Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الزخرف - الآية 14

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ (14) (الزخرف) mp3
عَلَّمَنَا اللَّه سُبْحَانه مَا نَقُول إِذَا رَكِبْنَا الدَّوَابّ , وَعَرَفْنَا فِي آيَة أُخْرَى عَلَى لِسَان نُوح عَلَيْهِ السَّلَام مَا نَقُول إِذَا رَكِبْنَا السُّفُن ; وَهِيَ قَوْل تَعَالَى : " وَقَالَ اِرْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُور رَحِيم " [ هُود : 41 ] فَكَمْ مِنْ رَاكِب دَابَّة عَثَرَتْ بِهِ أَوْ شَمَسَتْ أَوْ تَقَحَّمَتْ أَوْ طَاحَ مِنْ ظَهْرهَا فَهَلَكَ . وَكَمْ مِنْ رَاكِبِينَ فِي سَفِينَة اِنْكَسَرَتْ بِهِمْ فَغَرِقُوا . فَلَمَّا كَانَ الرُّكُوب مُبَاشَرَة أَمْر مَحْظُور وَاتِّصَالًا بِأَسْبَابٍ مِنْ أَسْبَاب التَّلَف أُمِرَ أَلَّا يَنْسَى عِنْد اِتِّصَال بِهِ يَوْمه , وَأَنَّهُ هَالِك لَا مَحَالَة فَمُنْقَلِب إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ غَيْر مُنْفَلِت مِنْ قَضَائِهِ . وَلَا يَدَع ذِكْر ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانه حَتَّى يَكُون مُسْتَعِدًّا لِلِّقَاءِ اللَّه بِإِصْلَاحِهِ مِنْ نَفْسه . وَالْحَذَر مِنْ أَنْ يَكُون وَرُكُوبه ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب مَوْته فِي عِلْم اللَّه وَهُوَ غَافِل عَنْهُ . حَكَى سُلَيْمَان بْن يَسَار أَنَّ قَوْمًا فِي سَفَر فَكَانُوا إِذَا رَكِبُوا قَالُوا : " سُبْحَان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ " وَكَانَ فِيهِمْ رَجُل عَلَى نَاقَة لَهُ رَازِم - وَهِيَ الَّتِي لَا تَتَحَرَّك هُزَالًا , الرَّازِم مِنْ الْإِبِل : الثَّابِت عَلَى الْأَرْض لَا يَقُوم مِنْ الْهُزَال . أَوْ قَدْ رَزَمَتْ النَّاقَة تَرْزُم وَتَرْزِم رُزُومًا وَرُزَامًا : قَامَتْ مِنْ الْإِعْيَاء وَالْهُزَال فَلَمْ تَتَحَرَّك ; فَهِيَ رَازِم . قَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح . فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي لِهَذِهِ لَمُقْرِن , قَالَ : فَقَمَصَتْ بِهِ فَدُقَّتْ عُنُقه . وَرُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا رَكِبَ قَعُودًا لَهُ وَقَالَ إِنِّي لَمُقْرِن لَهُ فَرَكَضَتْ بِهِ الْقَعُود حَتَّى صَرَعَتْهُ فَانْدَقَّتْ عُنُقه . ذَكَرَ الْأَوَّل الْمَاوَرْدِيّ وَالثَّانِي اِبْن الْعَرَبِيّ . قَالَ : وَمَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَدَع قَوْل هَذَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ذِكْره بِاللِّسَانِ ; فَيَقُول مَتَى رَكِبَ وَخَاصَّة فِي السَّفَر إِذَا تَذَكَّرَ : " سُبْحَان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ بِمُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُونَ " اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِب فِي السَّفَر , وَالْخَلِيفَة فِي الْأَهْل وَالْمَال , اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ وَعْثَاء السَّفَر , وَكَآبَة الْمُنْقَلَب , وَالْجَوْر بَعْد الْكَوْر , وَسُوء الْمَنْظَر فِي الْأَهْل وَالْمَال ; يَعْنِي ب " الْجَوْر بَعْد الْكَوْر " تَشَتُّتَ أَمْر الرَّجُل بَعْد اِجْتِمَاعه . وَقَالَ عَمْرو بْن دِينَار : رَكِبْت مَعَ أَبِي جَعْفَر إِلَى أَرْض لَهُ نَحْو حَائِط يُقَال لَهَا مُدْرِكَة , فَرَكِبَ عَلَى جَمَل صَعْب فَقُلْت لَهُ : أَبَا جَعْفَر ! أَمَا تَخَاف أَنْ يَصْرَعك ؟ فَقَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( عَلَى سَنَام كُلّ بَعِير شَيْطَان إِذَا رَكِبْتُمُوهَا فَاذْكُرُوا اِسْم اللَّه كَمَا أَمَرَكُمْ ثُمَّ اِمْتَهَنُوهَا لِأَنْفُسِكُمْ فَإِنَّمَا يَحْمِل اللَّه ) . وَقَالَ عَلِيّ بْن رَبِيعَة : شَهِدْت عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَكِبَ دَابَّة يَوْمًا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْله فِي الرِّكَاب قَالَ : بِاسْمِ اللَّه , فَلَمَّا اِسْتَوَى عَلَى الدَّابَّة قَالَ الْحَمْد لِلَّهِ , ثُمَّ قَالَ : " سُبْحَان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُونَ " ثُمَّ قَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ وَاَللَّه أَكْبَر - ثَلَاثًا - اللَّهُمَّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ ; ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْت لَهُ : مَا أَضْحَكَكَ ؟ قَالَ : رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ كَمَا صَنَعْت , وَقَالَ كَمَا قُلْت ; ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْت لَهُ مَا يُضْحِكك يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( الْعَبْد - أَوْ قَالَ - عَجَبًا لِعَبْدٍ أَنْ يَقُول اللَّهُمَّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ يَعْلَم أَنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب غَيْره ) . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده , وَأَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن خُوَيْز مَنْدَاد فِي أَحْكَامه . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ لَهُ نَحْوه مُخْتَصَرًا عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَلَفْظه عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا وَضَعَ رِجْله فِي الرِّكَاب قَالَ : ( بِاسْمِ اللَّه - فَإِذَا اِسْتَوَى قَالَ - الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال سُبْحَان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُونَ وَإِذَا نَزَلْتُمْ مِنْ الْفُلْك وَالْأَنْعَام فَقُولُوا اللَّهُمَّ أَنْزِلْنَا مَنْزِلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْر الْمُنْزِلِينَ ) . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : مَنْ رَكِبَ وَلَمْ يَقُلْ " سُبْحَان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ " قَالَ لَهُ الشَّيْطَان تَغَنَّهُ ; فَإِنْ لَمْ يُحْسِن قَالَ لَهُ تَمَنَّهُ ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَيَسْتَعِيذ بِاَللَّهِ مِنْ مَقَام مَنْ يَقُول لِقُرَنَائِهِ : تَعَالَوْا نَتَنَزَّه عَلَى الْخَيْل أَوْ فِي بَعْض الزَّوَارِق ; فَيَرْكَبُونَ حَامِلِينَ مَعَ أَنْفُسهمْ أَوَانِي الْخَمْر وَالْمَعَازِف , فَلَا يَزَالُونَ يَسْتَقُونَ حَتَّى تَمَلّ طِلَاهُمْ وَهُمْ عَلَى ظُهُور الدَّوَابّ أَوْ فِي بُطُون السُّفُن وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ ; لَا يَذْكُرُونَ إِلَّا الشَّيْطَان , وَلَا يَمْتَثِلُونَ إِلَّا أَوَامِره . الزَّمَخْشَرِيّ : وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْض السَّلَاطِين رَكِبَ وَهُوَ يَشْرَب الْخَمْر مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد بَيْنهمَا مَسِيرَة شَهْر , فَلَمْ يَصِحّ إِلَّا بَعْد مَا اِطْمَأَنَّتْ بِهِ الدَّار , فَلَمْ يَشْعُر بِمَسِيرِهِ وَلَا أَحَسَّ بِهِ ; فَكَيْف بَيَّنَ فِعْل أُولَئِكَ الرَّاكِبِينَ وَبَيَّنَ مَا أُمِرَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَة ! ؟
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • يا طالب العلم كيف تحفظ؟ كيف تقرأ؟ كيف تفهم؟

    ذكر المؤلف حفظه الله ستة عشر مسألة لأمور مشتركة لابد لطالب العلم منها، ثم ذكر ثلاثة عشر مسألة في طريقة الحفظ، وثلاثة وعشرين مسألة في القراءة، وختم بثمان توصيات في طريقة الفهم، وهذا ناتج عن مسيرة الشيخ في العلم والتعليم.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/261581

    التحميل:

  • كلنا دعاة [ أكثر من 1000 فكرة ووسيلة وأسلوب في الدعوة إلى الله تعالى ]

    كلنا دعاة: في هذا الكتيب تجد مئات الأفكار والوسائل والأساليب الدعوية والتي كانت نتيجة تجارب العلماء والدعاة قديماً وحديثاً. ويمكنك اختيار المناسب لك حسب قدرتك العلمية والعملية والمالية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/150408

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية [ محمد خليل هراس ]

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحه بعض أهل العلم، منهم الشيخ محمد خليل هراس - رحمه الله - الذ يعد من أنسب الشروح لمتن الواسطية حيث تعرض فيه للموضوعات العقدية تبعاً للمتن فجاءت موضوعاته: أركان الإيمان، آيات الصفات وأحاديثها، فتنة القبر، القيامة، الشفاعة، القضاء والقدر، الإيمان والإسلام، الصحابة والخلافة، وأضاف بيان أبرز المخالفين لعقيدة السلف في هذه القضايا مع الرد الموجز عليهم.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق عفيفي - إسماعيل بن محمد الأنصاري

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/107373

    التحميل:

  • تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

    هذا تعليق مختصر كتبه فضيلة الشيخ محمد بن صـالح العثيمين - رحمه الله - على كتاب لمعة الاعتقاد الذي ألفه أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله -. وقد جمع فيه مؤلفه زبدة العقيدة، ونظراً لأهمية الكتاب من جهة، وعدم وجود شرح له من جهة أخرى فقد قام الشيخ - رحمه الله - بكشف غوامضه، وتبيين موارده، وإبراز فوائده. وقد تعرض المعلق لجوانب كثيرة من جوانب العقيدة ومنها: مسألة الأسماء والصفات، ومذهب السلف فيها، والقرآن الكريم وأوصافه، والقدر، والإيمان، وكذلك السمعيات وذكر منها الإسراء والمعراج، ومجئ ملك الموت إلى موسى - عليهما السلام -، وأشراط الساعة، والحوض، والصراط، والجنة والنار. كما تعرض لخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفضائل أصحابه - رضي الله عنهم - والشهادة بالجنة والنار، وحقوق الصحابة وحقوق زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسألة الخلافة، وأحكام البدعة وأهلها، والإجماع والتقليد بإسلوب سهل وعرض ممتع، معتمداً في ذلك على إيراد الأدلة النقلية من القرآن والسنة والتي لم يخلها من تعليق أو شرح أو بيان، وهذه التعليقات تتضمن فوائد علمية متنوعة لطلاب العلم والدارسين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/313419

    التحميل:

  • وثلث لطعامك

    وثلث لطعامك: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله خلقنا لأمر عظيم, وسخر لنا ما في السموات والأرض جميعًا منه, وسهل أمر العبادة, وأغدق علينا من بركات الأرض؛ لتكون عونًا على طاعته. ولتوسع الناس في أمر المأكل والمشرب حتى جاوزوا في ذلك ما جرت به العادة, أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء بأهمية هذه النعمة ووجوب شكرها وعدم كفرها. وهذا هو الجزء «الثامن عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «وثلثٌ لطعامك»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229618

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة