Muslim Library

تفسير الطبري - سورة الدخان - الآية 56

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ ۖ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) (الدخان) mp3
وَقَوْله : { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا يَذُوق هَؤُلَاءِ الْمُتَّقُونَ فِي الْجَنَّة الْمَوْت بَعْد الْمَوْتَة الْأُولَى الَّتِي ذَاقُوهَا فِي الدُّنْيَا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يُوَجِّه " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى أَنَّهَا فِي مَعْنَى سِوَى , وَيَقُول : مَعْنَى الْكَلَام : لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت سِوَى الْمَوْتَة الْأُولَى , وَيُمَثِّلهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } 4 22 بِمَعْنَى : سِوَى مَا قَدْ فَعَلَ آبَاؤُكُمْ , وَلَيْسَ لِلَّذِي قَالَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي وَجْه مَفْهُوم ; لِأَنَّ الْأَغْلَب مِنْ قَوْل الْقَائِل : لَا أَذُوق الْيَوْم الطَّعَام إِلَّا الطَّعَام الَّذِي ذُقْته قَبْل الْيَوْم أَنَّهُ يُرِيد الْخَبَر عَنْ قَائِله أَنَّ عِنْده طَعَامًا فِي ذَلِكَ الْيَوْم ذَائِقه وَطَاعِمه دُون سَائِر الْأَطْعِمَة غَيْره , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَغْلَب مِنْ مَعْنَاهُ وَجَبَ أَنْ يَكُون قَدْ أَثْبَتَ بِقَوْلِهِ : { إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى } مَوْتَة مِنْ نَوْع الْأُولَى هُمْ ذَائِقُوهَا , وَمَعْلُوم أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ آمَنَ أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة إِذَا هُمْ دَخَلُوهَا مِنَ الْمَوْت , وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْت مِنْ مَعْنَاهُ , وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ تُوضَع " إِلَّا " فِي مَوْضِع " بَعْد " لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا فِي هَذَا الْمَوْضِع وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِل إِذَا قَالَ : لَا أُكَلِّم الْيَوْم رَجُلًا إِلَّا رَجُلًا عِنْد عَمْرو قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسه أَنْ لَا يُكَلِّم ذَلِكَ الْيَوْم رَجُلًا بَعْد كَلَام الرَّجُل الَّذِي عِنْد عَمْرو , وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ : لَا أُكَلِّم الْيَوْم رَجُلًا بَعْد رَجُل عِنْد عَمْرو , قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسه أَنْ لَا يُكَلِّم ذَلِكَ الْيَوْم رَجُلًا إِلَّا رَجُلًا عِنْد عَمْرو , فَبَعْد , وَإِلَّا : مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَمِنْ شَأْن الْعَرَب أَنْ تَضَع الْكَلِمَة مَكَان غَيْرهَا إِذَا تَقَارَبَ مَعْنَيَاهُمَا , وَذَلِكَ كَوَضْعِهِمُ الرَّجَاء مَكَان الْخَوْف لِمَا فِي مَعْنَى الرَّجَاء مِنَ الْخَوْف ; لِأَنَّ الرَّجَاء لَيْسَ بِيَقِينٍ , وَإِنَّمَا هُوَ طَمَع , وَقَدْ يَصْدُق وَيَكْذِب كَمَا الْخَوْف يَصْدُق أَحْيَانًا وَيَكْذِب , فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو ذُؤَيْب : إِذَا لَسَعَتْهُ الدَّبْر لَمْ يَرْجُ لَسْعهَا وَخَالَفَهَا فِي بَيْت نُوب عَوَامِل فَقَالَ : لَمْ يَرْجُ لَسْعهَا , وَمَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ : لَمْ يَخَفْ لَسْعهَا , وَكَوَضْعِهِمْ الظَّنّ مَوْضِع الْعِلْم الَّذِي لَمْ يُدْرَك مِنْ قَبْل الْعِيَان , وَإِنَّمَا أَدْرَكَ اسْتِدْلَالًا أَوْ خَبَرًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَقُلْت لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّج سَرَاتهمْ فِي الْفَارِسِيّ الْمُسَرَّد بِمَعْنَى : أَيْقِنُوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّج وَاعْلَمُوا , فَوَضَعَ الظَّنّ مَوْضِع الْيَقِين , إِذْ لَمْ يَكُنْ الْمَقُول لَهُمْ ذَلِكَ قَدْ عَايَنُوا أَلْفَيْ مُدَجَّج , وَلَا رَأَوْهُمْ , وَإِنَّ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ هَذَا الْمُخْبِر , فَقَالَ لَهُمْ ظُنُّوا الْعِلْم بِمَا لَمْ يُعَايِن مِنْ فِعْل الْقَلْب , فَوَضَعَ أَحَدهمَا مَوْضِع الْآخَر لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا فِي نَظَائِر لِمَا ذَكَرْت يَكْثُر إِحْصَاؤُهَا , كَمَا يَتَقَارَب مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ فِي بَعْض الْمَعَانِي , وَهُمَا مُخْتَلِفَتَا الْمَعْنَى فِي أَشْيَاء أُخَر , فَتَضَع الْعَرَب إِحْدَاهُمَا مَكَان صَاحِبَتهَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي يَتَقَارَب مَعْنَيَاهُمَا فِيهِ , فَكَذَلِكَ قَوْله : { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى } وُضِعَتْ " إِلَّا " فِي مَوْضِع " بَعْد " لِمَا نَصِف مِنْ تَقَارُب مَعْنَى " إِلَّا " , و " بَعْد " فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَكَذَلِكَ { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } 4 22 إِنَّمَا مَعْنَاهُ : بَعْد الَّذِي سَلَفَ مِنْكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَمَّا إِذَا وُجِّهَتْ " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى مَعْنَى سِوَى , فَإِنَّمَا هُوَ تَرْجَمَة عَنْ الْمَكَان , وَبَيَان عَنْهَا بِمَا هُوَ أَشَدّ الْتِبَاسًا عَلَى مَنْ أَرَادَ عِلْم مَعْنَاهَا مِنْهَا .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • فوائد الذكر وثمراته

    فوائد الذكر وثمراته: إن موضوع «ذكر الله - عز وجل -» يتعلَّق بأهمِّ الأمور وأعظمها وأجلِّها وأولاها بالعانية والاهتمام. وفي هذه الرسالة بيان عِظَم فضل هذه الطاعة، وماذا أُعِدَّ للذاكرين والذاكرات في الدنيا والآخرة من أجرٍ عظيم؛ من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/344677

    التحميل:

  • الدر النضيد على أبواب التوحيد

    الدر النضيد على أبواب التوحيد: شرح لكتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، وهو كتاب يحتوي على بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة بالدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهوكتاب عظيم النفع في بابه، بين فيه مؤلفه - رحمه الله - التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2557

    التحميل:

  • تحت المجهر [ كتب - أخبار - رجال - أحاديث ]

    تحت المجهر: رسالةٌ لطيفةٌ جمعَ فيها المؤلف - حفظه الله - بعض ما تيسَّر له من كتبٍ وأخبارٍ ورجالٍ وأحاديث قد تكلَّم عنها العلماء بالنقد.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/381064

    التحميل:

  • أحكام عرفة

    أحكام عرفة : إن هذا الموقف من أجل المواقف وأشهدها وأعظمها، وفي هذه الرسالة ذكر أحكامه، وأركانه، وواجباته، وآدابه، ومستحباته، وفضائله.

    الناشر: شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166807

    التحميل:

  • طريقة إبداعية لحفظ القرآن

    طريقة إبداعية لحفظ القرآن: فيما يلي خطوات عملية في برنامج متكامل لحفظ القرآن الكريم من دون معلم، ومن خلال عدة دروس فقط سوف نعيش مع طريقة ممتعة وسهلة تساعدنا على الحفظ والتدبر وإعادة برمجة حياتنا على ضوء كتاب الله تعالى.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/378789

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة