا إِلَى قَابِل فِي لَيْلَة الْقَدْر مَا كَانَ مِنْ حَيَاة أَوْ مَوْت أَوْ رِزْق . وَقَالَهُ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَغَيْرهمْ . وَقِيلَ : إِلَّا الشَّقَاء وَالسَّعَادَة فَإِنَّهُمَا لَا يَتَغَيَّرَانِ , قَالَهُ اِبْن عُمَر . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْل أَمْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمَلَائِكَة بِمَا يَكُون فِي ذَلِكَ الْعَام وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِي عِلْمه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ عِكْرِمَة : هِيَ لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان يُبْرِم فِيهَا أَمْر السَّنَة وَيَنْسَخ الْأَحْيَاء مِنْ الْأَمْوَات , وَيَكْتُب الْحَاجّ فَلَا يُزَاد فِيهِمْ أَحَد وَلَا يَنْقُص مِنْهُمْ أَحَد . وَرَوَى عُثْمَان بْن الْمُغِيرَة قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُقْطَع الْآجَال مِنْ شَعْبَان إِلَى شَعْبَان حَتَّى أَنَّ الرَّجُل لِيَنْكِح وَيُولَد لَهُ وَقَدْ خَرَجَ اِسْمه فِي الْمَوْتَى ) . وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا كَانَتْ لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان فَقُومُوا لَيْلَتهَا وَصُومُوا نَهَارهَا فَإِنَّ اللَّه يَنْزِل لِغُرُوبِ الشَّمْس إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا يَقُول أَلَا مُسْتَغْفِر فَأَغْفِر لَهُ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيه أَلَا مُسْتَرْزِق فَأَرْزُقهُ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُع الْفَجْر ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ بِمَعْنَاهُ عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِل لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَغْفِر لِأَكْثَر مِنْ عَدَد شَعْر غَنَم كَلْب ) . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيث عَائِشَة لَا نَعْرِفهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيث الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِيرَة عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة , وَسَمِعَتْ مُحَمَّدًا يُضَعِّف هَذَا الْحَدِيث , وَقَالَ : يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير لَمْ يَسْمَع مِنْ عُرْوَة , وَالْحَجَّاج بْن أَرْطَاة لَمْ يَسْمَع مِنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير .

قُلْت : وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة مُطَوَّلًا صَاحِب كِتَاب الْعَرُوس , وَاخْتَارَ أَنَّ اللَّيْلَة الَّتِي يُفْرَق فِيهَا كُلّ أَمْر حَكِيم لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان , وَأَنَّهَا تُسَمَّى لَيْلَة الْبَرَاءَة . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْله وَالرَّدّ عَلَيْهِ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَأَنَّ الصَّحِيح إِنَّمَا هِيَ لَيْلَة الْقَدْر عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ . رَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة قَالَ أَخْبَرَنَا رَبِيعَة بْن كُلْثُوم قَالَ : سَأَلَ رَجُل الْحَسَن وَأَنَا عِنْده فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيد , أَرَأَيْت لَيْلَة الْقَدْر أَفِي كُلّ رَمَضَان هِيَ ؟ قَالَ : أَيْ وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , إِنَّهَا فِي كُلّ رَمَضَان , إِنَّهَا اللَّيْلَة الَّتِي يُفْرَق فِيهَا كُلّ أَمْر حَكِيم , فِيهَا يَقْضِي اللَّه كُلّ خَلْق وَأَجَل وَرِزْق وَعَمَل إِلَى مِثْلهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَكْتُب مِنْ أُمّ الْكِتَاب فِي لَيْلَة الْقَدْر مَا يَكُون فِي السَّنَة مِنْ مَوْت وَحَيَاة وَرِزْق وَمَطَر حَتَّى الْحَجّ ; يُقَال : يَحُجّ فُلَان وَيَحُجّ فُلَان . وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : إِنَّك لَتَرَى الرَّجُل يَمْشِي فِي الْأَسْوَاق وَقَدْ وَقَعَ اِسْمه فِي الْمَوْتَى . وَهَذِهِ الْإِبَانَة لِأَحْكَامِ السُّنَّة إِنَّمَا هِيَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِأَسْبَابِ الْخَلْق . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى آنِفًا . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهَا لَيْلَة الْقَدْر . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان ; وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه الصَّادِق الْقَاطِع : " شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن " [ الْبَقَرَة : 185 ] فَنَصَّ عَلَى أَنَّ مِيقَات نُزُوله رَمَضَان , ثُمَّ عُيِّنَ مِنْ زَمَانه اللَّيْل هَاهُنَا بِقَوْلِهِ : " فِي لَيْلَة مُبَارَكَة " فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي غَيْره فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَة عَلَى اللَّه , وَلَيْسَ فِي لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان حَدِيث يُعَوَّل عَلَيْهِ لَا فِي فَضْلهَا وَلَا فِي نَسْخ الْآجَال فِيهَا فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا . الزَّمَخْشَرِيّ : " وَقِيلَ يَبْدَأ فِي اِسْتِنْسَاخ ذَلِكَ مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ فِي لَيْلَة الْبَرَاءَة وَيَقَع الْفَرَاغ فِي لَيْلَة الْقَدْر ; فَتَدْفَع نُسْخَة الْأَرْزَاق إِلَى مِيكَائِيل , وَنُسْخَة الْحُرُوب إِلَى جِبْرِيل , وَكَذَلِكَ الزَّلَازِل وَالصَّوَاعِق وَالْخَسْف ; وَنُسْخَة الْأَعْمَال إِلَى إِسْمَاعِيل صَاحِب سَمَاء الدُّنْيَا وَهُوَ مُلْك عَظِيم ; وَنُسْخَة الْمَصَائِب إِلَى مَلَك الْمَوْت . وَعَنْ بَعْضهمْ : يُعْطَى كُلّ عَامِل بَرَكَات أَعْمَاله ; فَيَلْقَى عَلَى أَلْسِنَة الْخَلْق مَدْحه , وَعَلَى قُلُوبهمْ هَيْبَته . وَقُرِئَ " نُفَرِّق " بِالتَّشْدِيدِ , و " يُفَرِّق " كُلّ عَلَى بِنَائِهِ لِلْفَاعِلِ وَنُصِبَ " كُلّ " , وَالْفَارِق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَرَأَ زَيْد بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " نُفَرِّق " بِالنُّونِ . " وَكُلّ أَمْر حَكِيم " كُلّ شَأْن ذِي حِكْمَة ; أَيْ مَفْعُول عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة " .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • تذكير الغافل بفضل النوافل

    تذكير الغافل بفضل النوافل : تشمل هذه الرسالة على ما يلي: 1- الحث على الصلاة النافلة وفضلها. 2- وجوب صلاة العيدين. 3- صلاة ودعاء الاستخارة. 4- الأمر بصلاة الكسوف وصفتها. 5- استحباب صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليها. 6- أحكام الجنائز. 7- أحكام الصلاة على الميت. 8- الأعمال المشروعة للمسلم في اليوم والليلة. 9- ما يستحب من الصيام. 10- فضل الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/209179

    التحميل:

  • الذكر والدعاء والعلاج بالرُّقى من الكتاب والسنة

    الذكر والدعاء والعلاج بالرُّقى من الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «جمعتُ في هذا الكتاب الأذكار والدعوات والرقى التي يحتاجها المسلم، ولا بد له من المواظبة عليها في مناسباتها التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعمل بها فيها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/339421

    التحميل:

  • اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث [ جملة ما حكاه عنهم أبو الحسن الأشعري وقرره في مقالاته ]

    اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث : فقد انتسب إلى أبي الحسن الأشعري في هذا العصر كثير من المسلمين، وأطلقوا على أنفسهم الأشاعرة نسبة إليه، وادعوا أنهم ملتزمون بما هو عليه في الاعتقاد وخاصة في مسائل الصفات، والحق أنهم لم يأخذوا بالعقيدة التي اعتنقها إمامهم في نهاية حياته كما في كتاب (الإبانة) و (المقالات)، ومن العجيب أنهم زعموا أن الإمام أبا الحسن الأشعري ألف كتابه (الإبانة) مداراة للحنابلة وتقية، وخوفا منهم على نفسه. وفي هذا الكتاب تحقيق لعقيدة الأشعري - رحمه الله -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/116962

    التحميل:

  • هكذا أسلمت [ بحثٌ عن الحقيقة لمدة عام ]

    هكذا أسلمت [ بحثٌ عن الحقيقة لمدة عام ]: بحثٌ طريفٌ كتبَتْه فتاةٌ مُثقَّفة قبطية تقلَّبَت في أعطاف النصرانية عشرين عامًا. ومع تعمُّقها في دراسة التوراة والإنجيل لم تجد راحة النفس ولا طُمأنينة الروح، واستولَت عليها حَيرةٌ مُؤلِمةٌ مُمِضَّة! إلى أن نهَضَت بعزيمةٍ مُتوثِّبة إلى دراسة القرآن دراسةً موضوعية مُدقّقة، مع مُوازَنة أحكامه وبيانه بما عرَفَته في الكتاب المُقدَّس. وفي أثناء رحلتها هذه سطَّرَت بعض الرُّؤَى والمُلاحظات والحقائق الجديرة بالاطِّلاع والتأمُّل!

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/341371

    التحميل:

  • نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة

    نور التوحيد وظلمات الشرك في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة تبين مفهوم التوحيد وأدلته وأنواعه وثمراته، ومفهوم الشرك وأدلة إبطالِه، وبيان الشفاعة المنفية والمثبتة، وأسباب ووسائل الشرك وأنواعه وأقسامه، وأضراره وآثاره.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1941

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة