Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الشورى - الآية 50

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) (الشورى) mp3
قَالَ مُجَاهِد : هُوَ أَنْ تَلِد الْمَرْأَة غُلَامًا ثُمَّ تَلِد جَارِيَة ثُمَّ تَلِد غُلَامًا ثُمَّ تَلِد جَارِيَة . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة : هُوَ أَنْ تَلِد تَوْأَمًا , غُلَامًا وَجَارِيَة , أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا . قَالَ الْقُتَبِيّ : التَّزْوِيج هَاهُنَا هُوَ الْجَمْع بَيْن الْبَنِينَ وَالْبَنَات ; تَقُول الْعَرَب : زَوَّجْت إِبِلِي إِذَا جَمَعْت بَيْن الْكِبَار وَالصِّغَار .

أَيْ لَا يُولَد لَهُ ; يُقَال : رَجُل عَقِيم , وَامْرَأَة عَقِيم . وَعَقِمَتْ الْمَرْأَة تَعْقَم عَقْمًا ; مِثْل حَمِدَ يَحْمَد . وَعَقُمَتْ تَعْقُم , مِثْل عَظُمَ يَعْظُم . وَأَصْله الْقَطْع , وَمِنْهُ الْمُلْك الْعَقِيم , أَيْ تُقْطَع فِيهِ الْأَرْحَام بِالْقَتْلِ وَالْعُقُوق خَوْفًا عَلَى الْمِلْك . وَرِيح عَقِيم ; أَيْ لَا تَلْقَح سَحَابًا وَلَا شَجَرًا . وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم عَقِيم ; لِأَنَّهُ لَا يَوْم بَعْده . وَيُقَال : نِسَاء عُقُم وَعُقْم ; قَالَ الشَّاعِر : عُقِمَ النِّسَاء فَمَا يَلِدْنَ شَبِيهه إِنَّ النِّسَاء بِمِثْلِهِ عُقْم وَحَكَى النَّقَّاش أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْأَنْبِيَاء خُصُوصًا وَإِنْ عَمَّ حُكْمهَا . وُهِبَ لِلُوطٍ الْإِنَاث لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَر , وَوُهِبَ لِإِبْرَاهِيم الذُّكُور لَيْسَ مَعَهُمْ أُنْثَى , وَوُهِبَ لِإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق الذُّكُور وَالْإِنَاث , وَجُعِلَ عِيسَى وَيَحْيَى عَقِيمَيْنِ ; وَنَحْوه عَنْ اِبْن عَبَّاس وَإِسْحَاق بْن بِشْر . قَالَ إِسْحَاق : نَزَلَتْ فِي الْأَنْبِيَاء , ثُمَّ عَمَّتْ . " يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا " يَعْنِي لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَام , لَمْ يُولَد لَهُ ذَكَر وَإِنَّمَا وُلِدَ لَهُ اِبْنَتَانِ . " وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور " يَعْنِي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يُولَد لَهُ أُنْثَى بَلْ وُلِدَ لَهُ ثَمَانِيَة ذُكُور . " أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا " يَعْنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وُلِدَ لَهُ أَرْبَعَة بَنِينَ وَأَرْبَع بَنَات . " وَيَجْعَل مَنْ يَشَاء عَقِيمًا " يَعْنِي يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَام ; لَمْ يَذْكُر عِيسَى . اِبْن الْعَرَبِيّ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا " يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا " يَعْنِي لُوطًا كَانَ لَهُ بَنَات وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اِبْن . " وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور " يَعْنِي إِبْرَاهِيم , كَانَ لَهُ بَنُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِنْت . وَقَوْله : " أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا " يَعْنِي آدَم , كَانَتْ حَوَّاء تَلِد لَهُ فِي كُلّ بَطْن تَوْأَمَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى . وَيُزَوِّج الذَّكَر مِنْ هَذَا الْبَطْن مِنْ الْأُنْثَى مِنْ الْبَطْن الْآخَر , حَتَّى أَحْكَمَ اللَّه التَّحْرِيم فِي شَرْع نُوح صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَذَلِكَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ ذُكُور وَإِنَاث مِنْ الْأَوْلَاد : الْقَاسِم وَالطَّيِّب وَالطَّاهِر وَعَبْد اللَّه وَزَيْنَب وَأُمّ كُلْثُوم وَرُقَيَّة وَفَاطِمَة ; وَكُلّهمْ مِنْ خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , وَإِبْرَاهِيم وَهُوَ مِنْ مَارِيَة الْقِبْطِيَّة . وَكَذَلِكَ قَسَمَ اللَّه الْخَلْق مِنْ لَدُنْ آدَم إِلَى زَمَاننَا هَذَا , إِلَى أَنْ تَقُوم السَّاعَة , عَلَى هَذَا التَّقْدِير الْمَحْدُود بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة وَمَشِيئَته النَّافِذَة ; لِيَبْقَى النَّسْل , وَيَتَمَادَى الْخَلْق , وَيَنْفُذ الْوَعْد , وَيَحِقّ الْأَمْر , وَتَعْمُر الدُّنْيَا , وَتَأْخُذ الْجَنَّة وَجَهَنَّم كُلّ وَاحِدَة مَا يَمْلَؤُهَا وَيَبْقَى . فَفِي الْحَدِيث : ( إِنَّ النَّار لَنْ تَمْتَلِئ حَتَّى يَضَع الْجَبَّار فِيهَا قَدَمه , فَتَقُول قَطْ قَطْ . وَأَمَّا الْجَنَّة فَيَبْقَى مِنْهَا فَيُنْشِئ اللَّه لَهَا خَلْقًا آخَر ) .


قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى لِعُمُومِ قُدْرَته وَشَدِيد قُوَّته يَخْلُق الْخَلْق اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر شَيْء , وَبِعَظِيمِ لُطْفه وَبَالِغ حِكْمَته يَخْلُق شَيْئًا مِنْ شَيْء لَا عَنْ حَاجَة ; فَإِنَّهُ قُدُّوس عَنْ الْحَاجَات سَلَام عَنْ الْآفَات , كَمَا قَالَ الْقُدُّوس السَّلَام ; فَخَلَقَ آدَم مِنْ الْأَرْض وَخَلَقَ حَوَّاء مِنْ آدَم وَخَلَقَ النَّشْأَة مِنْ بَيْنهمَا مِنْهُمَا مُرَتَّبًا عَلَى الْوَطْء كَائِنًا عَنْ الْحَمْل مَوْجُودًا فِي الْجَنِين بِالْوَضْعِ ; كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا سَبَقَ مَاء الرَّجُل مَاء الْمَرْأَة أَذْكَرَا وَإِذَا سَبَقَ مَاء الْمَرْأَة مَاء الرَّجُل آنَثَا ) . وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيح أَيْضًا : ( إِذَا عَلَا مَاء الرَّجُل مَاء الْمَرْأَة أَشْبَهَ الْوَلَد أَعْمَامه وَإِذَا عَلَا مَاء الْمَرْأَة مَاء الرَّجُل أَشْبَهَ الْوَلَد أَخْوَاله ) . قُلْت : وَهَذَا مَعْنَى حَدِيث عَائِشَة لَا لَفْظه خَرَّجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْهَا أَنَّ اِمْرَأَة قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَغْتَسِل الْمَرْأَة إِذَا اِحْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتْ الْمَاء ؟ فَقَالَ : ( نَعَمْ ) فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَة : تَرِبَتْ يَدَاك وَأَلَتْ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعِيهَا وَهَلْ يَكُون الشَّبَه إِلَّا مِنْ قِبَل ذَلِكَ . إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاء الرَّجُل أَشْبَهَ الْوَلَد أَخْوَاله وَإِذَا عَلَا مَاء الرَّجُل مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْعُلُوّ يَقْتَضِي الشَّبَه ; وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث ثَوْبَان خَرَّجَهُ مُسْلِم أَيْضًا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ : ( مَاء الرَّجُل أَبْيَض وَمَاء الْمَرْأَة أَصْفَر , فَإِذَا اِجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيّ الرَّجُل مَنِيّ الْمَرْأَة أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّه وَإِذَا عَلَا مَنِيّ الْمَرْأَة مَنِيّ الرَّجُل آنَثَا بِإِذْنِ اللَّه ... ) الْحَدِيث . فَجَعَلَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا الْعُلُوّ يَقْتَضِي الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة ; فَعَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثَيْنِ يَلْزَم اِقْتِرَان الشَّبَه لِلْأَعْمَالِ وَالذُّكُورَة إِنْ عَلَا مَنِيّ الرَّجُل , وَكَذَلِكَ يَلْزَم إِنْ عَلَا مَنِيّ الْمَرْأَة اِقْتِرَان الشَّبَه لِلْأَخْوَالِ وَالْأُنُوثَة ; لِأَنَّهُمَا مَعْلُولًا عِلَّة وَاحِدَة , وَلَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ بَلْ الْوُجُود بِخِلَافِ ذَلِكَ ; لِأَنَّا نَجِد الشَّبَه لِلْأَخْوَالِ وَالذُّكُورَة وَالشَّبَه لِلْأَعْمَامِ وَالْأُنُوثَة فَتَعَيَّنَ تَأْوِيل أَحَد الْحَدِيثَيْنِ . وَاَلَّذِي يَتَعَيَّن تَأْوِيله الَّذِي فِي حَدِيث ثَوْبَان فَيُقَال : إِنَّ ذَلِكَ الْعُلُوّ مَعْنَاهُ سَبَقَ الْمَاء إِلَى الرَّحِم , وَوَجْه أَنَّ الْعُلُوّ لِمَا كَانَ مَعْنَاهُ الْغَلَبَة مِنْ قَوْلهمْ سَابَقَنِي فُلَان فَسَبَقْته أَيْ غَلَبْته ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ " [ الْوَاقِعَة : 60 ] أَيْ بِمَغْلُوبِينَ , قِيلَ عَلَيْهِ عَلَا . وَيُؤَيِّد هَذَا التَّأْوِيل قَوْله فِي الْحَدِيث : ( إِذَا سَبَقَ مَاء الرَّجُل مَاء الْمَرْأَة أَذْكَرَا وَإِذَا سَبَقَ مَاء الْمَرْأَة مَاء الرَّجُل آنَثَا ) . وَقَدْ بَنَى الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيث بِنَاء فَقَالَ : إِنَّ لِلْمَاءَيْنِ أَرْبَعَة أَحْوَال : الْأَوَّل : أَنْ يَخْرُج مَاء الرَّجُل أَوَّلًا , الثَّانِي : أَنْ يَخْرُج مَاء الْمَرْأَة أَوَّلًا , الثَّالِث : أَنْ يَخْرُج مَاء الرَّجُل أَوَّلًا وَيَكُون أَكْثَر , الرَّابِع : أَنْ يَخْرُج مَاء الْمَرْأَة أَوَّلًا وَيَكُون أَكْثَر . وَيَتِمّ التَّقْسِيم بِأَنْ يَخْرُج مَاء الرَّجُل أَوَّلًا ثُمَّ يَخْرُج مَاء الْمَرْأَة بَعْده وَيَكُون أَكْثَر أَوْ بِالْعَكْسِ ; فَإِذَا خَرَجَ مَاء الرَّجُل أَوَّلًا وَكَانَ أَكْثَر جَاءَ الْوَلَد ذَكَرًا بِحُكْمِ السَّبْق وَأَشْبَهَ الْوَلَد أَعْمَامه بِحُكْمِ الْكَثْرَة . وَإِنْ خَرَجَ مَاء الْمَرْأَة أَوَّلًا وَكَانَ أَكْثَر جَاءَ الْوَلَد أُنْثَى بِحُكْمِ السَّبْق وَأَشْبَهَ أَخْوَاله بِحُكْمِ الْغَلَبَة . وَإِنْ خَرَجَ مَاء الرَّجُل أَوَّلًا لَكِنْ لَمَّا خَرَجَ مَاء الْمَرْأَة بَعْده كَانَ أَكْثَر كَانَ الْوَلَد ذَكَرًا بِحُكْمِ السَّبْق وَأَشْبَهَ أَخْوَاله بِحُكْمِ غَلَبَة مَاء الْمَرْأَة , وَإِنْ سَبَقَ مَاء الْمَرْأَة لَكِنْ لَمَّا خَرَجَ مَاء الرَّجُل كَانَ أَعْلَى مِنْ مَاء الْمَرْأَة , كَانَ الْوَلَد أُنْثَى بِحُكْمِ سَبْق مَاء الْمَرْأَة وَأَشْبَهَ أَعْمَامه بِحُكْمِ غَلَبَة مَاء الرَّجُل . قَالَ : وَبِانْتِظَامِ هَذِهِ الْأَقْسَام يَسْتَتِبّ الْكَلَام وَيَرْتَفِع التَّعَارُض عَنْ الْأَحَادِيث , فَسُبْحَان الْخَالِق الْعَلِيم


قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَتْ الْخِلْقَة مُسْتَمِرَّة ذَكَرًا وَأُنْثَى إِلَى أَنْ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى الْخُنْثَى فَأُتِيَ بِهِ فَرِيض الْعَرَب وَمُعَمِّرهَا عَامِر بْن الظَّرِب فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُول فِيهِ وَأَرْجَأَهُمْ عَنْهُ ; فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل تَنَكَّرَ مَوْضِعه , وَأَقَضَّ عَلَيْهِ مَضْجَعه , وَجَعَلَ يَتَقَلَّب وَيَتَقَلَّب , وَتَجِيء بِهِ الْأَفْكَار وَتَذْهَب , إِلَى أَنْ أَنْكَرَتْ خَادِمه حَاله فَقَالَتْ : مَا بِك ؟ قَالَ لَهَا : سَهِرْت لِأَمْرٍ قَصَدْت بِهِ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُول فِيهِ ؟ فَقَالَتْ مَا هُوَ ؟ قَالَ لَهَا : رَجُل لَهُ ذَكَر وَفَرْج كَيْف يَكُون حَاله فِي الْمِيرَاث ؟ قَالَتْ لَهُ الْأَمَة : وَرِّثْهُ مِنْ حَيْثُ يَبُول ; فَعَقَلَهَا وَأَصْبَحَ فَعَرَضَهَا عَلَيْهِمْ وَانْقَلَبُوا بِهَا رَاضِينَ . وَجَاءَ الْإِسْلَام عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ تَنْزِل إِلَّا فِي عَهْد عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَضَى فِيهَا . وَقَدْ رَوَى الْفَرْضِيُّونَ عَنْ الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَوْلُود لَهُ قُبُل وَذَكَر مِنْ أَيْنَ يُوَرَّث ؟ قَالَ : مِنْ حَيْثُ يَبُول . وَرُوِيَ أَنَّهُ أُتِيَ بِخُنْثَى مِنْ الْأَنْصَار فَقَالَ : ( وَرِّثُوهُ مِنْ أَوَّل مَا يَبُول ) . وَكَذَا رَوَى مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة عَنْ عَلِيّ , وَنَحْوه عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَبِهِ قَالَ اِبْن الْمُسَيِّب وَأَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد , وَحَكَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ . وَقَالَ قَوْم : لَا دَلَالَة فِي الْبَوْل ; فَإِنْ خَرَجَ الْبَوْل مِنْهُمَا جَمِيعًا قَالَ أَبُو يُوسُف : يُحْكَم بِالْأَكْثَرِ . وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَنِيفَة وَقَالَ : أَتَكِيلُهُ ! وَلَمْ يَجْعَل أَصْحَاب الشَّافِعِيّ لِلْكَثْرَةِ حُكْمًا . وَحُكِيَ عَنْ عَلِيّ وَالْحَسَن أَنَّهُمَا قَالَا : تُعَدّ أَضْلَاعه , فَإِنَّ الْمَرْأَة تَزِيد عَلَى الرَّجُل بِضِلْعٍ وَاحِد . وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا فِي آيَة الْمَوَارِيث فِي " النِّسَاء " مُجَوَّدًا وَالْحَمْد لِلَّهِ .


قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْم مِنْ رُءُوس الْعَوَامّ وُجُود الْخُنْثَى , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَسَمَ الْخَلْق إِلَى ذَكَر وَأُنْثَى . قُلْنَا : هَذَا جَهْل بِاللُّغَةِ , وَغَبَاوَة عَنْ مَقْطَع الْفَصَاحَة , وَقُصُور عَنْ مَعْرِفَة سَعَة الْقُدْرَة . أَمَّا قُدْرَة اللَّه سُبْحَانه فَإِنَّهُ وَاسِع عَلِيم , وَأَمَّا ظَاهِر الْقُرْآن فَلَا يَنْفِي وُجُود الْخُنْثَى ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " لِلَّهِ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَخْلُق مَا يَشَاء " . فَهَذَا عُمُوم مَدْح فَلَا يَجُوز تَخْصِيصه ; لِأَنَّ الْقُدْرَة تَقْتَضِيه . وَأَمَّا قَوْله : " يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور . أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَل مَنْ يَشَاء عَقِيمًا " فَهَذَا إِخْبَار عَنْ الْغَالِب فِي الْمَوْجُودَات , وَسَكَتَ عَنْ ذِكْر النَّادِر لِدُخُولِهِ تَحْت عُمُوم الْكَلَام الْأَوَّل , وَالْوُجُود يَشْهَد لَهُ وَالْعِيَان يُكَذِّب مُنْكِرَهُ , وَقَدْ كَانَ يَقْرَأ مَعَنَا بِرِبَاطِ أَبِي سَعِيد عَلَى الْإِمَام الشَّهِيد مِنْ بِلَاد الْمَغْرِب خُنْثَى لَيْسَ لَهُ لِحْيَة وَلَهُ ثَدْيَانِ وَعِنْده جَارِيَة ; فَرَبّك أَعْلَم بِهِ , وَمَعَ طُول الصُّحْبَة عَقَلَنِي الْحَيَاء عَنْ سُؤَاله , وَبِوُدِّي الْيَوْم لَوْ كَاشَفْته عَنْ حَاله .
none
Facebook Twitter Pinterest Reddit Linkedin Tumblr Email

كتب عشوائيه

  • روح وريحان

    قالت المؤلفة: من خلال اطلاعي على كتب التفسير المختلفة، وأساليب حفظ القرآن الكريم المتنوعة، أدركت أهمية المعنى وترابط الأفكار في السور في تسهيل وتيسير الحفظ ، حيث أن الإنسان يبقى في ذهنه التصور العام للآيات مهما تمادى به الزمن وإن لم يراجعها بإذن الله تعالى، فعكفت على جمع الموضوعات الأساسية لكل سورة على حدة مستعينة بكتب التفاسير القيّمة ، وقمت بصياغتها بشكل متسلسل مترابط على شكل نقاط متتابعة وأفكار متكاملة، تيسيرا على المسلم الباحث عن وسيلة مبسّطة تعينه على الإلمام بجوّ السورة العام في وقت مقتضب، وكذلك لمساعدة طلاب حلقات القرآن الكريم على تثبيت حفظهم للسور بمراجعتهم لأهم موضوعاتها ومعانيها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/371330

    التحميل:

  • الاستشراق

    الاستشراق: كثيرًا ما يتردَّد على ألسنة الخطباء وفي الصحف والمجلات وفي الكتب كلمة (استشراق) وبخاصة عندما يكون الحديث عن الغزو الفكري أو الثقافي وآثاره السيئة، وقد بالَغَ البعضُ في ذم الاستشراق وكل ما يمُتُّ إليه بصلة، بينما يرى البعض أن الاستشراق إنما هو جهد علمي لدراسة الشرق، وبخاصة بعض الذين تتلمذوا على أيدي بعض المستشرقين؛ حيث يرون فيهم المثال في المنهجيـة والإخلاص والدقة وغير ذلك من النعوت المادحة. وقد صدرت كتابات كثيرة تتناول تعريف الاستشراق ونشأته وأهدافه ودوافعه ومناهجه، ولما كانت الموسوعة الوسيطة للأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة رأَت أن يُكتب عن الاستشراق لما له من تأثير في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، فقد كانت هذه الصفحات التي تحاول أن تقدم تعريفًا للاستشراق وأهدافه وأثره في العالم الإسلامي في النواحي العقدية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما تتضمن الصفحات الآتية تعريفًا بأبرز المستشرقين ونبذة عن إنتاجهم الفكري.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/343849

    التحميل:

  • حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول

    حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول : قال المصنف - حفظه الله -: « فإن رسالة ثلاثة الأصول وأدلتها للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - رسالة موجزة جامعة في موضوع توحيد الربوبية والألوهية والولاء والبراء وغير ذلك من المسائل المتعلقة بعلم التوحيد، الذي هو من أشرف العلوم وأجلها قدرًا، كتبها الشيخ رحمه الله مقرونة بالدليل بأسلوب سهل ميسر لكل قارئ؛ فأقبل الناس عليها حفظًا وتدريسًا؛ لأنها كتبت بقلم عالم جليل من علماء الإسلام نهج منهج السلف الصالح داعيًا إلى التوحيد ونبذ البدع والخرافات وتنقية الإسلام مما علق به من أوهام، ويظهر ذلك جليًّا في معظم مؤلفات الشيخ ورسائله، فجاءت هذه الرسالة خلاصة وافية لمباحث مهمة لا يستغني عنها المسلم ليبني دينه على أُسس وقواعد صحيحة؛ ليجني ثمرات ذلك سعادة في الدنيا وفلاحًا في الدار الآخرة. لذا رأيت أن أكتب عليها شرحًا متوسطاً في تفسير آياتها وشرح أحاديثها وتوضيح مسائلها إسهامًا في تسهيل الاستفادة منها، والتشجيع على حفظها وفهمها بعد أن قمت بشرحها للطلبة في المسجد بحمد الله تعالى، وسميته: حصول المأمول بشرح ثلاثة الأصول ».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2383

    التحميل:

  • اللهم سلم

    اللهم سلم: في زمن النسيان والغفلة والأمل والتسويف أقدم للإخوة القراء الجزء العاشر من سلسة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان: «اللهم سلم». وفيه ذكر فضيلة الخوف من الله التي تقود إلى العمل وتحرك الهمم. وطرزته بحال السلف خوفًا ورجاء».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229620

    التحميل:

  • مسؤولية الدول الإسلامية عن الدعوة ونموذج المملكة العربية السعودية

    قال المؤلف - حفظه الله -: لقد رغب إليَّ المركز أن أحاضر في موضوع ذي أهمية بالغة في حياة المسلمين بعامة، وفي عصرنا الحاضر بخاصة: " مسؤولية الدول الإسلامية عن الدعوة ونموذج المملكة العربية السعودية ". وهو موضوع متشعب وواسع، لا يكفي للوفاء به الوقت المخصص للمحاضرة. ومن هنا، فإن تناول موضوعاته سيكون موجزًا، أقدم فيه ما أراه أهم من غيره. وذلك من خلال محاور خمسة: الأول: الدعوة إلى الله، وأمانة تبليغها، والحاجة الماسة إليها في هذا العصر. الثاني: الدين والأمة والدولة في التصور الإسلامي. الثالث: الدولة والدعوة في التاريخ الإسلامي. الرابع: الدولة والدعوة في البلاد الإسلامية في العصر الحديث. الخامس: الدولة والدعوة في المملكة العربية السعودية.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/110571

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة