Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 52

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) (الشورى) mp3
أَيْ وَكَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَى الْأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلك أَوْحَيْنَا إِلَيْك " رُوحًا " أَيْ نُبُوَّة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . الْحَسَن وَقَتَادَة : رَحْمَة مِنْ عِنْدنَا . السُّدِّيّ : وَحْيًا . الْكَلْبِيّ : كِتَابًا . الرَّبِيع : هُوَ جِبْرِيل . الضَّحَّاك : هُوَ الْقُرْآن . وَهُوَ قَوْل مَالِك بْن دِينَار . وَسَمَّاهُ رُوحًا لِأَنَّ فِيهِ حَيَاة مِنْ مَوْت الْجَهْل . وَجَعَلَهُ مِنْ أَمْره بِمَعْنَى أَنْزَلَ كَمَا شَاءَ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ النَّظْم الْمُعْجِز وَالتَّأْلِيف الْمُعْجِب . وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل قَوْله : " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوح " [ الْإِسْرَاء : 85 ] عَلَى الْقُرْآن أَيْضًا " قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي " [ الْإِسْرَاء : 85 ] أَيْ يَسْأَلُونَك مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا الْقُرْآن , قُلْ إِنَّهُ مِنْ أَمْر اللَّه أُنْزِلَ عَلَيَّ مُعْجِزًا ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ . وَكَانَ مَالِك بْن دِينَار يَقُول : يَا أَهْل الْقُرْآن , مَاذَا زَرَعَ الْقُرْآن فِي قُلُوبكُمْ ؟ فَإِنَّ الْقُرْآن رَبِيع الْقُلُوب كَمَا أَنَّ الْغَيْث رَبِيع الْأَرْض .

أَيْ لَمْ تَكُنْ تَعْرِف الطَّرِيق إِلَى الْإِيمَان . وَظَاهِر هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْل الْإِيحَاء مُتَّصِفًا بِالْإِيمَانِ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهُوَ مِنْ مُجَوَّزَات الْعُقُول , وَاَلَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُعْظَم أَنَّ اللَّه مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ قَبْل الْبَعْثَة . وَفِيهِ تَحَكُّم , إِلَّا أَنْ يَثْبُت ذَلِكَ بِتَوْقِيفِ مَقْطُوع بِهِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل عِيَاض وَأَمَّا عِصْمَتهمْ مِنْ هَذَا الْفَنّ قَبْل النُّبُوَّة فَلِلنَّاسِ فِيهِ خِلَاف ; وَالصَّوَاب أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْل النُّبُوَّة مِنْ الْجَهْل بِاَللَّهِ وَصِفَاته وَالتَّشَكُّك فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ تَعَاضَدَتْ الْأَخْبَار وَالْآثَار عَنْ الْأَنْبِيَاء بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَة مُنْذُ وُلِدُوا ; وَنَشْأَتهمْ عَلَى التَّوْحِيد وَالْإِيمَان , بَلْ عَلَى إِشْرَاق أَنْوَار الْمَعَارِف وَنَفَحَات أَلْطَاف السَّعَادَة , وَمَنْ طَالَعَ سِيَرهمْ مُنْذُ صِبَاهُمْ إِلَى مَبْعَثهمْ حَقَّقَ ذَلِكَ ; كَمَا عُرِفَ مِنْ حَال مُوسَى وَعِيسَى وَيَحْيَى وَسُلَيْمَان وَغَيْرهمْ عَلَيْهِمْ السَّلَام . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَآتَيْنَاهُ الْحُكْم صَبِيًّا " [ مَرْيَم : 12 ] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : أُعْطِيَ يَحْيَى الْعِلْم بِكِتَابِ اللَّه فِي حَال صِبَاهُ . قَالَ مَعْمَر : كَانَ اِبْن سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاث ; فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَان : لِمَ لَا تَلْعَب ! فَقَالَ : أَلِلَّعِبِ خُلِقْت ! وَقِيلَ فِي قَوْله : " مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه " [ آل عِمْرَان : 39 ] صَدَّقَ يَحْيَى بِعِيسَى وَهُوَ اِبْن ثَلَاث سِنِينَ , فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَلِمَة اللَّه وَرُوحه وَقِيلَ : صَدَّقَهُ وَهُوَ فِي بَطْن أُمّه ; فَكَانَتْ أُمّ يَحْيَى تَقُول لِمَرْيَم إِنِّي أَجِد مَا فِي بَطْنِي يَسْجُد لِمَا فِي بَطْنك تَحِيَّة لَهُ . وَقَدْ نَصَّ اللَّه عَلَى كَلَام عِيسَى لِأُمِّهِ عِنْد وِلَادَتهَا إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ : " أَلَّا تَحْزَنِي " [ مَرْيَم : 24 ] عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " مِنْ تَحْتهَا " , وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُنَادَى عِيسَى وَنُصَّ عَلَى كَلَامه فِي مَهْده فَقَالَ : " إِنِّي عَبْد اللَّه آتَانِيَ الْكِتَاب وَجَعَلَنِي نَبِيًّا " [ مَرْيَم : 30 ] . وَقَالَ " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا " [ الْأَنْبِيَاء : 79 ] وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حُكْم سُلَيْمَان وَهُوَ صَبِيّ يَلْعَب فِي قِصَّة الْمَرْجُومَة وَفِي قِصَّة الصَّبِيّ مَا اِقْتَدَى بِهِ أَبُوهُ دَاوُدُ . وَحَكَى الطَّبَرِيّ أَنَّ عُمْره كَانَ حِين أُوتِيَ الْمُلْك اِثْنَيْ عَشَرَ عَامًا . وَكَذَلِكَ قِصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ فِرْعَوْن وَأَخْذه بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ طِفْل . وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل " [ الْأَنْبِيَاء : 51 ] : أَيْ هَدَيْنَاهُ صَغِيرًا ; قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره . وَقَالَ اِبْن عَطَاء : اِصْطَفَاهُ قَبْل إِبْدَاء خَلْقه . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيم بَعَثَ اللَّه إِلَيْهِ مَلَكًا يَأْمُرهُ عَنْ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُعَرِّفهُ بِقَلْبِهِ وَيُذَكِّرهُ بِلِسَانِهِ فَقَالَ : قَدْ فَعَلْت ; وَلَمْ يَقُلْ أَفْعَل ; فَذَلِكَ رُشْده . وَقِيلَ : إِنَّ إِلْقَاء إِبْرَاهِيم فِي النَّار وَمِحْنَته كَانَتْ وَهُوَ اِبْن سِتّ عَشْرَة سَنَة . وَإِنَّ اِبْتِلَاء إِسْحَاق بِالذَّبْحِ وَهُوَ اِبْن سَبْع سِنِينَ . وَأَنَّ اِسْتِدْلَال إِبْرَاهِيم بِالْكَوْكَبِ وَالْقَمَر وَالشَّمْس كَانَ وَهُوَ اِبْن خَمْس عَشْرَة سَنَة . وَقِيلَ أُوحِيَ إِلَى يُوسُف وَهُوَ صَبِيّ عِنْدَمَا هُمْ إِخْوَته بِإِلْقَائِهِ فِي الْجُبّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا " [ يُوسُف : 15 ] الْآيَة ; إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارهمْ . وَقَدْ حَكَى أَهْل السِّيَر أَنَّ آمِنَة بِنْت وَهْب أُخْبِرَتْ أَنَّ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ حِين وُلِدَ بَاسِطًا يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْض رَافِعًا رَأْسه إِلَى السَّمَاء , وَقَالَ فِي حَدِيثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمَّا نَشَأَتْ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَان وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْر وَلَمْ أَهُمّ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَفْعَلهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ فَعَصَمَنِي اللَّه مِنْهُمَا ثُمَّ لَمْ أَعُدْ ) . ثُمَّ يَتَمَكَّن الْأَمْر لَهُمْ , وَتَتَرَادَف نَفَحَات اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ , وَتَشْرَق أَنْوَار الْمَعَارِف فِي قُلُوبهمْ حَتَّى يَصِلُوا الْغَايَة وَيَبْلُغُوا بِاصْطِفَاءِ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ فِي تَحْصِيل الْخِصَال الشَّرِيفَة النِّهَايَة دُون مُمَارَسَة وَلَا رِيَاضَة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا " [ يُوسُف : 22 ] . قَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ يَنْقُل أَحَد مِنْ أَهْل الْأَخْبَار أَنَّ أَحَدًا نُبِّئَ وَاصْطُفِيَ مِمَّنْ عُرِفَ بِكُفْرٍ وَإِشْرَاك قَبْل ذَلِكَ . وَمُسْتَنَد هَذَا الْبَاب النَّقْل . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْقُلُوب تَنْفِر عَمَّنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيله . قَالَ الْقَاضِي : وَأَنَا أَقُول إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ رَمَتْ نَبِيّنَا عَلَيْهِ السَّلَام بِكُلِّ مَا اِفْتَرَتْهُ , وَعَيَّرَ كُفَّار الْأُمَم أَنْبِيَاءَهَا بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْهُ , مِمَّا نَصَّ اللَّه عَلَيْهِ أَوْ نَقَلَتْهُ إِلَيْنَا الرُّوَاة , وَلَمْ نَجِد فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِوَاحِدِ مِنْهُمْ بِرَفْضِهِ آلِهَتهمْ وَتَقْرِيعه بِذَمِّهِ بِتَرْكِ مَا كَانَ قَدْ جَامَعَهُمْ عَلَيْهِ . وَلَوْ كَانَ هَذَا لَكَانُوا بِذَلِكَ مُبَادِرِينَ , وَبِتَلَوُّنِهِ فِي مَعْبُوده مُحْتَجِّينَ , وَلَكَانَ تَوْبِيخهمْ لَهُ بِنَهْيِهِمْ عَمَّا كَانَ يُعْبَد قَبْل أَفْظَع وَأَقْطَع فِي الْحُجَّة مِنْ تَوْبِيخه بِنَهْيِهِمْ عَنْ تَرْكه آلِهَتهمْ وَمَا كَانَ يَعْبُد آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْل ; فَفِي إِطْبَاقهمْ عَلَى الْإِعْرَاض عَنْهُ دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إِلَيْهِ ; إِذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَمَا سَكَتُوا عَنْهُ كَمَا لَمْ يَسْكُتُوا عَنْ تَحْوِيل الْقِبْلَة وَقَالُوا : " مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتهمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا " [ الْبَقَرَة : 142 ] كَمَا حَكَاهُ اللَّه عَنْهُمْ .


وَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاء فِي نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِدِينٍ قَبْل الْوَحْي أَمْ لَا ; فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَأَحَالَهُ عَقْلًا . قَالُوا : لِأَنَّهُ يَبْعُد أَنْ يَكُون مَتْبُوعًا مَنْ عُرِفَ تَابِعًا , وَبَنَوْا هَذَا عَلَى التَّحْسِين وَالتَّقْبِيح . وَقَالَتْ فِرْقَة أُخْرَى : بِالْوَقْفِ فِي أَمْره عَلَيْهِ السَّلَام وَتَرْك قَطْع الْحُكْم عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ , إِذْ لَمْ يُحِلْ الْوَجْهَيْنِ مِنْهُمَا الْعَقْل وَلَا اِسْتَبَانَ عِنْدهَا فِي أَحَدهمَا طَرِيق النَّقْل , وَهَذَا مَذْهَب أَبِي الْمَعَالِي . وَقَالَتْ فِرْقَة ثَالِثَة : إِنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْله وَعَامِلًا بِهِ ; ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعْيِين , فَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِين عِيسَى فَإِنَّهُ نَاسِخ لِجَمِيعِ الْأَدْيَان وَالْمِلَل قَبْلهَا ; فَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون النَّبِيّ عَلَى دِين مَنْسُوخ . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِين إِبْرَاهِيم ; لِأَنَّهُ مِنْ وَلَده وَهُوَ أَبُو الْأَنْبِيَاء . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِين مُوسَى ; لِأَنَّهُ أَقْدَم الْأَدْيَان . وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَة إِلَى أَنَّهُ لَا بُدّ أَنْ يَكُون عَلَى دِين وَلَكِنْ عَيْن الدِّين غَيْر مَعْلُومَة عِنْدنَا . وَقَدْ أَبْطَلَ هَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا أَئِمَّتنَا ; إِذْ هِيَ أَقْوَال مُتَعَارِضَة وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَة قَاطِعَة , وَإِنْ كَانَ الْعَقْل يُجَوِّز ذَلِكَ كُلّه . وَاَلَّذِي يُقْطَع بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَكُنْ مَنْسُوبًا إِلَى وَاحِد مِنْ الْأَنْبِيَاء نِسْبَة تَقْتَضِي أَنْ يَكُون وَاحِدًا مِنْ أُمَّته وَمُخَاطَبًا بِكُلِّ شَرِيعَته ; بَلْ شَرِيعَته مُسْتَقِلَّة بِنَفْسِهَا مُفْتَتِحَة مِنْ عِنْد اللَّه الْحَاكِم جَلَّ وَعَزَّ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَلَا سَجَدَ لِصَنَمٍ , وَلَا أَشْرَكَ بِاَللَّهِ , وَلَا زَنَى وَلَا شَرِبَ الْخَمْر , وَلَا شَهِدَ السَّامِر وَلَا حَضَرَ حِلْف الْمَطَر وَلَا حِلْف الْمُطَيَّبِينَ ; بَلْ نَزَّهَهُ اللَّه وَصَانَهُ عَنْ ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدِيثًا بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَشْهَد مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدهمْ , فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفه أَحَدهمَا يَقُول لِصَاحِبِهِ : اِذْهَبْ حَتَّى تَقُوم خَلْفه , فَقَالَ الْآخَر : كَيْف أَقُوم خَلْفه وَعَهِدَهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَام فَلَمْ يَشْهَدهُمْ بَعْد ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا حَدِيث أَنْكَرَهُ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل جِدًّا وَقَالَ : هَذَا مَوْضُوع أَوْ شَبِيه بِالْمَوْضُوعِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّ عُثْمَان وَهِمَ فِي إِسْنَاده , وَالْحَدِيث بِالْجُمْلَةِ مُنْكَر غَيْر مُتَّفَق عَلَى إِسْنَاده فَلَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ , وَالْمَعْرُوف عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافه عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ قَوْله : ( بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَصْنَام ) وَقَوْله فِي قِصَّة بَحِيرَا حِين اِسْتَحْلَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِذْ لَقِيَهُ بِالشَّامِ فِي سُفْرَته مَعَ عَمّه أَبِي طَالِب وَهُوَ صَبِيّ , وَرَأَى فِيهِ عَلَامَات النُّبُوَّة فَاخْتَبَرَهُ بِذَلِكَ ; فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَسْأَلنِي بِهِمَا فَوَاَللَّهِ مَا أَبْغَضْت شَيْئًا قَطُّ بُغْضهمَا ) فَقَالَ لَهُ بَحِيرَا : فَبِاَللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتنِي عَمَّا أَسْأَلك عَنْهُ , فَقَالَ : ( سَلْ عَمَّا بَدَا لَك ) . وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوف مِنْ سِيرَته عَلَيْهِ السَّلَام وَتَوْفِيق اللَّه إِيَّاهُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ قَبْل نُبُوَّته يُخَالِف الْمُشْرِكِينَ فِي وُقُوفهمْ بِمُزْدَلِفَة فِي الْحَجّ , وَكَانَ يَقِف هُوَ بِعَرَفَة , لِأَنَّهُ كَانَ مَوْقِف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " قُلْ بَلْ مِلَّة إِبْرَاهِيم " [ الْبَقَرَة : 135 ] وَقَالَ : " أَنْ اِتَّبِعْ مِلَّة إِبْرَاهِيم " [ النَّحْل : 12 ] وَقَالَ : " شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّين " [ الشُّورَى : 13 ] الْآيَة . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون مُتَعَبَّدًا بِشَرْعٍ . فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَا تَخْتَلِف فِيهِ الشَّرَائِع مِنْ التَّوْحِيد وَإِقَامَة الدِّين ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي غَيْر مَوْضِع وَفِي هَذِهِ السُّورَة عِنْد قَوْله : " شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّين " [ الشُّورَى : 13 ] وَالْحَمْد لِلَّهِ .


الرَّابِعَة : إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاء اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " . فَقَالَ جَمَاعَة : مَعْنَى الْإِيمَان فِي هَذِهِ الْآيَة شَرَائِع الْإِيمَان وَمَعَالِمه ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَقِيلَ : تَفَاصِيل هَذَا الشَّرْع ; أَيْ كُنْت غَافِلًا عَنْ هَذِهِ التَّفَاصِيل . وَيَجُوز إِطْلَاق لَفْظ الْإِيمَان عَلَى تَفَاصِيل الشَّرْع ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ : مَا كُنْت تَدْرِي قَبْل الْوَحْي أَنْ تَقْرَأ الْقُرْآن , وَلَا كَيْف تَدْعُو الْخَلْق إِلَى الْإِيمَان ; وَنَحْوه عَنْ أَبِي الْعَالِيَة . وَقَالَ بَكْر الْقَاضِي : وَلَا الْإِيمَان الَّذِي هُوَ الْفَرَائِض وَالْأَحْكَام . قَالَ : وَكَانَ قَبْل مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ نَزَلَتْ الْفَرَائِض الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهَا قَبْل ; فَزَادَ بِالتَّكْلِيفِ إِيمَانًا . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الْأَرْبَعَة مُتَقَارِبَة . وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَة : عَنَى بِالْإِيمَانِ الصَّلَاة ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانكُمْ " [ الْبَقَرَة : 143 ] أَيْ صَلَاتكُمْ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس ; فَيَكُون اللَّفْظ عَامًّا وَالْمُرَاد الْخُصُوصِيّ . وَقَالَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : أَيْ مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا أَهْل الْإِيمَان . وَهُوَ مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف ; أَيْ مَنْ الَّذِي يُؤْمِن ؟ أَبُو طَالِب أَوْ الْعَبَّاس أَوْ غَيْرهمَا . وَقِيلَ : مَا كُنْت تَدْرِي شَيْئًا إِذْ كُنْت فِي الْمَهْد وَقَبْل الْبُلُوغ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ نَحْوه عَنْ عَلِيّ بْن عِيسَى قَالَ : مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب لَوْلَا الرِّسَالَة , وَلَا الْإِيمَان لَوْلَا الْبُلُوغ . وَقِيلَ : مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب لَوْلَا إِنْعَامنَا عَلَيْك , وَلَا الْإِيمَان لَوْلَا هِدَايَتنَا لَك , وَهُوَ مُحْتَمَل . وَفِي هَذَا الْإِيمَان وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَهَذَا يَعْرِفهُ بَعْد بُلُوغه وَقَبْل نُبُوَّته . وَالثَّانِي : أَنَّهُ دِين الْإِسْلَام , وَهَذَا لَا يَعْرِفهُ إِلَّا بَعْد النُّبُوَّة . قُلْت : الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِين نَشَأَ إِلَى حِين بُلُوغه ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : " مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان " أَيْ كُنْت مِنْ قَوْم أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَاب وَلَا الْإِيمَان , حَتَّى تَكُون قَدْ أَخَذْت مَا جِئْتهمْ بِهِ عَمَّنْ كَانَ يَعْلَم ذَلِكَ مِنْهُمْ ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْله مِنْ كِتَاب وَلَا تَخُطّهُ بِيَمِينِك إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ " [ الْعَنْكَبُوت : 48 ] رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا .

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك : يَعْنِي الْإِيمَان . السُّدِّيّ : الْقُرْآن وَقِيلَ الْوَحْي ; أَيْ جَعَلْنَا هَذَا الْوَحْي

أَيْ مَنْ نَخْتَارهُ لِلنُّبُوَّةِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء " [ آل عِمْرَان : 74 ] . وَوَحَّدَ الْكِتَابَة لِأَنَّ الْفِعْل فِي كَثْرَة أَسْمَائِهِ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْل فِي الِاسْم الْوَاحِد ; أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : إِقْبَالك وَإِدْبَارك يُعْجِبنِي ; فَتَوَحَّدَ , وَهُمَا اِثْنَانِ .

أَيْ تَدْعُو وَتُرْشِد

دِين قَوِيم لَا اِعْوِجَاج فِيهِ . وَقَالَ عَلِيّ : إِلَى كِتَاب مُسْتَقِيم . وَقَرَأَ عَاصِم الْجَحْدَرِيّ وَحَوْشَب " وَإِنَّك لَتَهْدِي " غَيْر مُسَمَّى الْفَاعِل ; أَيْ لَتُدْعَى . الْبَاقُونَ " لَتَهْدِي " مُسَمَّى الْفَاعِل . وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ " وَإِنَّك لَتَدْعُو " . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا لَا يُقْرَأ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُخَالِف لِلسَّوَادِ , وَإِنَّمَا يُحْمَل مَا كَانَ مِثْله عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَائِله عَلَى جِهَة التَّفْسِير ; كَمَا قَالَ : " وَإِنَّك لَتَهْدِي " أَيْ لَتَدْعُو . وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى : " وَإِنَّك لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " قَالَ : " وَلِكُلِّ قَوْم هَادٍ " [ الرَّعْد : 7 ] .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • وصية نافعة لعموم أهل العلم والتبيان

    وصية نافعة لعموم أهل العلم والتبيان: قال المؤلف - رحمه الله -:- « هذه وصيَّتي لأولادي وإخواني، طَلَبة العلم والدِّين، من أهالي نجد وغيرهم من سائر بلدان المسلمين ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2584

    التحميل:

  • إضاءات على متن الورقات

    متن الورقات هو متن مختصر جداً تكلم فيه المؤلف - رحمه الله - على خمسة عشر باباً من أبواب أصول الفقه وهي: أقسام الكلام، الأمر، النهي، العام والخاص، المجمل والمبين، الظاهر والمؤول، الأفعال، الناسخ والمنسوخ، الإجماع، الأخبار، القياس، الحظر والإباحة، ترتيب الأدلة، المفتي، أحكام المجتهدين، وفي هذه الصفحة نسة من شرح الدكتور عبد السلام الحصين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/259989

    التحميل:

  • التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

    التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: قال المؤلف - حفظه الله -: «فإن القرآن الكريم كلام الله - عز وجل - أنزله على قلب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المُنذِرين، وما زال العلماء - منذ نزوله - يتعاقبون على دراسته، ويعكُفون على النهل من معينه، والتزوُّد من هدايته. ومن أعظم ما أُلِّف في هذا الشأن في العصور المتأخرة ما رقمته يراعةُ العالم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور - رحمه الله -، وذلك في تفسيره المعروف بـ: «التحرير والتنوير». ونظرًا لعظم شأن تفسيره، ولأنه ملِيء بكنور من العلم والمعارف والثقافة، ولكونه مُطوَّلاً .. فقد رأيتُ أن أستخرج بعض اللطائف الرائعة، واللفتات البارعة التي احتوى عليها ذلك التفسير العظيم؛ رغبةً في عموم النفع، وإسهامًا في التعريف بهذا العمل الجليل الذي لا يخطر لكثيرٍ من طلبة العلم - فضلاً عن غيرهم - ما يشتمل عليه من نفائس العلم وغواليه، وقد سميته: «التقريب لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور»».

    الناشر: موقع دعوة الإسلام http://www.toislam.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/355729

    التحميل:

  • تكريم الإسلام للمرأة

    تكريم الإسلام للمرأة: من كمال الدين الإسلامي وجماله: تكريمه للمرأة المسلمة، وصيانته لها، وعنايته بحقوقها، ومنعه من ظلمها والاعتداء عليها، أو استغلال ضعفها، أو نحو ذلك، وجعل لها في نفسها ولمن تعيش معهم من الضوابط العظيمة، والتوجيهات الحكيمة، والإرشادات القويمة ما يُحقِّق لها حياةً هنيَّة، ومعيشة سويَّة، وأُنسًا وسعادة في الدنيا والآخرة. وفي هذه الرسالة بيان كيف كرَّم الإسلام المرأة وأوجه هذا التكريم.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208990

    التحميل:

  • شرح العقيدة الواسطية من تقريرات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

    العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية؛ لذلك حرص العلماء وطلبة العلم على شرحها وبيان معانيها، وقد قام فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - بجمع تقريرات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - على هذا الكناب النفيس، وقد أخرجها وأعدها للطبع الشيخ عبد المحسن القاسم - أثابه الله - إمام وخطيب المسجد النبوي.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/203415

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة