Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 51

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) (الشورى) mp3
سَبَب ذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا تُكَلِّم اللَّه وَتَنْظُر إِلَيْهِ إِنْ كُنْت نَبِيًّا كَمَا كَلَّمَهُ مُوسَى وَنَظَرَ إِلَيْهِ ; فَإِنَّا لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى تَفْعَل ذَلِكَ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مُوسَى لَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ ) فَنَزَلَ قَوْله : " وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمهُ اللَّه إِلَّا وَحْيًا " ; ذَكَرَهُ النَّقَّاش وَالْوَاحِدِيّ وَالثَّعْلَبِيّ . " وَحْيًا " قَالَ مُجَاهِد : نَفَثَ يَنْفُث فِي قَلْبه فَيَكُون إِلْهَامًا ; وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ رُوح الْقُدُس نَفَثَ فِي رُوعِي إِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوت حَتَّى تَسْتَكْمِل , رِزْقهَا وَأَجَلهَا فَاتَّقُوا اللَّه وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَب . خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ ) . " أَوْ مِنْ وَرَاء حِجَاب " كَمَا كَلَّمَ مُوسَى . " أَوْ يُرْسِل رَسُولًا " كَإِرْسَالِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَقِيلَ : " إِلَّا وَحْيًا " رُؤْيَا يَرَاهَا فِي مَنَامه ; قَالَهُ مُحَمَّد بْن زُهَيْر .

كَمَا كَلَّمَ مُوسَى .

قَالَ زُهَيْر : هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام .

وَهَذَا الْوَحْي مِنْ الرُّسُل خِطَاب مِنْهُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ يَسْمَعُونَهُ نُطْقًا وَيَرَوْنَهُ عِيَانًا . وَهَكَذَا كَانَتْ حَال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا نَزَلَ بِالْوَحْيِ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى كُلّ نَبِيّ فَلَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ إِلَّا مُحَمَّد وَعِيسَى وَمُوسَى وَزَكَرِيَّا عَلَيْهِمْ السَّلَام . فَأَمَّا غَيْرهمْ فَكَانَ وَحْيًا إِلْهَامًا فِي الْمَنَام . وَقُلْ : " إِلَّا وَحْيًا " بِإِرْسَالِ جِبْرِيل " أَوْ مِنْ وَرَاء حِجَاب " كَمَا كَلَّمَ مُوسَى . " أَوْ يُرْسِل رَسُولًا " إِلَى النَّاس كَافَّة . وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ وَشَيْبَة وَنَافِع " أَوْ يُرْسِل رَسُولًا فَيُوحِي " بِرَفْعِ الْفِعْلَيْنِ . الْبَاقُونَ بِنَصْبِهِمَا . فَالرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف ; أَيْ وَهُوَ يُرْسِل . وَقِيلَ : " يُرْسِل " بِالرَّفْعِ فِي مَوْضِع الْحَال ; وَالتَّقْدِير إِلَّا مُوحِيًا أَوْ مُرْسَلًا . وَمَنْ نَصَبَ عَطَفُوهُ عَلَى مَحَلّ الْوَحْي ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمهُ اللَّه إِلَّا أَنْ يُوحِي أَوْ يُرْسِل . وَيَجُوز أَنْ يَكُون النَّصْب عَلَى تَقْدِير حَذْف الْجَار مِنْ أَنْ الْمُضْمَرَة . وَيَكُون فِي مَوْضِع الْحَال ; التَّقْدِير أَوْ بِأَنْ يُرْسِل رَسُولًا . وَلَا يَجُوز أَنْ يَعْطِف " أَوْ يُرْسِل " بِالنَّصْبِ عَلَى " أَنْ يُكَلِّمهُ " لِفَسَادِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يَصِير : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُرْسِلهُ أَوْ أَنْ يُرْسِل إِلَيْهِ رَسُولًا , وَهُوَ قَدْ أَرْسَلَ الرُّسُل مِنْ الْبَشَر وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ .


اِحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ رَأَى فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّم رَجُلًا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا أَنَّهُ حَانِث , لِأَنَّ الْمُرْسَل قَدْ سُمِّيَ فِيهَا مُكَلِّمًا لِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِ ; إِلَّا أَنْ يَنْوِي الْحَالِف الْمُوَاجَهَة بِالْخِطَابِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يَحْلِف أَلَّا يُكَلِّم فُلَانًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا ; فَقَالَ الثَّوْرِيّ : الرَّسُول لَيْسَ بِكَلَامٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يُبَيِّن أَنْ يَحْنَث . وَقَالَ النَّخَعِيّ : وَالْحُكْم فِي الْكِتَاب يَحْنَث . وَقَالَ مَالِك : يَحْنَث فِي الْكِتَاب وَالرَّسُول . وَقَالَ مُرَّة : الرَّسُول أَسْهَل مِنْ الْكِتَاب . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : الْكَلَام سِوَى الْخَطّ وَالْإِشَارَة . وَقَالَ أَبُو ثَوْر : لَا يَحْنَث فِي الْكِتَاب . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَا يَحْنَث فِي الْكِتَاب وَالرَّسُول . قُلْت : وَهُوَ قَوْل مَالِك . قَالَ أَبُو عُمَر : وَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّم رَجُلًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا , أَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَة هُوَ فِيهِمْ فَقَدْ حَنِثَ فِي ذَلِكَ كُلّه عِنْد مَالِك . وَإِنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة لَمْ يَحْنَث . قُلْت : يَحْنَث فِي الرَّسُول إِلَّا أَنْ يَنْوِي الْمُشَافَهَة ; لِلْآيَةِ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَابْن الْمَاجِشُون . وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل " سُورَة مَرْيَم " هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُلَمَائِنَا مُسْتَوْفًى , وَالْحَمْد لِلَّهِ .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • بدع القراء القديمة والمعاصرة

    بدع القراء : كتيب لطيف للعلامة الكبير بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله - عقده في خمسة أبحاث: الأول: رؤوس المسائل لبدع القراء التي نبه عليها العلماء. الثاني: حكم تعبد القارئ بتقليد صوت قارئ آخر. الثالث: التمايل من القارئ والسامع. الرابع: العدول عن المشروع في قراءة صلاة الجمعة إلى مايراه الإمام مناسباً مع موضوع الخطبة. الخامس: مغايرة الصوت عند تلاوة القرآن لنسق الصوت في الوعظ أو الخطابة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/79741

    التحميل:

  • أعمال القلوب [ المحبة ]

    قرة عين المحب ولذته ونعيم روحه في طاعة محبوبه; بخلاف المطيع كرهاً; المحتمل للخدمة ثقلاً; الذي يرى أنه لولا ذلٌّ قهره وعقوبة سيده له لما أطاعه فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي أذله مكرهه وقاهره; بخلاف المحب الذي يعد طاعة محبوبه قوتاً ونعيماً ولذةً وسروراً; فهذا ليس الحامل له على الطاعة والعبادة والعمل ذل الإكراه.

    الناشر: موقع الشيخ محمد صالح المنجد www.almunajjid.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/340015

    التحميل:

  • أربعون درسا لمن أدرك رمضان

    أربعون درسا لمن أدرك رمضان : رسالة مختصرة تفيد الأئمة والوعاظ في تحضير دروسهم في هذا الشهر المبارك.

    الناشر: دار القاسم

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208935

    التحميل:

  • الخطب المنبرية في المناسبات العصرية

    الخطب المنبرية في المناسبات العصرية : مجموعة من الخطب التي ألقاها فضيلة العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله - وهي سلسلة مكونة من 4 مجلدات.

    الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205551

    التحميل:

  • حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

    حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية: هذا البحث نال جائزة الأمير نايف بن عبد العزيز في مسابقته العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90728

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة